التعليق على كتاب السيرة النبوية من تاريخ الإسلام للذهبي 46

التعليق على كتاب السيرة النبوية من تاريخ الإسلام للذهبي 46

الدرس في التعليق على كتاب السيرة النبوية من تاريخ الإسلام للذهبي 46، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

قصة عمر بن الخطاب مع كاهن الجاهلية

مر عمر بن الخطاب برجل ظنه كاهناً في الجاهلية فأقر بذلك، وسأله عن أعجب ما أخبرته جنيته فذكر أن الجنية أنشدته شعراً يصف يأس الجن وإحباطها ولحوقها بالإبل وأحلاسها. تعكس القصة حال الكهان في الجاهلية وتفاعلهم مع عالم الجن قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم.

تفسير القلاص والحلس ومنع الجن من استراق السمع

فسر المقطع مفردتي القلاص والحلس الواردتين في شعر الجنية، وبين أن الجن يئست من استراق السمع بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل الله الشهب رصداً لهم. كما سرد قصة إسلام عمر بن الخطاب حين سمع صارخاً من عجل مذبوح ينادي بالشهادة مع اختلاف الروايات فيمن سمع الصوت.

رواية خبر الجني عن بعثة النبي ونقد أسانيدها

يروي المقطع لقاء عمر بن الخطاب برجل من الشام كان كاهناً فأخبره بسمعه جنياً يعلن بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وتوعد الجن والإنس والخيل. ناقش المؤلف أسانيد الرواية مبيناً ضعف يحيى بن أيوب واضطراب رواية عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الشامي، وذكر رواية مرسلة عن ابن مسكين الأنصاري.

