كتاب الصلاة 14

كتاب الصلاة 14

الدرس في كتاب الصلاة 14، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

حديث عثمان بن أبي العاص في الإمامة والأذان وحكم الأجر عليهما

يشرح المقطع حديث عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه حين طلب الإمامة فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤمهم ويقتدي بأضعفهم، ويتخذ مؤذناً لا يأخذ أجراً على أذانه. ويناقش المؤلف آداب طلب الإمامة ونيتها، مبيناً جواز طلبها للمصلحة الشرعية كحماية المساجد من البدعة، ويذكر خلاف العلماء في تحريم أو كراهة أخذ الأجر على الأذان لكونه عبادة محضة.

أحكام أخذ الأجر على الأذان والإمامة والتدريس والفرق بين اشتراطه من المصلين وأخذه من غيرهم

يبيّن المقطع كراهة اشتراط المؤذن أو المعلم الأجر من أهل المسجد أو الطلبة لأن ذلك عبادة محتسبة، بينما يجوز أخذ الراتب من الحاكم أو المتبرعين أو الأوقاف إذا لم يوجد متفرغ محتسب. كما يستدل بحديث الأمر باتخاذ مؤذن لا يأخذ أجراً على مشروعية طلب الإمامة في الخير ووجوب مراعاة الإمام لحال المصلين بتخفيف الصلاة.

