شرح كتاب ضوابط الجرح والتعديل 17

شرح كتاب ضوابط الجرح والتعديل 17

الدرس في شرح كتاب ضوابط الجرح والتعديل 17، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

القول الثاني في قبول الجرح المبهم ورد التعديل المبهم

يناقش هذا المحور القول الثاني في علم الجرح والتعديل الذي يقبل الجرح المبهم ويرد التعديل المبهم، معللاً ذلك بخبرة الجارح وكثرة التظاهر في التعديل. ويوضح أن الرواة قد يخفون عيوبهم فيظهرون بمظهر الثقة فيقبل المعدل ظاهره ويوثقه وهو ضعيف في باطنه.

أقوال العلماء في قبول الجرح والتعديل مجملين أو مفسرين

يستعرض المحور خمسة أقوال للعلماء في قبول الجرح والتعديل مبهمين أو مفسرين، مرجحاً قول الجمهور بقبولهما من العالم العارف بأسبابهما. وينقل تفصيل الحافظ ابن حجر في قبول الجرح عمن ثبتت عدالته مستدلاً بأقوال الأئمة وأمثلة عملية.

قبول الجرح المبهم في حق من لم تثبت عدالته

يقرر المحور قبول الجرح المبهم في حق الراوي الذي لم تثبت عدالته، لأن العمل بقول الإمام العارف أولى من إهماله وترك الراوي في الجهالة. ويستدل بقول ابن حجر وجمهور العلماء مبيناً أن ذلك قبول لشهادة الثقة الخبير لا تقليداً محضاً، مع مثال جسرة بنت دجاجة.

