التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 137

التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 137

الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 137، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تقسيم ابن تيمية للأعياد المبتدعة وتحريم تخصيص رجب بالصيام

يقسم شيخ الإسلام ابن تيمية الأعياد المبتدعة إلى ثلاثة أنواع: أيام لم تعظمها الشريعة، وأيام وقعت فيها حوادث ولم يحتفل بها السلف، وأيام فاضلة شرعاً أُحدث فيها بدع. ويؤكد ضعف أحاديث فضل شهر رجب وكراهة السلف والأئمة لتخصيصه بالصيام معتبرين ذلك بدعة.

أحكام صيام رجب وشعبان وبدع ليلة النصف والصلوات المحدثة

يجوز صيام رجب وشعبان بشرط عدم قصد تخصيص رجب بالعبادة، بينما تُضعف أحاديث فضل ليلة النصف من شعبان وينكر صيام يومها مفرداً واتخاذها موسماً للطعام والزينة. كما يُحذر من الصلوات المبتدعة كصلاة الألفية وصلاة البر والصلوات الجماعية غير المشروعة، مفرقاً بين التطوع الجماعي العارض والدائم المبتدع.

حكم الاجتماع للعبادة التطوعية والفرق بين المشروع والمبتدع

يجوز الاجتماع العارض للصلاة أو الذكر أو الدعاء دون تواعد أو تخصيص لزمان أو مكان، ويحرم اتخاذه عادة راتبة تضاهي الفرائض مستنداً إلى أقوال الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه. التحذير من أن التكرار والتعمد يفضي إلى البدعة.

حكم زيارة المشاهد والبدع المتعلقة بها

يبيّن أقوال الإمام أحمد والسلف في زيارة المشاهد النبوية، فجائز تتبع آثار النبي صلى الله عليه وسلم للتعظيم المشروع، أما اتخاذها عادة معتادة والتعبد بها فهي بدعة مكروهة. يستشهد بأقوال الصحابة وقصة المحمديين الأربعة لتوضيح الفرق بين المشروع العرضي والبدعة المعتادة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن العيد يكون اسماً لنفس المكان، ولنفس الزمان، ولنفس الاجتماع. ثم ذكر أن العيد تكون اسماً لنفس الزمان، فثلاثة أنواع يدخل فيها بعض بدع الزمان والأفعال. فذكر أحدها: يوم لم تعظمه الشريعة أصلاً، أن يحتفلون ويعظمون يوماً لم تعظمه الشريعة أصلاً، ولم يكن له ذكر في السلف، ولا جرى فيه ما يوجب تعظيمه، مثل ما أول خميس من رجب الذي تصلى فيه صلاة الرغائب. فإن تعظيم هذا اليوم أو هذه الليلة لم يحدث في الإسلام أبداً، ولم يأت دليل على تعظيم ذلك اليوم، وإنما حدث هذا كما ذكر الشيخ بعد المئة الرابعة، وذكروا فيه حديثاً موضوعاً. والنوع الثاني من أنواع أعياد الزمان: ما جرى فيه حادثة كما كان يجري في غيره، من غير أن يوجب ذلك أجعله موسماً، أنه يكون يوم جرت فيه حادثة في الشرع، لكن لم يكن فيه هذا شيء من الاحتفال ولا غيره، ولا كان السلف يعظمونه، كثمان عشر من ذي الحجة الذي خطب النبي عليه الصلاة والسلام فيه بغدير خم، لما كان راجعاً إلى المدينة خطب في غدير خم، فإنه صلى الله عليه وسلم خطب فيه خطبة، وصى بها باتباع كتاب الله، وصى فيها بأهل بيته، كما جاء ذلك في حديث زيد بن أرقم في صحيح مسلم. ولم يكن السلف يلتفتون إلى ذلك اليوم، فجاء بعض المتأخرين من الروافض والشيعة، فجعلوا ذلك اليوم يوم عيد، فسموه عيد يوم غدير خم، وجعلوه من أعياد الإسلام عندهم، وهذا أيضاً باطل. والنوع الثالث الذي ذكره المؤلف رحمه الله شيخ الإسلام: ما هو معظم في