الدرس في شرح كتاب ضوابط الجرح والتعديل 16، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المؤلف الفرق بين الجرح والتعديل المفسرين والمبهمين مع أمثلة مثل كذاب ومتروك. الجمهور يقبلون التعديل مبهمًا ولا يقبلون الجرح إلا مفسرًا لصعوبة حصر أسباب التعديل.
يرى الجمهور قبول التعديل مجملاً ورفض الجرح المفسر لأن أسباب التعديل كثيرة ويصعب حصرها. تختلف موجبات الجرح بين النقاد فقد يجرح المتشدد ك يحيى بن سعيد لأمر لا يعد جرحاً.
يشرح كيف كان الأئمة ك يحيى بن معين وعبد الرحمن بن مهدي يتورعون عن الرواية إلا عن الثقات فتركهما للراوي قرينة على ضعفه. بعض الأئمة تشددوا في الجرح بما لا يعد قدحاً عند غيرهم وبيان السبب يزيل الاحتمال.
يذكر القول الأول في المسألة موضحاً أن التعديل يُقبل مجملاً دون تفصيل بينما لا يُقبل الجرح إلا مفسراً ومفصلاً. ويختتم بالتأكيد على أن العلم مشيئة الله.
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله: «قبول الجرح والتعديل مفسرين أو مبهمين». يعني بعدما ذكر شروط المعدل والجرح، ذكر هذه الشروط: شروط قبول الجرح والتعديل مفسرين أو مبهمين. لأن قوله: «أن يكون عارفا بأسباب الجرح والتعديل»، وأن هذا يجر إلى مسألة قبول الجرح والتعديل، ويجر خاصة كما قلنا إلى مسألة قبول الجرح المبهم؛ لأن إذا قلنا إنه عارف بأسباب الجرح فالجرح المبهم مقبول، وهذا هو الصحيح كما قلنا. طيب، قال: «المراد بتفسير الجرح والتعديل بيان أسبابهما، والمراد بإبهامهما عدم بيان الأسباب». يعني: جرح مفسر يذكر لماذا جرحه. وأحيانا يكون في نفس الجرح التفسير، في نفس الجرح. مثلا لو قال: «كذاب»، فـ «كذاب» هذا جرح مفسر. لو قال مثلا: «متروك»، فـ «متروك» عند العلماء أكثرهم جرح مفسر؛ لأن الترك إما يكون لأجل أنه يكذب في كلام الناس، أو أنه متهم في حديثه يأتي بحديث موضوع، فلذا فإما إذا ذكر الأسباب فهو تفسير، وإذا لم يذكر الأسباب فهو إبهام. وقد اختلف العلماء في اشتراط تفسير الجرح والتعديل على خمسة أقوال، هي: مذهب الجمهور: يقبل التعديل مبهما، ولا يقبل الجرح إلا مفسرا. وهذا نسبه الجمهور، وقال: وذلك لما يأتي أن أسباب التعديل كثيرة جدا، يدخل ذكرها، فلو كلف المعدل بذكرها للزمه أن يقول: يفعل كذا وكذا، عادة عادة ما يجب على المعدل فعله، ويترك كذا وكذا، عادة عادة ما يجب على المعدل تركه. طيب، فقال: «أسباب التعديل كثيرة جدا»، فهذا الآن قول الجمهور كما نسبه المؤلف. والظاهر أن هذه النسبة اعتمادا على كلام ابن الصلاح، لكن الصحيح أن ابن الصلاح أكثر كلامه صحيح، إلا بعض الأشياء التي قدح عليه فيها. طيب، هذا القول الآن قال: يقبل التعديل مبهما، ولا يقبل جرح مفسر. قال: لأنها أسباب التعديل كثيرة جدا، يدخل ذكرها، بخلاف أسباب الجرح. والأمر الثاني: اختلاف الناس في موجبات الجرح، فربما أطلق أحدهم الجرح بناء على أمر اعتقده جرحا وليس بجرح في نفس الأمر، ولا سيما إذا كان الإمام متشددا. طيب، الآن المعدل أصلا أسبابه كثيرة تعديل، لهذا يصعب أن يذكر كل أسباب التعديل. قال: «الأمر الثاني: اختلاف الناس في موجبات الجرح، فربما أطلق أحدهم الجرح بناء على أمر اعتقده جرحا وليس بجرح في نفس الأمر، ولا سيما إذا كان الإمام متشددا متعنتا يجرح الراوي بما لا يكون قدحا عند غيره». أحيانا يكون جرحا، وأحيانا يكون ورعا، أو تقول: تورع على بعض الأئمة. أحيانا ليس جرحا في الراوي، إنما تورعا أن لا يقبل منه شيء، مثل ما كان يفعل يحيى بن سعيد. فلذا اتخذ جماعة من أهل العلم قاعدة: أن الرجل إذا تركه يحيى بن سعيد وقبله عبد الرحمن أخذوه، وإن رده عبد الرحمن وقبله يحيى اختلفوا، منهم من يأخذه ومنهم من يرده. لماذا؟ لأن يحيى بن سعيد معناه عنده تشدد في الرواة، وعنده شيء من التورع. معناه التورع، أقصد: ليس أن عبد الرحمن بن مهدي ليس عنده تورع، المراد أنه يتورع أن لا يأخذ إلا من هو ثقة عنده، فلذا يشك في حديث الآخرين فيتوقف فيه، أو يتكلم في الراوي مثلا. فالمهم أن العلماء هنا أخذوا كلام يحيى وعبد الرحمن: إن أخذوا من الرجل أخذوا عنه. لهذا تجد يكثر في مصنفات الجرح والتعديل يقولون: «تركه يحيى»، أو «لم يرو عنه يحيى ولا عبد الرحمن»، أو «روى عبد الرحمن عنه ولم يرو عنه يحيى». هذا كثيرا، لماذا؟ لأنهم يعتمدون هذا، ولأن هذين الاثنين اهتما بالجرح والتعديل وفتشوا في الرجال، فلذا أخذ قولهم، وهو أخذ تركهم. فلذا إذا ترك الراوي يحيى وعبد الرحمن غالبا ما يأخذون عنه من بعده. وأحيانا يأخذون مثلا الإمام محمد، كثيرا منهم من يقول فيهم: «والله ما أعلم إلا خيرا، ما أعلم إلا خيرا». فلذا كما قلنا يختلف العلماء في هذا. قالوا: «لا سيما إذا كان الإمام متشددا متعنتا يجرح الراوي بما لا يكون قدحا عند غيره». بعض الأئمة قلنا إنه يشدد في هذا كما ذكرنا. فبيان السبب مزيل لهذا الاحتمال، مظهر... قالوا: «لا سيما إذا كان إمام متشدد متعنتا يجرح الراوي بما لا يكون قدحا عند غيره». فأنا كما قلنا من كلام شعبة، أو كلام الحكم بن عتيبة، رأيته كثيرا في الزهد، رأيته كثير الكلام. قال: «يجري حراب ما لا يكون قدحا عند غيره». فبيان السبب مزيل لهذا الاحتمال، مظهر لكونه قادحا أو غير قادح. فهذا القول الأول في هذه المسألة، وأنه يقبل التعديل مبهما، ولا يقبل جرح إلا مفسرا. طيب، شاء الله العلم.