الانتقال إلى مبحث القبول في العقود

يؤكد المحور على بقاء الأصل الشرعي معمولاً به حتى يثبت ما يخالفه، معلناً الانتقال إلى مبحث جديد بعنوان "القبول" لاستكمال بيان أركان العقد. ويشير إلى أن هذا المبحث يأتي تكملة للمسار العلمي في شرح أحكام العقود.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال: القول الثاني، وهو في مسألة الجرح المفسر والمبهم معنا في قبولهما، كذلك في التعديل. فالمذهب الأول، مذهب الجمهور، نسبه الجمهور، وهو يقبل التعديل مبهما، ولا يقبل الجرح إلا مفسرا. لكن في نسبة هذا القول للجمهور ليس بصحيح؛ لأن أكثر العلماء يأخذون بالتفسير المبهم، والذي مشى عليه أكثر العلماء، ولم يعترض إلا ابن الصلاح، وقد رد عليه النووي وابن كثير وجماعة. فالذي مشى عليه العلماء أنه يقبل الجرح المبهم ما لم يعارض، لكن إذا ما عندنا إلا جرح وهو مبهم فيُؤخذ. والمراد بالجرح المبهم، كما قلنا، ما يحصل في الكتب، وهذا كثير؛ يعني يقول مثلاً: قال ابن معين: ضعيف. أي سبب ضعفه؟ هل من باب العدالة أو من باب الضبط؟ كذلك أحمد يقول: في نفسي منه شيء، أو هذا ضعيف، أو كذا، لم يذكر شيئاً يفسره. فمثل هذا قد قبله العلماء، وقبلوه ولو كان مبهما، وهذا الذي عليه العمل. وأما ما ذكر ابن الصلاح فهو اجتهاد منه رحمه الله، وليس هو قول الجمهور. طيب، قال: القول الثاني: يقبل الجرح مبهما، ولا يقبل التعديل إلا مفسرا. قال: وذلك لما يلي: أن الجرح إنما يؤخذ من إمام عارف بأسباب الجرح والتعديل، ولأن أسباب التعديل يكثر التصنع فيها والتظاهر بها، فربما سارع المعدل إلى التعديل اغتراراً بظاهر الحال. وهذا موجود في بعض كلام العلماء، والله أعلم: هل يريدون به قولاً أو من باب التخريج فقط؟ لأن التعديل تكثر أسبابه، وقد يتظاهر الشخص بالثقة للمحدث، كما قلنا: أنه كان بعض المحدثين إذا رأى من علماء الحديث الكبار الذين ينتقدون، رأى بعض النقاد عنده، أخرج أفضل ما عنده، أخرج أفضل ما عندهم، لا يعطيهم حديثاً، لا الأحاديث التي قد ينتقدونها عليه. ولهذا، كما قلنا، بعض المحدثين يهاب أن يحدث عند أحمد وعند ابن معين أو غيرهما. ذكرنا قصة ذلك الرجل الذي قيل له: هذا أحمد بن حنبل، وأبو زهير النسائي، أبو خيثمة النسائي. دخل، حتى قيل له: إنه ابن معين، فارتعد وسقط منه الكتاب. أنه هو جاء إلى بغداد لأجل أن يحدث، فكان عنده سماع ابن معين، وأنه من النقاد، فلهذا خاف أن ينتقده، فلما سمع باسمه ارتعد وسقط منه الكتاب. ولهذا ذكر الإمام، ذكر المعلم رحمه الله، في التنبيه، قال: إن بعض... وهذا من العوارض للرواة إن شاء الله، وليس هو أصل، وإنما تعتبر من العوارض. قال: إنه أحياناً ابن معين يوثق رجلاً، وتجد أن أحمد يكذبه، وكذا. فهل هذا يعتبر تعارضاً؟ لا، لأنه قد عرف انتقاد ابن معين عند الرجال، فلهذا تجد أن الرجل يخرج أحسن ما عنده، يخرج أحسن ما عنده حتى لا ينتقد عليه شيء. ومنا، وما كان مثلاً يشك فيه، أو كذا، أو أنه مثلاً ليس بذاك الثقة فيه، يؤخره ولا يعرضه. فتجده إذا جاء إلى مواطن العلم ومواطن النقاد، مثلاً إلى بغداد، وطلب منه التحديث، يحدث بالأشياء التي هو متأكد منها. فلذلك أيضاً إذا جاء إليه بعض هؤلاء النقاد، أخرج له ما كان متأكداً منه. فتجد هذا العالم يأخذه على ظاهره، مادام أنه سمع هذه الأحاديث منه، وكل أحاديث ثابتة، وقد وافق الثقات، فتجد يقول: ثقة. وهو إنما قد كان يغلط، أو بل قد يكون كذاباً، لكن عنده حديث صحيح سمعها. فلذلك هذا ليس من باب، كما قلنا، مذهباً معيناً، وإنما هو من باب الاعتراض فقط. لكن هنا الشيخ رحمه الله، أو أحفظه الله، ذكر أنه يعتبر مذهباً؛ لأنه يكون مذهباً غريباً: كيف يقبل الجرح مبهماً، ولا يقبل التعديل إلا مفسراً؟ لكن كما قلنا: هذا المذهب جاء اعتراضاً فقط، وهو من الاعتراضات التي تأتي، إن شاء الله سيذكرها المؤلف، وليس هو مذهباً قائماً بذاته، لهذا لم يذكر من قال بهذا المذهب. قال: القول الثالث: لا يقبلان إلا مفسرين، وذلك لما تقدم من تعليل اشتراط تفسيرهما، لا سيما من اختلاف الناس في موجب التعديل، فقد يوثق المعدل بما لا يقتضي العدالة. هذا لا يقبلان إلا مفسرين. قالوا: ذلك لما تقدم تعليل اشتراط تفسيرهما، لا سيما مع اختلاف الناس في موجب التعديل، فقد يوثق المعدل بما لا يقتضي العدالة. أنا هنا: أحمد بن يونس، في ما ذكره في الحاشية، قال: سمعت، سمعت يقول يعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ: يقول: سمعت، سمعت يقول لأحمد بن يونس اليربوعي: عبد الله العمري ضعيف. قال: إنما يضعفه رافضي، مبغض لآبائه. لو رأيت لحيته وخضابه وهيئته لعرفت أنه ثقة. أنا هذه الأشياء لا أدخل لها في ثقة. الرأي وضعف: كبر لحيته واصفرار، صحيح هذا من السنة مثلاً، لكن ليس معنى ذلك أنه ثقة. وضعيف لا دخل، لا دخل لرواية في هذه الأمور. وتجد هذا القول أكثر عند... عند أهل الأصول، والباقلاني يرجح هذا القول، أبو بكر الباقلاني يرجح هذا القول على أنه لا يقبل إلا