أحكام أجر المؤذن وصفاته وصحة أذان الفاسق

يناقش المقطع حكم أخذ الأجر على الأذان حيث ذهب الشافعية إلى جوازه مع الكراهة والحنفية إلى تحريمه، ويرجح الكاتب جوازه خاصة إذا كان مقابل مهام إضافية كإدارة المسجد. كما يتناول شروط المؤذن مستدلاً بحديث مالك بن الحويرث، ويبين خلاف العلماء في صحة أذان الفاسق مرجحاً صحته مع الأفضلية لاختيار المؤذن الأمين الصالح.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله: وعن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه قال: يا رسول الله، اجعلني إمام قومي. قال: «أنت إمامهم، واقتد بأضعفهم، واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً». أخرجه الخمسة، وحسنه الترمذي، وصححه الحاكم. وهذا الحديث صحيح، وبعضه في مسلم. قال: وعن عثمان، هو أبو عبد الله عثمان بن أبي العاص بن بشر الثقفي. استعمله النبي صلى الله عليه وسلم على الطائف، فلم يزل عليها مدة حياته صلى الله عليه وسلم، وخلافة أبي بكر، وسنتين أو ثلاث سنين من خلافة عمر، ثم عزله، وولي عمان والبحرين. وكان من الوافدين عليه صلى الله عليه وسلم في وفد ثقيف، وكان أصغرهم سناً، له سبع وعشرون سنة. ولما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم عزم ثقيف على الردة، فقال لهم: يا ثقيف، كنتم آخر الناس إسلاماً، فلا تكونوا أولهم ردة، فامتنعوا من الردة. مات بالبصرة سنة إحدى وخمسين. وهو الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن الشيطان يلبس علي قراءتي، فقرأ عليه النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: «اخرج يا عدو الله». قال: أنه قال: يا رسول الله، اجعلني إمام قومي. قال: «أنت إمامهم، واقتد بأضعفهم». إمام قومي: أي الذي أصلي بهم. وإن كان الإمام لا يطلبه أحد، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في الإمارة الكبرى: «يا عبد الرحمن بن سمرة، لا تطلب الإمارة، فإنك إن طلبتها وكلت إليها، وإن أعطيته من غير مسألة أعنت عليها». لكن أحياناً معناه يتعين على الرجل أن يطلب هذه الإمامة، إذا كان مثلاً ليس في القوم من يقوم بها ويستحق هذه الإمامة إلا هو، فلا بأس أن يطلبها لأجل المصلحة، حتى لا يأخذها من لا يستحقها. فإن كانت نيته مثل هذه فهذا طيب. أي: القصد الذي يطلب الإمام إمامة الصلاة، ما لا يطلبها لأجل أن لا يأخذها غيره. فحياناً مثلاً بعض المساجد يكون فيها تنازع، يريدون إماماً، وهذا المسجد التنازع عليه، بعض أهل البدع يريد أن يأخذه، فهنا قد يتعين على هذا الرجل الذي من أهل السنة أن يقدم نفسه لأجل أن يأخذ هذه الإمامة، لأن المساجد أماكن دعوة، دعوة الخير والناس، وكذا. فلهذا له أن يقدم نفسه لأجل أن يتلقى هذه الإمامة، لأجل أن يجعل هذا المسجد تابعاً للسنة، فهذا من باب الدعوة. أما إن كان فقط همه المال فهذا خطأ، أن بعض الناس تجدوا مثلاً في مسجد الفلاني يعطيه مبلغاً مغرياً لأجل الإمامة، فتجد أن كثيراً من الأئمة يتقدم، وغالباً لأجل هذا المال أو هذا الراتب المغري، وهذه نية ليست صحيحة. لكن كما قلنا: إن كان لأجل نشر السنة فهذا لا بأس، بل قد يكون يؤجر الإنسان عليه. وقد كان عثمان بن أبي العاص من خيرة ثقيف وأحفظهم للقرآن، فلهذا النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد طلبه، بخلاف ذاك الأشعري الذي جاء يريد إمامته، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إنا لا نولي هذا العمل من سأله، ولا من حرص عليه». لكن إذا كان هو أهلاً لها فلا بأس أن يعطى، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنت إمامهم، واقتد بأضعفهم». المراد: اقتد بأضعفهم، أي يجعل أضعفهم قدوة لك، لا تجعل شديدهم قدوة لك. معنى المراد: أنك إذا صليت انتبه لهذا الأضعف، لا تطيل في الصلاة جداً وتعسر على هؤلاء الضعفاء. قال: «واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً». وهذا