رواية حجاج بن أرطأة عن مجاهد وتحديد هوية الكاهن

ذكر الراوي حجاج بن أرطأة رواية عن مجاهد، وكذلك رواية ابن كثير عن مجاهد موقوفاً. أشار إلى احتمال أن يكون الكاهن المذكور هو سواد بن طارق الوارد في حديث أحمد بن موسى الحمار الكوفي، ووعد بذكر تفصيل الحافظ في الدرس القادم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن ولاه. ما بعد، قال الحافظ الذهبي رحمه الله: فصل فيما ورد من هواتف الجن وأقوال الكهان. ما ورد في السيرة من ذلك: قال ابن وهب: أخبرنا عمر بن محمد، قال: حدثنا صالح بن عبد الله عن نبيه، قال: ما سمعت عمر رضي الله عنه يقول لشيء قط: إني لأظنه كذا، إلا كان كما يظن. وهذا لأجل أن عمر رجل ملهم، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن في هذه الأمة رجالاً محدثين، إن يكن منهم أحد فعمر محدث». أي: ملهم، يلهمه الله عز وجل بكلام يظنه فيكون صحيحاً، مثل الفراسة. قال: فبينا عمر جالس، مر به رجل جميل، فقال: «لقد أخطأ ظني، أو أن هذا على دينه في الجاهلية، أو لقد كان كاهنهم». علي الرجل، مر عليه رجل جميل، فظن فيه أنه إما أنه على دينه لازال، أو كان كاهناً من الكهان في الجاهلية. قال: علي الرجل، فدعي له، فقال له عمر: «لقد أخطأ ظني، أو أنك على دينك في الجاهلية، أو لقد كنت كاهنهم». فقال أي هذا الرجل: «ما رأيتك اليوم استقبل به رجل مسلم، أنا ما في حد استقبلني بمثل هذا». قال: «فإني أعزم عليك إلا ما أخبرتني، أنا إيش خبرك». فقال هذا الرجل: «كنت كاهنهم في الجاهلية». فقال: «ما أعجب ما جاءتك به جنيتك؟». أنا يقول له: إيش الجنية التي كانت عندك؟ الكهان يتعاملون مع الجن. فقال: إيش أعجب؟ قال له: «فما أعجب ما جاءت به جنيتك؟» قال: «بينا أنا جالس جاءتني، أعرف فيها الفزع». أي: هذه الجنية قالت: «ألم تر الجن وإبلاسها ويأسها من بعد إنكاسها ولحوقها بالقلاص وأحلاسها؟». معنى أنها: القلاص هنا جمع قلوص، وهي الناقة الشابة، والحلس: كساء يجعل تحت رحل الإبل. أي أنها يئست من استراق السمع، فعنى ما عندها استراق لسمع، ومنعوا من الاستراق، فهم يسترقون السمع. وأن كنا نقعد مقاعد للسمع، فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رصداً. فكانوا يستمعون، فلما جاء وبعث النبي صلى الله عليه وسلم منعوا من ذلك، فيرسل الله عز وجل عليهم الشهب. ولله عز وجل حكمه، فقد يصيب هذا الشهاب هذا الجن، وقد لا يصيبه، فيأخذ الكلمة فيعطيها من تحته إلى أن تصل إلى الكاهن أو الساحر. قال عمر: أي: قال عمر رضي الله عنه: «صدق». بينا أنا نائم عند آلهتهم، إذ جاء بعجل فذبح، فصرخ منه صارخ لم أسمع صارخاً أشد صوتاً منه، يقول: «يا جليح، أمر نجيح، رجل فصيح، يقول: لا إله إلا الله». قال: فوثب القوم، قلت: لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا. يعني: سمع صوت وهو لا يدري من هذا الذي يتكلم. قال: ثم نادى: «يا جليح، أمر نجيح، رجل فصيح، يقول: لا إله إلا الله». قلت: لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا. فعاد قوله، قال: فقمت، فما نشبت أن قيل: هذا نبي. أخرجه البخاري. هكذا هذا الحديث في صحيح البخاري في إسلام عمر. قال: وظاهر أن عمر بنفسه سمع الصارخ من العجل، وسائر الروايات تدل على أن الكاهن هو الذي سمع. سائر الروايات فيها أن الكاهن هو الذي سمع هذا الصراخ. قال: فروى يحيى بن أيوب عن ابن الهاد، هو سعيد بن عبد الله بن الهاد، عن عبد الله بن سليمان، عن محمد بن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن عبد الله، عن ابن عمر، قال: بينما رجل مار، فقال عمر: «قد كنت مرة داف رأسه، وليس لي رأي». معنى: ليس لي رأي من الجن، معنى: ليس لي صاحب من الجن، لكن أعطيته في الرأس. ألم يكن قد كان هذا الرجل ينظر ويقول في الكهانة؟ ادعوه لي، فدعوه. فقال عمر: «من أين قدمت؟» قال: «من الشام». قال: «فأين تريد؟» قال: «أردت هذا البيت، ولم أكن أخرج حتى آتيه». قال: «هل كنت تنظر في الكهانة؟» قال: «نعم». قال: «فحدثني». قال: «إني ذات ليلة بواجد، إذ سمعت فائحاً يقول: يا جليح، خبر نجيح، رجل يصيح». في الرواية الأولى: «رجل فصيح». وقد يكون هذا الخطأ من يحيى بن أيوب الغافقي، فهو فيه ضعف، أي: في حفظه. قال: «رجل يصيح، يقول: لا إله إلا الله، الجن وإياسها، والإنس وإبلاسها، والخيل وأحلاسها». فقلت: «من هذا؟» قال: «إن هذا لخبر يئست منه الجن، وأبلست منه الإنس، وأعملت فيه الخيل، وأعملت فيه الخيل، وأعملت فيه الخيل». معنى أنها: حثت هذه الخيل على الجهاد. قال: «فما حال الحول حتى بعث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم». قال: ورواه الوليد بن مزيد العدري، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، هو الشامي. ورواية رواية أهل الكوفة، أهل الشام خاصة، عن عبد الرحمن بن يزيد، فيها شيء، وفيها ضعف؛ لأن عبد الرحمن بن يزيد هذا غير الذي هو معروف. الشام وأهل الكوفة أخطأوا فيه. قال: عن ابن مسكين الأنصاري، قال: بينا عمر جالس. قال: وهذا منقطع. وروى حجاج بن أرطأة عن مجاهد، ويروى عن ابن كثير أحد القراء عن مجاهد موقوفاً. قال: ويشبه أن يكون هذا الكاهن هو سواد بن طارق المذكور في حديث أحمد بن موسى الحمار الكوفي. طيب، إن شاء الله نكتب هذا ونذكر ما ذكره الحافظ رحمه الله في الدرس اللاحق.