مفسراً، كما ذكر ذلك الخطيب وغيره. قال: القول الرابع: يقبلان مبهمين، وذلك لما تقدم من تعديل قبولهما، وإن كان مبهمين. وهذا الأصل الذي عليه أكثر العلماء: أنه يقبل، مادام أنه من عالم عارف بأسباب الجرح والتعديل. قال: القول الخامس: قول الحافظ ابن حجر: قبول التعديل مبهماً، والتفصيل في قبول الجرح على النحو التالي: إن كان من جرح مجملاً قد وثقه أحد من أئمة هذا الشأن، لم يقبل الجرح فيه من أحد، كائناً من كان، إلا مفسراً؛ لأنه قد ثبتت له رتبة الثقة، فلا يزحزح عنها إلا بأمر جلي. وهذا كما قال أحمد رحمه الله، وهنا ذكره، وهذا ما أخذ من قول الإمام أحمد: «كل رجل ثبتت عدالته لم يقبل فيه جرح أحد حتى يبين ذلك عليه بأمر لا يحتمل غير جرحه». فهذا شيء آخر معنا: إذا كان هناك عندنا تعديل، وقد ثبتت عدالة هذا الشخص عند العلماء، فالذي يأتي يريد أن يجرحه، لا بد أن يبين السبب. هذا من ثبتت عدالته، فلذلك لم يؤخذ كلام، مثلاً، النسائي في أحمد بن صالح، كلام ابن معين في الشافعي، حتى قال الإمام الذهبي: «أما كلام أبي زكريا في الشافعي فما ضر إلا نفسه». لكن يقال: إن ابن معين لم يقصد الشافعي محمد بن إدريس، وإنما الشافعي كان رجل ببغداد يقال له الشافعي. ومنهم من قال: إنه أراد الشافعي نفسه، لكنه لم يبال بكلام، أنا ما أحد أخذ كلام ابن معين، بل الشافعي ثقة عند الجميع، ولم يجرح بشيء. كذلك حتى أحمد بن صالح، بعض العلماء يقول: إن كلام ابن معين في أحمد بن صالح ليس المراد أحمد بن صالح المصري، وإنما الشمومي. فالمهم أن هذا الكلام إذا ثبت في رجل قد ثبتت عدالته، فإنه لا يؤخذ، فإنه لا يؤخذ إلا إذا بين السبب، بين سبب الجرح. فأما إذا جرحه على شيء مبهم، قال: هذا ضعيف، أو قال: هذا حديث فيه شيء، فمن الذي قال هذا الحديث الذي فيه شيء؟ وإشهد دليل على هذا. فالمهم أنه إذا ضعف من ثبتت عدالته، يحتاج إلى بيان. وهذا ليس داخل في هذا، أنه ليس داخل في هذا الخلاف، هذا من باب التفصيل. لكن الخلاف فيمن، فيمن لم تثبت عدالته، فجرح بجرح مبهم، فيقبل الجرح المبهم. فأخذ هذا الجرح أولى من إهماله، أخذ هذا الجرح أولى من إهماله، كما قال الحافظ ابن حجر. قال: وذلك لأن أئمة هذا الشأن لا يوثقون إلا من اعتبروا حاله في دينه، ثم في حديثه، ونقدوه كما ينبغي، وهم أيقظ الناس، فلا ينتقد حكم أحدهم إلا بأمر صريح. وخاصة كما قلنا هنا: يقول إن هذا النقل ليس عن أحمد: «كل رجل ثبتت عدالته لم يقبل فيه جرح أحد»، وإنما هو عن أحمد بن نصر المروزي، أو محمد بن نصر، أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي. هذا تعليق إبراهيم اللحام عندكم. هذا التعليق في تهذيب التهذيب، هذا عند تعليق إبراهيم على أن هذا الكلام قد قرأت هنا في تهذيب التهذيب، لكن الظاهر أنه أراد أبا عبد الله، كما يقول: محمد بن نصر المروزي، ليس كلام الإمام أحمد. وإن كان من جرح جرحاً مبهمًا قد خلع عن التعديل، قبل فيه الجرح، وإن كان مبهمًا، إذا صدر من إمام عارف؛ وذلك لأن الراوي إن لم يعدل فهو في حيز المجهول، فإعمال قول المجرح فيه أولى من إهماله. وهذا كلام صحيح: أن إعمال قول المجرح الذي يعرف أسباب الجرح والتعديل أولى من إهماله، لأنه لو أهمل سيقال: مجهول، فقبول الجرح أفضل حتى يعمل بكلام العلماء. قال: وإنما لم يطلب من المجرح تفسير جرحه؛ لأنه لو فسره، فكان جرحاً غير قادح، لمنعت جهالة حال الراوي من الاحتجاج به. أن إذا كان فسره مثلاً بتفسير لا يخرج... أو قد يخرجه عن الجهالة، ويكون هذا التفسير الجرح ليس من أسباب الجرح الصحيح. لكن لا زال في الجهالة. ولهذا مثلاًحيانا بعض العلماء يذكر جرحاً مثلاً في بعض الرواة، وتجد القوم يغمزونه بالجهالة، مثلاً على سبيل المثال: جسرة بنت دجاجة. فجسرة، أكثر العلماء يقولون: مجهولة، مع أن البخاري قال: «عندها عجائب». لكن ليش لا يقولون: مجهولة؟ لأن هذه عندها عجائب لا ترفع جهالتها، ولا يقال مثلاً أنها ضعيفة، وإنما حكم الإمام البخاري على رواياتها، للحديث التي تأتي بها فيها عجائب، يعني أشياء منكرة، فقال: «عندها عجائب». طيب، فهذه الآن الأقوال التي ذكرها المؤلف، وهذا التفصيل الذي ذكره الحافظ ليس قولاً مفرداً، وإنما هو تابع لقول الجمهور، وعلى أن المبهم إذا جاء جرحاً مبهمًا أو تعديلاً مبهمًا، وليس هناك تعديل أو تجريح، فإنه يأخذ. وهذا هو الذي مشى عليه الناس، ومشى عليه العلماء من قديم، وكذلك أيضاً أخذ الطلبة من مشايخهم. وهذا ليس من باب التقليد، وإن قلنا من باب التقليد فهو التقليد صحيح؛ لأنه إنما أخذ ممن هو أعرف بهذا الشأن، أو يقال: هو من الأخذ ممن هو من خبر الثقة، كما يقولون: خبر الثقة أخبرنا. مثلاً هذا العالم الذي هو عارف بأسباب الجرح والتعديل أن هذا فيه ضعف، فقلنا فيه ضعف عن خبر هذا الشخص أنه شهد على هذا الرجل أنه فيه ضعف، فهو قبول شهادة هذا العالم، قبول شهادة هذا العالم، وليس من باب التقليد. وهذا الأصل حتى يتبين خلافه. طيب، إن شاء الله نكمل هذا المبحث: قبول.