الشريعة. الأول: ليس معظم لا في الشريعة ولا عظمه السلف. والثاني: أنه جرى فيه حادثة، جرى فيها حادثة، كان مثلاً الإسراء والمعراج، أيضاً تجد أن الشرع لم يعظمه، ولم يثنِ على ذلك اليوم الذي حصل فيه كذا وكذا، مثلاً من هذه الحوادث، وكذلك أيضاً يأتي هؤلاء ويحتفلون فيه ويجعلونه عيداً، مثل ما ذكر الشيخ في الثامن عشر من ذي الحجة. النوع الثالث: ما هو معظم في الشريعة، قد عظمته الشريعة، كيوم عاشوراء، ويوم عرفة، ويومي العيدين، والعشر الأواخر من شهر رمضان، والعشر الأول من ذي الحجة، وليلة الجمعة ويومها، والعشر الأول من المحرم. فهذه كلها أوقات فاضلة عظمها الشرع. فهذه الأيام قد يحدث فيها ما يظن بعضهم أنه فيه أو أن له فضيلة، فيحدثون فيه أشياء، مثل يوم عاشوراء يحدثون أشياء من الاحتفالات وغيرها، أو ما يفعله الشيعة من الحزن وغير ذلك. قال: ثم ذكر رحمه الله، ومن هذا الباب أي النوع الثالث، وهو الذي عظمته الشريعة لكن هؤلاء فعلوا أشياء فيه ليس في بابها. قالوا: من هذا الباب شهر رجب، فإنه أحد الأشهر الحرم، وأنه معظم لأنه من الأشهر الحرم. وقد روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان إذا دخل شهر رجب قال: «اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان». وهذا الحديث لا يصح، لا يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام، وقد ذكره الحافظ ابن حجر في رسالته تبيين العجب لما ورد في فضل رجب، وبَيَّن أنه حديث غير صحيح. قال رحمه الله: ولم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام في فضل رجب حديث آخر، بل عامة الأحاديث المأثورة فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم كذب. أن هذا أحسنها، هذا الحديث «اللهم بارك لنا في رجب» هو أحسنها، وإن كان ضعيفاً، ولهذا صدره الشيخ بقوله: «وقد روي عن النبي»، وهذه من صيغ التضعيف. قال: بل عامة الأحاديث المأثورة فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم كذب. والحديث إذا لم يعلم أنه كذب فروايته في الفضائل الأمر قريب، أما إذا علم كذبه فلا يجوز روايته إلا مع بيان حاله، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من روى عني حديثاً وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين». أنا... الأمر قريب هكذا وهكذا. طيب. فيقول شيخنا: أنه لا يجوز لأحد يعلم كذب حديث ثم يرويه، حتى لو كان في الفضائل، إلا مع بيان حاله. وقد ذكر أنه رحمه الله أن هذا من شروط أيضاً من شروط الحديث الذي يتكلم به وهو ضعيف، أنه لا يشتد ضعفه. أنا إذا كان في الفضائل لا يشتد ضعفه، فأما إن كان كذباً فلا بد أن يبين حال هذا الحديث، وإلا دخل في هذا الحديث، فدخل في هذا الوعيد. قال: نعم، روي عن بعض السلف في تفضيل العشر الأول من رجب بعض الأثر، وروي غير ذلك. فاتخاذه موسماً بحيث يفرد بالصوم مكروه عند الإمام أحمد وغيره، كما روي عن عمر بن الخطاب وأبي بكرة وغيرهما من الصحابة رضي الله عنهم، عن أنه يكره الصوم في رجب. بل كان عمر رضي الله عنه يضربهم ويقول: «يا رجبية»، هؤلاء الذين يصومون في رجب. وأما أبو بكرة فنهى أهله أن يصوموا في رجب، لأنه لم يأت دليل على الصيام. قال: وروى ابن ماجه أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن صوم رجب، رواه عن إبراهيم بن المنذر الحزامي عن داود بن عطاء، قال: حدثني زيد بن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب عن سليمان بن علي عن أبيه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وليس بالقوي، أن فيه ضعفاء. فهذا داود بن عطاء المزني وهو ضعيف، وأيضاً زيد بن عبد الحميد أيضاً مجهول، وأيضاً سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس الهاشمي عم الخليفتين السفاح والمنصور، أيضاً يعتبر مجهول من ناحية أنه لم يعرف في الحديث في رواية الحديث، فلذا في هذا الحديث لا يصح، لا يصح أبداً عن ابن عباس. قال: قال: وهل الإفراد المكروه أن يصومه كله، أم أنه نهي عن صيام رجب؟ لكنه لم يصح، لكن صح صح عن بعض السلف كما ذكر عن عمر الخطاب وأبي بكره. قال: قال: وهل وهل الإفراد المكروه أن يصومه كله، أو أن لا يقرن به شهراً آخر؟ فيه للأصحاب وجهان. ولولا أن هذا ما وضع الإشارة إلى رؤوس المسائل لأطلنا الكلام في ذلك. هل المكروه والبدع أنه يفرد رجب كله، أو أنه يقرن بشهر آخر، أو أن المقصود أيضاً المكروه صيام أياماً منه؟ فإن كان القصد هو تخصيص رجب بالصيام، إن كان القصد هو تخصيص رجب بالصيام، فهذا يعتبر بدعة، يعتبر بدعة. وأما إن كان ليس تخصيصاً لرجب، إنسان مثلاً يريد أن يصوم شهرين متتابعين لأجل عنده كفارة قتل، فأراد أن يصوم رجب وشعبان، أو يعني جمادى آخر ورجب، فهذا جائز له أن يصوم ذلك، لأنه لم يخصص رجب، وإنما أراد أن يصوم شهراً، أو نذر أن يصوم شهراً كاملاً، فلم يخصص رجب، لكن وجد فرصة في رجب فصامه، فهذا أيضاً جائز. فالتخصيص هذا الشهر رجب بالصيام، ولو كان أياماً يخص منه أياماً، فإن هذا من البدع المحدثات. قالوا: من هذا الباب ليلة النصف من شعبان، فقد روج في فضلها أحاديث مرفوعة، وآثار ما يقتضي أنها ليلة مفضلة. وأصح حديث فيها حديث عبد الله بن عمر: «يطلع الله عز وجل إلى خلقه ليلة النصف من شعبان فيغفر لعباده إلا اثنين: مشاحن وقاتل نفس». وهذا هو الصحيح ما ورد في هذا الباب فيها، فقط أن الله عز وجل يطلع على العباد، يطلع على أعمال العباد في هذه الليلة. جاء بلفظ أيضاً عند الترمذي: «أن الله عز وجل يقول ليلة نصف من شعبان إلى السماء» أو «ينزل ليلة نصف من شعبان إلى سماء الدنيا فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب». وهذا وإن كان حسنه بعض العلم، لكن الصحيح أنه لا يصح شيء في فضل ليلة نصف من شعبان، وقد صرح بذلك جماعة من أهل العلم كأبي حاتم ودار قطني والبيهقي وغيرهم. فلا يصح شيء في فضيلة النصف من شعبان. وإن صح شيء، صح هذا الحديث وهو نزول الرب جل وعلا ليلة النصف من شعبان. قال: وأن من السلف من كان يخصها بالصلاة. فيها وصوم شهر شعبان قد جاءت فيه أحاديث صحيحة، صوم شهر شعبان جاءت فيه أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يصوم. ومن العلماء من السلف من أهل المدينة وغيرهم، ومن الخلف من أنكر فضلها وطعن في الأحاديث الواردة فيها، كحديث: «إن الله يغفر فيها لأكثر من عدد شعر غنم كلب»، وقال: لا فرق بينها وبين غيرها. لكن الذي عليه كثير من أهل العلم أو أكثرهم من أصحابنا وغيرهم على تفضيلها. أن بعض العلم ينكر تفضيل ليلة النصف من شعبان، وأنه لم يثبت فيها شيء، كما ذكر شيخنا، من السلف من علماء أهل المدينة. قال: قال رحمه الله: لكن الذي عليه أكثر أهل العلم، أو أكثرهم من أصحابنا وغيرهم على تفضيلها، وعليه يدل نص أحمد لتعدد الأحاديث الواردة فيها، وما يصدق ذلك من الآثار السلفي. أنا عن السلف، وقد روي بعض فضائلها في المسانيد والسنن، وإن كان قد وضع فيها أشياء أخر. فأما صوم يوم النصف مفرداً فلا أصل له. وهذا الذي يريد أن ينبه عليه الشيخ، أن صيام النصف من شعبان مفرداً لا أصل له، ولم يأت فيه فضيلة، بل إفراده مكروه، لما جاء في النهي: «إذا انتصف شعبان فلا تصوموا»، وهو حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة، وقد أنكر أحمد بن معين وغيرهم هذا الحديث على العلاء. وإن لم يصح الحديث، فتخصيص إفراد الصوم يوم النصف من شعبان لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، فهو بدعة. قال: وكذلك اتخاذ موسماً تصنع فيه الأطعمة وتظهر فيه الزينة، هو من المواسم المحدثة المبتدعة التي لا أصل لها. وكذلك ما قد أحدث في ليلة النصف من الاجتماع العام للصلاة الألفية، عن الصلاة تسمى الصلاة الألفية، يقرؤون فيها قل هو الله أحد ألف مرة. وهذه الصلاة، وهذه الصلاة مبتدعة مبتكرة، وقد أنكرها علماء المسلمين، وألف فيها بعضهم رسالة في إنكار هذه البدعة. قال: وكذلك ما قد أحدث في ليلة النصف، أي من شعبان، من الاجتماع العام للصلاة الألفية في المساجد الجامعة، ومساجد الأحياء والدروب والأسواق، فإن هذا الاجتماع لصلاة النافلة مقيدة بزمان وعدد وقدر من القراءة لم يشرع. على تخصيص هذه الأشياء: أولاً تخصيص الزمان وهو نصف من شعبان، وتخصيص عدد وهو ألف ركعة مثلاً، وقدر من قراءة، يعني يقرأ ألف مرة قل هو الله أحد. هذا كله لم يشرع، وتخصيصه بدعة. قال: فإن الحديث الوارد في الصلاة الألفية موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث، وما كان هكذا لا يجوز استحباب صلاة بناء عليه، وإذا لم يستحب فالعمل المقتضى لاستحبابها مكروه. قال: لو مسوغ أن كل ليلة لها نوع فضل تخص بصلاة مبتدعة يجتمع لها، لكان يفعل مثل هذه الصلاة أو أزيد أو أنقص. ليلتي العيد، أنه لو كان هذا كل ليلة لها نوع فضل، لخص الناس ليلتي العيد وليلة عرفة. كما أن بعض البلاد يقيمون مثلها أول ليلة من رجب. وهذا كله تخصيص بدون مخصص من الشرع. قالوا: كما بلغني أنه كان في بعض القرى يصلون بعد المغرب صلاة مثل المغرب في جماعة، يسمونها صلاة بر الوالدين. انظروا إلى هذا الاختراع. إذا فتح الباب فلا تسأل عن العجائب. إذا فتح هذا الباب، كل واحد يصنف له صلاة. العلويون صنفوا صلاة الخمسة فروق، أنا في آخر جمعة من شهر رمضان يصلون صلاة يسمونها صلاة الخمسة فروق، ولا يعرفها أحد إلا الحضارمة، أن ما تصلى في مكان إلا هنا في حضرموت، وقد أيضاً أخذها بعض المبتدع ونقلها إلى بعض البلاد. وكذلك أيضاً تجد بعض الصلوات خاصة في بعض الأماكن، وكأن دينهم غير دين المسلمين أو غير الناس، فتجد يصلونها صلاة كما هنا يسمونها صلاة بر الوالدين، وبعضهم يصلي بعد المغرب يقول صلاة التوابين. قالوا: كما كان بعض الناس يصلي كل ليلة في جماعة صلاة الجنازة على من مات من المسلمين في جميع الأرض، ونحو ذلك من الصلوات الجماعية التي لم تشرع. أنا كما قلنا، إذا فتح هذا الباب، فكل واحد سيخترع عليه. يقول الشيخ: أن بعضهم يصلي بعد المغرب، يصلي كل ليلة صلاة الجماعة في صلاة الجنازة، يقولون على من مات من المسلمين، ونحن لا نعرفه ولا ندري أنه مات، ومن الذي كلفكم بهذا؟ من الذي كلفكم أنكم تصلون على من لم تعرفوا أنه مات؟ فهذا ليس موجود في دين الإسلام أبداً. فلذا فتجد هذه الاختراعات لأنهم فتحوا هذا الباب على مصراعيه. قالوا: عليك أن تعلم أنه إذا استحب التطوع المطلق في وقت معين، وجوز التطوع في جماعة، لم يلزم من ذلك تسويغ جماعة راتبة غير مشروعة. ففرق بين البابين. وذلك أن الاجتماع لصلاة التطوع، أو استماع قرآن، أو ذكر الله، ونحو ذلك، إذا كان يفعل أحياناً فهذا حسن، أنه يفعل ليس عن تقصد، يفعل ليس عن تقصد، وإنما عند الفراغ مثلاً يجتمعون لقراءة القرآن والاجتماع، أو يصلون مثلاً جماعة لبعث في صلاة الليل، في صلاة ضحى مثلاً، لكن أحياناً. أما يجعل ذلك دائماً أو ديدنهم، إذا اجتمعوا صلوا صلاة جماعة، فهذا خطأ. قال: فقد صح أن النبي عليه الصلاة والسلام أنه صلى التطوع في جماعة أحياناً، وخرج على أصحابه فيهم من يقرأ وهم يستمعون، فجلس معهم يستمع. أنا هذا أنه جلس يستمع، أنا ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن ثبت أنه استمع لعبد الله بن مسعود، وخرج على أصحابه وهم يذكرون الله، فقال: «ما الذي أجلسكم؟» قالوا: نذكر الله ونحمده على نعمة الإسلام. فقال: «آه الله ما أجلسكم إلا هذا؟» قال: «آه الله ما أجلسنا إلا هذا». فقال: «إني لم أستحلفكم تهمة لكم، لكن جبريل أتاني فقال: إن الله يباهي بهم الملائكة» أو «يباهي بكم الملائكة». قالوا: قد ورد في القوم الذين يجلسون يتدارسون كتاب الله ويتلونه، وفي القوم الذين يذكرون الله من الآثار ما هو معروف، مثل قوله: «ما جلس قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا غشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده». وهذا الحديث أخرجه الإمام مسلم من حديث أبي سعيد وأبي هريرة، وأخرجه من حديث أبي هريرة أيضاً لكنه معلول. قال: ورد أيضاً في الملائكة الذين يلتمسون مجالس الذكر، فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله تنادوا: «هلموا إلى حاجتكم». الحديث، وهذا الحديث في الصحيحين أيضاً، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن لله ملائكة سياحين يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله تنادوا: هلموا إلى حاجتكم». قال: فأما اتخاذ اجتماع راتب يتكرر بتكرر الأسابيع أو الشهور أو الأعوام، غير الاجتماعات المشروعة، فإن ذلك يضاهي الاجتماع للصلوات الخمس، وللجمعة، وللعيدين، والحج. وذلك هو المبتدع المحدث. لو مثلاً قال جماعة: ليلة الخميس ليلة فاضلة، نجتمع فيها ونصلي صلاة الليل معاً، هذا الكلام غير صحيح، وهذا ابتداع. لكن لو مثلاً اتفق أنهم جلسوا مرة يتحدثون، أو اجتمعوا يتحدثون ليلة الخميس، فحضرت وقت الليل، قالوا: نصلي، نصلي جماعة حتى لا نكسل، فهذا ما في شيء، لأنه لم يتواعد على هذا، ولم يخصص تلك الليلة. لكن إذا خصصوا تلك الليلة بالاجتماع والصلاة، فإن هذا تخصيص لا دليل عليه، تخصيص لا دليل عليه. بل جاء النهي عن ذلك، جاء النهي عن النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تخصوا، لا تخصوا يوم الجمعة وليلة الجمعة بصوم ولا صلاة، إلا صوماً كان يصومه أحدكم». فلذا التخصيص لا يجوز، كما قد نبه على ذلك الشيخ فيما تقدم، فإن التخصيص هو الذي يأتي بالابتداع. قال: ففرق بين ما يتخذ سنة وعادة، فإن ذلك يضاهي المشروع. وهذا الفرق هو المنصوص عن الإمام أحمد وغيرهم للأئمة. فرواه بكر الخلال في كتاب الأدب عن إسحاق بن منصور الكوسج، أنه قال لأبي عبد الله: تكره أن يجتمع القوم يدعون الله ويرفعون أيديهم؟ قال: ما أكره الإخوان إذا لم يجتمعوا على عمد، إلا أن يكثروا. انظروا إلى هذا الكلام، أنهم اجتمعوا ليس على عمد، لما اجتمعوا قالوا: ندعو الله، وأحدنا يدعو والآخرون يؤمنون، هذا ما في شيء، لكن لا يكررون هذا، ولا يتعمدون هذا الاجتماع، لأنه سيصير بعد ذلك شيء مشروع، ويأتي الأجيال من بعدهم ويقولون: في هذا اليوم يجتمع شيخ فلان وفلان وفلان، ويدعون، فتصير مثل الدين والعبادة. وهذه البدع الآن الحاصلة عند هؤلاء المبتدعة، إيش سببها؟ سببها هذا. أحياناً بعض البدع يحدثها بعض ممن هو ينتسب للسنة، فهو لم يرد إحداثها، لكن حصلت له مثلاً أمر في هذا ففعل، فتجد تلاميذه ينقلون عنه أنه في ذلك اليوم فعل كذا، فيأتون فيحيون ذلك اليوم، وهو لم يكن يريد يتعبد بذلك. فإذا كان مثلاً كما قلنا، كانوا جلوساً يقرؤون القرآن وكذا، قالوا: ندعو لعل الله عز وجل يفرج علينا في كذا وكذا، فدعوا معنا، أحدهم يدعو وهم يؤمنون، يرفعون أيديهم، هذا ما في شيء، إذا حصل من غير تقصد. أما أنهم يتقصدون، يقولون مثلاً: يوم الاثنين نجتمع بعد صلاة العشاء وندعو الله عز وجل، فهذا التخصيص خطأ، فهذا التخصيص خطأ. أو أنهم مثلاً كلما اجتمعوا دعوا، اجتمعوا كلما اجتمعوا جاء واحد منهم ودعا والبقية يؤمنون، في كل اجتماع يحصل منهم هذا، فهذا أيضاً خطأ، وذريعة للبدعة أيضاً والإحداث. ولهذا قال: ما أكره الإخوان إذا لم يجتمعوا على عمد، إلا أن يكثروا، إلا أن يكثروا. إذا كان لم يتعمدوا هذا فلا بأس، لكن لا يكثرون منه حتى يصير كالسنة، حتى يصير كالسنة. قال إسحاق بن راهويه كما قال، أي كما قال أحمد. وإنما معنى أن لا يكثروا، أن لا يتخذوها عادة حتى يكثروا. هذا كلام إسحاق. وقال المروزي: سألت أبا عبد الله عن القوم يبيتون فيقرأ قارئ، ويدعون حتى يصبحوا؟ قال: أرجو أن لا يكون به بأس. وقال أبو السَّرِّ الحربي: قال أبو عبد الله: وأي شيء أحسن من أن يجتمع الناس يصلون ويذكرون ما أنعم الله عليه، كما قالت الأنصار. وهذا إشارة إلى ما رواه أحمد: حدثنا إسماعيل بن علية، قال: أنبأنا أيوب عن محمد بن سيرين، قال: أنبئت أن الأنصار قبل قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة، قبل قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسلم، قالوا: لو نظرنا يوماً فاجتمعنا فيه، فذكرنا هذا الأمر الذي أنعم الله به علينا. فقالوا: يوم السبت. ثم قالوا: لا نجامع اليهود في يومهم. قالوا: فيوم الأحد. قالوا: لا نجامع النصارى في يومهم. قالوا: يوم العروبة، وكانوا يسمون يوم الجمعة يوم العروبة. فاجتمعوا في بيت أبي أمامة أسعد بن زرارة، فذبحت لهم شاة كفتهم. لكن هذا الحديث مرسل عن ابن سيرين، لم يسمع من... لم يدرك هذا الأمر. لكن هم اتخذوا هذا اليوم، هذا يوم الجمعة، اتخذوا اجتمعوا في منطقة يقال لها حمضوات، وفي المدينة، أنا في مكان الذي يسمى الآن مسجد الجمعة في بني سالم، في بني سالم، فكانوا يجتمعون ويصلون الجمعة. وقال: وقال أبو معاوية الترجماني: سألت أحمد بن حنبل عن القوم يجتمعون، وقرأ لهم القارئ قراءة حزينة فيبكون، وربما طفئوا السراج؟ فقال لأحمد: كان يقرأ قراءة أبي موسى، فلا بأس. أنا قراءة أبي موسى، يريد أبا موسى الأشعري، يعني يسمعون القرآن، لأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يفعلون ذلك. قال: وروى الخلال في النزاع، إنه سئل عن القوم يجتمعون فيأمرون رجلاً فيقص عليهم؟ قال: إذا كان ذلك يوماً بعد يوم، فليس به بأس. يعني لا يخصصون يوماً معيناً، أو أنهم يجعلون هذا مثلاً في أيام معلومة، أو في أيام لا يجعلونه كل يوم. قال: فقيد أحمد الاجتماع على الدعاء بما إذا لم يتخذ عادة، وكذلك قيد إتيان الأمكنة التي فيها آثار الأنبياء. قال: سئل الإمام أحمد عن الرجل يأتي هذه المشاهد ويذهب إليها، ترى ذلك؟ قال: أما على حديث ابن أم مكتوم أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتي فيصلي في بيته حتى يتخذ ذلك مصلى، وعلى ما كان يفعل ابن عمر يتبع مواضع النبي صلى الله عليه وسلم وأثره، فليس بذلك بأس، أن يأتي الرجل المشاهد، إلا أن الناس قد أفرطوا في هذا جداً، وأكثروا فيه. قال: وكذلك نقل عن أحمد بن القاسم، ونفضه سئل عن الرجل يأتي هذه المشاهد التي بالمدينة وغيرها، يذهب إليها. معناه مشاهد، مثلاً مسجد القبلتين وغيره. فقال: أما على حديث ابن أم مكتوم أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتي فيصلي في بيته حتى يتخذه مسجداً، وعلى ما كان يفعله ابن عمر يتبع مواطن سير النبي صلى الله عليه وسلم وفعله. أنا يريد أي شيء الإمام أحمد، أن الإنسان لو تتبع هذه المشاهد لأجل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعظم ذلك المكان أو كذا من هذا، فلا بأس. أما إن كان يريد تعظيم ذلك المكان نفسه، أو فعل شيء، أو يظن أنه مستحب الذهاب إلى ذلك المكان، فهذا الذي لا ينبغي. قال: حتى روي أنه يصب في موضع ماء، فسئل عن ذلك؟ قال: رأيتم النبي صلى الله عليه وسلم يصب هاهنا ماء؟ قال: أما على هذا فلا بأس. قال: ورخص فيه، ثم قال: ولكن قد أفرط الناس جداً، وأكثر في هذا المعنى. فذكر قبر الحسين وما يفعل الناس عنده. أنا هذا التبرك بهذه المشاهد وغيرها كثر عند الناس، حتى صار الدين كله من هذه الأشياء. قال: وهذا الذي كرهه أحمد وغيره، من اعتياد ذلك، مأثور عن ابن مسعود رضي الله عنه وغيره، لما اتخذ أصحاب مكان الاجتماع فيه أصحاب مكان الاجتماع فيه للذكر، فخرج إليهم فقال: «يا قوم، لأنتم أهدى من أصحاب محمد، أو لأنتم على شعبة ضلالة». فعن اتخاذ مثل هذه الأشياء عادة، تصيرها بدعة ومحدثة. قال: وأصل هذا أن العبادات المشروعة التي تتكرر بتكرر الأوقات، حتى تصير سنناً ومواسم، قد شرع الله منها ما فيه كفاية للعباد. فإذا أحدث اجتماع زائد على هذه الاجتماعات معتاد، كان ذلك مضاهاة لما شرعه الله وسنه. انظروا الآن إلى اهتمام كثير من المسلمين بالبدع، أكثر من اهتمامهم بالسنن، واجتماعهم للبدع أكثر من اجتماعهم بالسنن. وهذا كله من هذا الباب. مثلاً الآن عندك هذا الاحتفال بالموالد، والاجتماع لأجلها، واهتمام بها فوق كل اهتمام، حتى وجد من الناس من الجهلة من يقول: أن ليلة المولد أفضل من ليلة القدر. قالوا: لهذا كره الصحابة إفراد صوم رجب، لما شبهوه برمضان. وأمر عمر رضي الله عنه بقطع الشجرة التي توهموا أنها الشجرة التي بويع تحتها الصحابة بيعة الرضوان، لما رأى الناس انتابوها ويصلون عندها. لما صلى الفجر، لما سلم عمر، رأى الناس انصرفوا، قال: إلى أين هؤلاء؟ قالوا: إلى الشجرة التي بايع عندها رسول الله. فأنكر هذا عمر، وقام وقطع هذه الشجرة، حتى لا يفتتن بها الناس. وهذا فقه الصحابة رضي الله عنهم. قالوا: لكن الآن تجد كلما رأوا الناس تشبثوا بشيء، يقولون: أنه آثار معنا، أظهروه وزادوا فيه. قالوا: يصلون عندكم أنها المسجد الحرام ومسجد المدينة. وكذلك لما رأوهم قد عكفوا على مكان قد صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم، عكوفاً عاماً، نهاهم عن ذلك، وقال: «تريدون أن تتخذوا آثار أنبيائكم مساجد؟» أو كما قال رضي الله عنه. فكما أن تطوع الصلاة فرادى وجماعة مشروع، من غير أن يتخذ جماعة عامة متكررة تشبع المشروع من الجمعة والعيدين والصلوات الخمس، فكذلك تطوع القراءة والذكر والدعاء جماعة وفرادى، وتطوع قصد بعض المشاهد ونحو ذلك، كله من نوع واحد. بين الكثير الظاهر منه، والقليل الخفي، والمعتاد وغير المعتاد. وهذا هو فقه السلف رحمهم الله، أنهم يفرقون بين هذه الأشياء. فرق بين إنسان مثلاً كما قلنا يجتمعون، فيقولون: نذكر الله، أو ندعو، ويؤمن الآخرون، أو في موقف من المواقف. قال مثلاً: يقولون: فلان ادعُ، أو صل ركعتين وادعُ ونحن نؤمن. هذا ما في شيء، إذا كان حصل من باب الاستجابة لعجل الدعاء والصلاة، مثل ما حصل للمحمديين: محمد بن خزيمة إمام لا إمام، ومحمد بن المنذر صاحب الأوسط، ابن المنذر، ومحمد بن هارون الروياني وهو إمام من أئمة الشافعية، وكذلك محمد بن جرير الطبري صاحب التفسير. اجتمعوا في بغداد في غرفة من الغرف، فنفذ عليهم الزاد، ما عندهم طعام، ما عندهم مال، ما استطاعوا أنهم يطلبوا العلم، وما عندهم مال، وما عندهم طعام يقومون به أنفسهم حتى يطلبوا العلم. فقالوا: نقترع، ومن تطلع عنده القرعة يصلي ركعتين ثم يدعو، ونحن نؤمن. فقال: وقعت القرعة على محمد بن إسحاق بن خزيمة، إمام لا إمام، صاحب كتاب التوحيد والمسند، فصلى بهم رحمه الله ركعتين، ثم دعا. فلما دعا، سمعوا الباب يطرق، سمعوا الباب يطرق، فقال الرجل: من محمد بن إسحاق؟ فقال: أنا. فأعطاه صرة فيها عشر دنانير أو عشرون دينار. ثم قال: أين محمد بن المنذر؟ وأعطاهم كلهم الأربعة. فقال: هذا من الأمير. وقال: إن احتجتم فكلموني. ورأى هذا مناماً من الله عز وجل، جعل هذا الأمير يرى مكان هؤلاء مناماً في الرؤيا، أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: «لو أدرك المحمديين، أدرك المحمديين»، فأدركهم، ثم فتح الله عز وجل عليهم، وهؤلاء أئمة الإسلام، رحمة الله عليهم. فهذا الفعل يفعل أحياناً، لا يتقصد به الشخص، لا يتقصد به الشخص، وإنما يفعل من باب المشروع أحياناً، ما يكون معتاداً، لأن اعتياد مثل هذه الأشياء يجعلها مشروعة، أو كأنها من الشرع. قال: وكذلك كل مكان مشروع الجنس، لكن البدع اتخاذه عادة لازمة، حتى يصير كأنه واجب، ويترتب على استحبابه وكراهته حكم نذره، واشتراط فعله في الوقف والوصية ونحو ذلك. لأنه إذا كان قلنا مشروع، سينذر، وسيوقف، وغيرها من أعمال الشرع. حيث كان النذر لا يلزم إلا في القرب، كذلك العمل المشروع في الوقف، لا يجوز أن يكون إلا براً ومعروفاً، على ظاهر المذهب وقول جمهور العلماء. وسنكمل إلى ذلك إن شاء الله تعالى. إن شاء الله وقت الترجمة نانسي قنقر. شكراً لك، شكراً لك. سينفر لذلك. شكراً لك، شكراً لك. موسيقى. سينفر.