هو وجه الشاهد هنا، مسألة الأجر في الأذان. قول الجمهور: أن أخذ الأجرة واشتراط الأجرة في العبادات المحضة لا يجوز. العبادات المحضة كالأذان، فاشتراط الأجرة في مثل هذه الأشياء لا يجوز. ومنهم من يقول: إنه يكره، كما عند الشافعي. أما إن كان ليس عن اشتراط وإنما بالتبرع منهم، فهذا لا بأس. إن يقول له مثلاً صاحب المسجد: أذن، ونعطيك أجر كذا وكذا، لا شيء فيه. لكن هو الذي يشترط، يقول: أنا ما سأؤذن حتى تعطوني كذا وكذا، فهذا الذي كره. وجاء في حديث مالك: «ولا تتخذ مؤذناً» أو قال: «واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً». قال: يا رسول الله، اجعلني إمام قومي. قال: «أنت إمامهم، واقتد ببعض ضعفهم». أي: اجعل ضعفهم بمرض أو زمانة، الزمانة معناها: المرض المزمن أو نحوهما، قدوة لك، تصلي بصلاته تخفيفاً. قال: «واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً». أخرجه الخمسة، وحسنه الترمذي، وصححه الحاكم. وجاء في رواية الترمذي في نفس الحديث أن عثمان قال: إن من آخر عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً. لأن المؤذن المحتسب غالباً يراعي الوقت ويهتم بذلك. لكن كما قلنا: إذا لم يوجد من يتفرغ لهذا الأمر، فلا بأس أن يفرغوا إنساناً ويعطوه أجراً من عندهم. وأما إذا كان هذا الأجر من غير أهل المسجد، كالحاكم، مما يجعل له رزقاً أو راتباً من عند الأمير، أو من عند رجل تاجر يقول: آتوني برجل يؤذن أعطيه كذا وكذا، هذا لا شيء فيه، حتى لو طلبه. بعض العلماء يقول: حتى لو طلبه لا يحرم، لأنه ليس من أهل المسجد، وإنما إنسان تبرع بهذا، أو الحاكم. الحاكم مثلاً، مثل ما يوجد في الدول الأخرى، تجد حتى عندنا هنا أيضاً له راتب في المساجد التي تكون تابعة للأوقاف، يعطونه راتباً. فما دام أنه من الحاكم أو من رجل تاجر أو غيره، فهذا جائز، وهذا لا خلاف فيه على جوازه إذا كان من غير أصحاب المسجد. وهذا مثل أجرة المعلم المدرس: إذا كانت هذه الأجرة تأخذ من الطلاب ويشترط ذلك، فهذا لا يجوز، لأن هذا محتسب. إذا كان معناه تعليم الكتاب والسنة، فهذا يعتبر عبادة، والعبادات المحضة لا يأخذ فيها شيء من الأجر، أي لا يشترط. لكن إن كان هذا المال يعطى من إنسان تاجر مثلاً يقول: أنا أكفل هذا الشخص الذي يأتي يعلم في هذا المسجد، فهذا لا شيء فيه. أو مثلاً يعطيه الأمير أو جهة معينة، مما لا يكون من الطلبة. يأخذ من الطلبة فيعطى المدرس، إلا إذا كان الناس بحاجة إلى مثل هذا، وهو لم يشترط عليهم، قال له: نريدك تدرس عندنا، وجاء، لم يشترط عليهم بشيء، فيجمعون له من أموال الطلبة ويعطونه إياه، فهذا لا بأس، وإن كان غيره أفضل منه، المحتسب أفضل. لكنحياناً الإنسان يحتاج، بمعنى: ما سيسيتفرغ لهذا التعليم إلا إذا أعطي، وإلا سيذهب ويعمل عملاً آخر. ولهذا أفتى الفقيه أبو إسحاق الشيرازي بعض المدرسين أنه يجوز أن يأخذوا مالاً على تعليمهم، لأنهم لو لم يأخذوا لتفرقوا للعمل. كان معنى هذا الحديث: تجد أنهم من الصباح يأتونه إلى بيته أو إلى المسجد الذي هو فيه، فلا يستطيع أن يذهب ويعمل. فقال له أبو إسحاق الشيرازي: لا بأس أن تأخذ لأجل عيالك، لأنه لو لم يأخذ لذهب وعمل لأجل عياله، لأجل نفسه، فلا بأس من هذا. قال: «واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً». قال: الحديث يدل على جواز طلب الإمامة في الخير. وقد ورد في دعاء عباد الرحمن الذين وصفهم الله بتلك الأوصاف أنهم يقولون: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: 74]. وليس من طلب الرئاسة المذمومة. وإن ذلك فيما يتعلق برئاسة الدنيا التي لا يُعانون في طلبها، لا يستحق أن يعطاها، كما يأتي بيانه. وأنه يجب على إمام الصلاة أن يلاحظ حال المصلين خلفه، فيجعل أضعفهم كأنه المقتدي به، فيخفف لأجله. ويأتي في أبواب الإمامة في الصلاة تخفيفه. وأنه يتخذ الإمام مؤذناً لجميع الناس للصلاة. وأن من صفة المؤذن باتخاذه أن لا يأخذ على أذانه أجراً، أي أجراً. وهو دليل على أن من أخذ على أذانه أجراً ليس مأموراً باتخاذه. وهل يجوز له أخذ الأجر؟ ذهب الشافعية إلى جواز أخذ الأجر مع الكراهة، وذهب الحنفية إلى تحريم الأجر لهذا الحديث. قلت: ولا يخفى أنه لا يدل على التحريم. وقيل: يجوز أخذها على التأديب في محل مخصوص، إذ ليس على الأذان حينئذ بل على ملازمة المكان، كأجرة المرصد. أيضاً هذا أمر آخر: بعض الناس مثلاً في بعض المساجد يريد مؤذناً، لكن أهم شيء يريد من يقوم بأمر المسجد، بإغلاق الأبواب، بتنظيف المسجد، إخراج مثلاً من يعبث في المسجد، أو غيرها من هذه المهام، أو مشرف على المسجد، فيقول له: تعالى أذن، وأمسك هذا، فيشترط عليه مثلاً يريد كذا، فهذا لا شيء فيه، لأن هذا ليس على الأذان، وإنما الأذان تبع، الأذان يصبح تبعاً، وإلا فهو مسؤول يعطيه لأنه مشرف على المسجد لأجل إشرافه على المسجد. وأما تفصيل مسألة الأذان فقد ذكرنا تفصيلها، والله أعلم. قالوا: عن مالك بن الحويرث رضي الله عنه قال: قال لنا النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم». الحديث، أخرجه السبعة. قالوا: عن مالك بن الحويرث، بضم الحاء المهملة وفتح الواو، وسكون الياء التحتية، وكسر الراء، والثاء المثلثة. هو ابن سليمان، مالك بن الحويرث الليثي. وفد على النبي عليه الصلاة والسلام وأقام عنده عشرين ليلة، وسكن البصرة. قال: حتى قال: حتى ظن أننا مشتاقون إلى أهلنا، فقال: «اذهبوا إلى أهلكم وعلموهم، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم». قال: وسكن البصرة، ومات سنة أربع وتسعين بها. قال: قال لنا النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم». الحديث، أخرجه السبعة. قال: هو مختصر من حديث طويل، أخرجه المتقدمون، في إحداها قال مالك: أتيت النبي عليه الصلاة والسلام في نفر من قومي، فأقمنا عنده عشرين ليلة، في رواية: تسعة عشر أو عشرين بالشك. قال: كان رحيماً رفيقاً، فلما رأى شوقنا إلى أهلينا قال: «ارجعوا فكونوا فيهم وعلموهم وصلوا». فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم. زاد في رواية البخاري: «صلوا كما رأيتموني أصلي». فساق المصنف قطعة منه هي موضع ما يريده من الدليل على الأذان، ودليل إجابته الأمر به. وفيه: أنه لا يشترط في المؤذن غير الإيمان، لقوله: «أحدكم». ولهذا اختلف العلماء في أذان الفاسق: هل يصح أذان الفاسق؟ فالمشهور عندنا الشافعية، ورواية عن أحمد، ومذهب أبي حنيفة: أنه لا يصح أذان الفاسق. وذهب الآخرون إلى جوازه، لقوله صلى الله عليه وسلم: «وليؤذن لكم أحدكم»، وما دام أنه مسلم فأذانه صحيح. فيحرص على أن يكون المؤذن من أهل الخير، من أهل الصلاح، لا يكون فاسقاً. لكن هل يصح؟ يصح، لكن الأولى أن يكون من أهل الإيمان. لأنه قديماً كان الناس يؤذنون في أماكن مرتفعة. فلهذا استدل أحمد، ومن قال بأنه لا يصح، وأيضاً هو قول الشافعية، استدلوا بحديث: «الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن». فقالوا: المؤذن مؤتمن على الأوقات وأحوال الناس، فكيف يجعل مؤذناً فاسقاً؟ فالمؤذن لابد أن يكون مؤتمناً، وهذا هو الذي ينبغي. لكن إذا لم يوجد إلا هذا الفاسق مثلاً، وآذن، فأذنه صحيح. ولا يحرص المسلم والمسؤول مثلاً على المسجد، أو الإمام وغيره، يحرص على أن يأتي بمؤذن مؤتمن، ممن يخافون الله. حتى الآن مثلاً: المؤذن إذا كان قيماً على المسجد، يغلق أبواب المسجد، يفتحها، هذا أيضاً يحتاج إلى أمين. حتى لا يجعل فاسق مثلاً مكان المسجد لأجل أمور تخالف أمر الله، فيدخل أصدقاءه في المسجد، يفعلون أفعالاً سيئة. فهذا أيضاً يحتاج إلى أمانة. فلهذا ينبغي أن يحرص القائم على المسجد أنه يأتي بمؤذن مؤتمن، عنده خير، عنده صلاح، وأيضاً عنده أخلاق حسنة في كيف يعامل الناس. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا.