المحاضرة بعنوان وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا، والتي كانت بمسجد أبو بكر بن الشيخ بمنطقة الخور بالشحر يوم الجمعة 18 محرم 1448هـ الموافق 3 يوليو 2026م ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المحور عظمة المساجد بوصفها أحب البقاع إلى الله ومحل نزول السكينة، مع الحث على طول المكث فيها وعمارتها بالعلم والعمل الصالح. كما يؤكد وجوب صيانتها من الشرك باتخاذ القبور فيها ومن النجاسات الحسية، مستشهداً بقصة هدم مسجد الضرار الذي بناه المنافقون للإضرار بالمسلمين.
يبين المحور تحريم بناء المساجد للرياء أو على القبور تعظيماً لأصحابها، مشبهاً ذلك بفعل اليهود والنصارى، ومؤكداً أن المساجد مواضع سجود لله وحده. كما يرد على شبهة انتفاع الحي بالميت موضحاً أنها لا تبيح صرف الدعاء أو الاستغاثة لغير الله.
يوضح المحور أن الميت ينتفع بدعاء الحي وصدقته الجارية وعلمه النافع، لكن طلب النفع أو الضر من الميت أو الاستغاثة به يعد شركاً أكبر مخرجاً من الملة. ويستدل بعجز النبي صلى الله عليه وسلم عن هداية عمه أبي طالب دليلاً على أن النفع والضر بيد الله وحده.
يسرد المحور صبر النبي صلى الله عليه وسلم على أذى المشركين ودعاءه لهم بالهداية، ونزول قوله تعالى (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ) تقريراً لتفرد الله بالتصرف. ويختم بتحذير شديد من الغلو في الأولياء ونسب المعجزات إليهم، مؤكداً بشرية النبي صلى الله عليه وسلم ونهيه عن الإطراء كما أطرت النصارى عيسى.
اشتركوا في القناة، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا مزيدا إلى يوم الدين. أما بعد: فأولا نحمد الله سبحانه وتعالى الذي من علينا بهذا الفضل العظيم؛ لأن وفقنا لحضور مثل هذه المجالس العظيمة التي ينتفع منها المتكلم والسامع، ولا يخرج صاحبها منها بغير فائدة، وأقل ما يجد أن يقال في آخر المجلس: «قوموا مغفورا لكم، قد بُدّلت سيئاتكم حسنات». ثم أشكر أخانا الأستاذ بلال على كلمته الطيبة وترحيبه، وهذه مشاركة بين يدي شيخنا أبي همام عبد الله باعيس حفظه الله. أيها الإخوة: إن المساجد هي بيوت الله في أرضه، لها فضل عظيم، ولها منزلة كبيرة في ديننا؛ ففي أرجائها تقام أعظم شعيرة وأحب فريضة، وفي رحابها تتنزل السكينة والرحمة. وكما سمعتم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده». فما أعظمها من مكرمة لمن جلس في بيوت الله وفي مساجد الله يتلو القرآن ويتدارسه. المساجد عباد الله هي أحب البلاد إلى الله سبحانه وتعالى، وأحب البقاع إلى الرب سبحانه وتعالى؛ لأنها محل الطاعات، ونزول الرحمات، وحلول البركات. جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها». وجاء من حديث جبير بن مطعم يحسنه العلامة الألباني رحمه الله تعالى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أحسن البقاع إلى الله المساجد، وأبغض البقاع إلى الله الأسواق»، وفي لفظ: «وشرها أسواقها». وإن الناظر في حال الكثير من الناس يجد أن الكثير من الناس يطيلون المكث في الدكاكين، وفي المقاهي، وفي الأسواق التي هي شر البقاع إلى الله سبحانه وتعالى، والتي هي أبغض البلاد إلى الله سبحانه وتعالى، ويقل مكثهم في المساجد التي هي أحب البلاد إلى الله سبحانه وتعالى. وهذا أمر لا ينبغي للمسلم فعله، بل الذي ينبغي على المسلم أن يعود نفسه على طول المكث في هذه البقاع وفي هذه المساجد التي هي بيوت الله سبحانه وتعالى، وينبغي أن يجعل هذا المسجد بيته الثاني، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «المسجد بيت كل تقي»، المسجد بيت كل تقي. فينبغي للمسلم أن يعلق قلبه بالمساجد، وأن يكثر المكث في المساجد، وأن من علق قلبه بهذه المساجد بهذه البيوت فإن الله سبحانه وتعالى يرفعه ويكرمه في الدنيا والآخرة. ولا يخفى عليكم ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله»، وذكر منهم: «ورجل قلبه معلق بالمساجد». فلما علق قلبه بهذه البيوت العظيمة، بهذه البيوت الشريفة، جعله الله سبحانه وتعالى من الأصناف الذين يستظلون في ذلك اليوم الشديد، في ذلك اليوم الشديد. فلهذا ينبغي على المسلم أن يعود نفسه على طول المكث في المساجد. المساجد عباد الله: الإكثار في الذهاب إليها، وطول المكث فيها سبب في رفع الدرجات وتكفير الخطايا والسيئات. ولهذا جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للصحابة: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟» فقال الصحابة، السباقون إلى الخير، المسارعون إلى الخيرات: «بلى يا رسول الله، دلنا على هذا الأمر العظيم». فقال صلى الله عليه وسلم: «إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط». انظروا كيف حث النبي صلى الله عليه وسلم على الإكثار من الخطا إلى المساجد، وهكذا طول المكث في المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، وأخبر صلى الله عليه وسلم أن من حبس نفسه في المساجد للطاعة فإنه كالمرابط في سبيل الله، كالمرابط في سبيل الله. نعم يا عباد الله، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «فذلكم الرباط، فذلكم الرباط». المساجد عباد الله هي مصانع الرجال، وفي المساجد يتربى الأجيال على الفضيلة وجميل الخصال، والمساجد فيها الأمن والأمان من المخاوف والأهوال. ولهذا يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾. فالمساجد هي مصنع الرجال؛ ففي المساجد يتعلم الناس، فيخرج من المساجد العلماء الذين ينشرون دين الله، الذين ينشرون العلم النافع الذي يدعو إلى العمل الصالح. المساجد تصنع الرجال الذين ينصرون الإسلام. ففي المساجد كذلك يتعلم الأجيال على معرفة الله سبحانه وتعالى، وعلى الإيمان بالله سبحانه وتعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره. في هذه المساجد يتعلم الأجيال محبة الله سبحانه وتعالى، ومحبة امتثال أوامره واجتناب نواهيه. في هذه المساجد يتعلم الأجيال محبة الرسول صلى الله عليه وسلم، ومحبة امتثال أوامره واجتناب نواهيه. في هذه المساجد يتعلم الأجيال والأبناء حفظ القرآن والسنة وتعلمهما، وهكذا العمل بهما. في هذه المساجد يتعلم الأجيال التوحيد، توحيد الله سبحانه وتعالى، ويتعلم كذلك العقيدة الصحيحة، يتعلمها الأجيال في مثل هذه المساجد. في المساجد عباد الله يتعلم الأجيال محبة الصحابة وتقديرهم واحترامهم، ومعرفة ما قدموه لنصرة الإسلام، وهكذا المسلمين. في هذه المساجد يتربى الأجيال على حب زوجات النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأمهات المؤمنين، يتعلم الأجيال فضل أم المؤمنين، فضل أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، العالمة الصديقة بنت الصديق، الطاهرة المطهرة، المبرأة من فوق سبع سماوات. في هذه المساجد يتعلم الأجيال جميل الخصال، فهي حقا، هي حقا مصانع الرجال، وهكذا مرتع الأجيال الذين يتعلمون الخير فيها. نعم يا عباد الله: العناية بالمساجد وعمارتها حسيا ومعنويا من صفات أهل الإيمان المهتدين، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾. ومن العناية بالمساجد صيانتها عما يدنسها من النجاسات الحسية، ومن النجاسات المعنوية. وإن من أعظم النجاسات المعنوية الشرك بالله سبحانه وتعالى، الشرك بالله سبحانه وتعالى في هذه المساجد. ولهذا يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾. فلا يجوز وضع القبر في المسجد، أو بناء المسجد على القبر، كل ذلك حماية للتوحيد وحذرا من الشرك والنداء. نعم يا عباد الله: ولهذا جاء من حديث جندب رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول: «ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك». فهكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم ينهى أن تتخذ هذه المساجد قبورا، فلا يجوز وضع القبر في هذه المساجد؛ لأن القبر إذا وضع في هذا المسجد، في المسجد، فعند ذلك سيكون هذا القبر يعبد من دون الله، يعبد من دون الله، وهذا هو الواقع. انظروا إلى القبور التي وضعت داخل المساجد؛ فإنها تدعى من دون الله، يتوسل إليها، ويطلب منها المدد، ويطلب منها الغوث، ويطلب منها الرزق، ويطلب منها الولد. نعم عباد الله: ولهذا حذرنا نبينا صلى الله عليه وسلم ونهانا أن نتخذ هذه المساجد قبورا. نعم يا عباد الله: وهكذا كان في آخر عمره يقول: «ألا لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». فالشرك بالله في المساجد من أعظم النجاسات المعنوية التي ينبغي أن تصان منها المساجد. ومن النجاسات الحسية التي ينبغي أن تصان منها المساجد: أن تصان من التغوط، وهكذا التبول. وكما سمعتم قول النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي عندما بال في المسجد، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله، إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن». وهكذا عباد الله: مما ينبغي أن تصان منه المساجد أن تصان من كل رائحة أو منظر يؤذي المصلين، يؤذي المصلين. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أكل البصل أو الثوم أو الكراث فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم». انظروا كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم نهانا أن من أكل البصل أو الثوم، مع جواز أكله، لكن لما تنبعث من الرائحة لمن أكل البصل والثوم، تنبعث من أكله، تنبعث من فمه هذه الرائحة التي يتأذى منها المصلون، عند ذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن من أكلها يجلس في بيته ويصلي في بيته. كل ذلك حتى لا يؤذي المصلين. وهكذا يقاس على ذلك من شرب الدخان والسجائر؛ فإن ذلك مما يؤذي المصلين. لربما تجد شارب الدخان إذا أتى إلى المسجد تنبعث منه روائح كريهة تؤذي المصل، بل ربما يتمنى المصل أن يخرج من الصف لما يجده من الأذية، لما يجده من الأذية من هذه الرائحة الكريهة. لذلك ينبغي أن تصان المساجد كذلك من كل ما يؤذي المصلين. كذلك يا عباد الله: من العناية بالمساجد القيام بتطهيرها وتنظيفها وترتيبها، فإن لمن كان هذا حاله له الأجر العظيم والثواب الجزيل من الله سبحانه وتعالى. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «عُرضت علي أجور أمتي، حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد». حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد؛ إذا كان الشيء اليسير إذا أخرجه الرجل من المسجد فإنه سيجد هذا الأجر عند الله سبحانه وتعالى. فقولوا لي: بمن سخر عمره للقيام بتطهير المسجد والعناية بتنظيفه وترتيبه؟ فإن له الأجر العظيم عند الله سبحانه وتعالى. ولهذا لما ماتت تلك المرأة السوداء التي كانت تقم المسجد، التي كانت تقم المسجد، عندما ماتت ودفنها الصحابة ولم يوقظوا النبي صلى الله عليه وسلم حتى لا يؤذوه، فبعدما دفنوها افتقدها النبي صلى الله عليه وسلم، فسأل عنها، فقيل له: إنها ماتت. فقال: «ألا كنتم آذنتموني؟» فأتى قبرها فصلى عليها، صلى عليها إكراما لها وتشريفا لها بما كانت تقوم به من العناية بهذا المسجد. لذلك أيها المسلمون: ينبغي علينا أن نجعل للمساجد مكانة في قلوبنا، فإن من علق قلبه بالمسجد يجد الراحة، ويجد الطمأنينة، ويجد انشراح الصدر. وهكذا ينبغي على الآباء أن يعودوا أبناءهم، أن يعودوا أبناءهم الجلوس في المساجد، في حلقات القرآن، في حلقات العلم؛ فإن في هذه المساجد وفي الجلوس فيها الخير الكثير، كما سمعتم. فأسأل الله بمنه وكرمه أن يوفقنا إلى كل خير، وأن يغفر لنا، وأن يرحمنا، وأن يتوفانا وهو راض عنا. وهذه مشاركة بين يدي شيخنا أبي همام حفظه الله تعالى، فليتفضل مشكورا مأجورا. والحمد لله رب العالمين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فقد سمعنا خيرا كثيرا من إخواننا الأساتذة، بارك الله فيهم، في أهمية هذه المساجد، وأيضا العمل فيها. وإكمالا لهذا الموضوع في تفسير هذه الآية وبيان معناها: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾. فهذه المساجد، أو هذه الآية، تحتمل أن المساجد لله، فيخرج من هذه الآية المساجد التي تبنى لغير الله، المساجد التي تبنى لغير الله. فيدخل في هذا من بنى مسجدا يريد مضارة لمساجد أهل الإسلام، يريد أن يضر بمساجد السنة، والمساجد التي تعلم الناس التوحيد، فبنى مسجدا لأجل الكيد ولأجل العناد، مثل ما حصل في عهد النبي عليه الصلاة والسلام: أن بنى المنافقون مسجدا، مسجدا بنوه لأجل أعداء الله، وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل. لم يبنوه لأجل الله جل وعلا، وإنما بنوه مضارة للمساجد الإسلام، والمساجد التي بناها النبي عليه الصلاة والسلام. فلهذا نهى الله عز وجل نبيه أن يقوم ويصلي في ذلك المسجد، وبيّن أنهم اتخذوا هذا المسجد ضرارا. ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ﴾. انظروا إلى معاني هذه الكلمات العظيمة التي ذكرها ربنا جل وعلا، وهو أعلم بالنيات: «مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين». إنهم يريدون أن يفرقوا بين أهل الإسلام، فيدعون أهل النفاق حتى يشككوا الناس في دينهم، أن يعمل هذا المسجد لأجل تشكيك الناس في دينهم، ولأجل بث الشبهات التي هي ضد أهل الإسلام وضد الإسلام. فلهذا نهى الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يصلي في ذلك المسجد. وقد جاء أولئك الذين بنوه إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وأرادوا منه أن يصلي فيه، فاعتذر النبي عليه الصلاة والسلام في بداية الأمر أنه ذاهب إلى تبوك، ووعدهم أنه إذا جاء من تبوك صلى فيه. فلما ذهب النبي عليه الصلاة والسلام إلى تبوك، إلى قتال الروم، وكان في حر شديد، وقد بيّن الله عز وجل هذه الغزوة في سورة التوبة، وكيف فعل المنافقون، وكيف اعتذر من اعتذر، وكيف أيضا صدق من صدق في اعتذاره. كل هذا مذكور في سورة التوبة. ولما رجع النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة، فقبل أن يرجع، أنزل الله عز وجل عليه هذه الآية، وأن هذا المسجد إنما فعل ضرارا وتفريقا لأهل الإسلام، فأرسل النبي عليه الصلاة والسلام لبابة بن المنذر حتى يحرق هذا المسجد. كانوا بنوه من عريش، من جريد النخل، فأمر لبابة بن المنذر، النبي صلى الله عليه وسلم أمر لبابة أن يحرق هذا المسجد. فذهب لبابة ومن معه وحرقوا عليهم هذا المسجد، حتى أنه كان فيهم بعضهم، فخرجوا سراعا، يعني خرجوا بسرعة، حتى كانت النار ستحرقهم. فأنزل الله عز وجل هذه الآيات بعد ذلك، فعلموا أن هذا، أو أن أمرهم قد كُشف. فهذا مما يخرج من هذه الآية. وكذلك مما يخرج من هذه الآية: الذي يبني المسجد رياء وسمعة وتفاخرا، لا يبني لأجل أن هذا مسجد تقام فيه الصلاة، تقام فيه الدعوة، وقد يكون أيضا نيته في هذا، لكن النية الأكبر عنده أنه يقيم مسجدا ليتفاخر في بنائه، وأيضا يقيم مسجدا ليس لله، وإنما لأجل أناس، ولأجل كذا من إخواني، أو من كذا، وليس لله عز وجل. فهذا أيضا يخرج من هذا الباب. وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه في آخر الزمان يتفاخر الناس بالمساجد، ويتباهون بالمساجد، حتى يقال: إن مسجد بني فلان أفضل من مسجد بني فلان. أن يتفاخروا بالمساجد ويتباهوا بها، فيزخرفونها. كما قال عمر رضي الله عنه: «لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى». ستزخرفون هذه المساجد كما زخرفها اليهود والنصارى. أن الآن تبنى مساجد كالكنائس، كما تبنى الكنائس، لا تفرق بين مسجد وكنيسة، إلا أن الكنيسة يضعون الصليب، وهذا المسجد يضعون الهلال، وكأن الهلال شعار لأهل الإسلام. فهذا الذي يحصل أيضا يخرج من هذه الآية. وقد جاء في حديث أنس رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس بالمساجد»، حتى يتباهى الناس بالمساجد. وهذا إن بناه لأجل التفاخر فهو لا حظ له في الأجر. فأيضا هذا أيضا في بناء المساجد التي ليست لله. وأيضا من ذلك: أن يجعل هذا المسجد لأجل أن يبنى على قبر، كما قد سمعت، لأجل القبور يبني المسجد، لأجل وجود القبور، فيبني المسجد هذا حتى يصلي الناس على القبر، حتى أيضا يعظم هذا القبر، فيجعل في المسجد. وهذا فعله النصارى وفعل اليهود. النبي عليه الصلاة والسلام، كما قد سمعت، حكت له أم حبيبة وأم سلمة، حكتا له أنهما رأتا كنيسة في الحبشة. أم حبيبة ذهبت إلى الحبشة، وكذلك أم سلمة، فرأتا كنيسة في الحبشة اسمها مارية، على مارية، أي مريم، اسمها مارية، وما فيها من الصور، وما فيها أيضا من تعظيم هذه الصور. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا، وصوروا تلك الصور. أولئك شرار الخلق عند الله». جعلهم نبي صلى الله عليه وسلم شرار الخلق. هؤلاء الذين يبنون المساجد لأجل القبر، لأجل أن هنا قبر، سيبني المسجد لأجل أن الناس يصلون تعظيما لهذا القبر. وقد يكون أيضا في نيته أنه لله، لكن أيضا من نيته أن الناس يعظمون هذا القبر، قبر الولي الفلاني وكذا. ولهذا تجدهم يدخلونه في المسجد، مع أن النبي عليه الصلاة والسلام، حتى ترى من هذا شدة التحجير، كما قد سمعتم: «ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك». وقالت عائشة رضي الله عنها: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». أن اتخذوا القبور، جعلوا عليها مساجد. قالت: «يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد». قالت عائشة: «ولولا ذلك، أي هذا النهي، لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا». خشي النبي صلى الله عليه وسلم، أو خشي الصحابة، أن يتخذ مسجدا أو قبر النبي صلى الله عليه وسلم مسجدا. فلهذا لم يظهر قبره، قبر في غرفة عائشة، قبر في غرفة عائشة رضي الله تعالى عنها. فلهذا هذا أيضا من الأمور التي تدخل فيها، أو تخرج من هذه الآية، وأن هذه المساجد ليست لله. كذلك أيضا هنا المراد بالمساجد كذلك هو السجود، موضع السجود الذي يسجد فيه. والمساجد لا شك أنها من مواضع السجود، فيدخل فيه أن المساجد لله، أي أن السجود لله سبحانه وتعالى، أن السجود لله جل وعلا. فلا يجوز لأحد أن يسجد لغير الله، لا يجوز أن يسجد، يسجد لغير الله، أو أن يتقرب لغير الله سبحانه وتعالى. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾. بيّن الله عز وجل أن العبد يعبد ربه جل وعلا، ولما كان الدعاء من أعظم العبادة، بل هو العبادة، ذكره الله عز وجل فقال: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾. فما قلنا: الدعاء أن يدعى غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله. فالدعاء عبادة، فإذا صرفها لغير الله، ودعى غير الله سبحانه وتعالى فيما يدعى الرب جل وعلا، فيما اختص فيه الرب سبحانه وتعالى من النفع والضر، وما تحت أمره سبحانه وتعالى، فطلبه من غيره، حتى الشفاعة، الله عز وجل قد قال: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾. لا يطلبها إلا من الله، لا يجوز لأحد أن يطلب الشفاعة من غير الله. لو قال: يا رسول الله اشفع لنا، فهو قد طلب من النبي عليه الصلاة والسلام شيئا ليس له، لم يجعله الله عز وجل. النبي عليه الصلاة والسلام قال: ربنا جل وعلا ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾. ولهذا أنكر على المشركين الذين ادعوا أن الآلهة تشفع لهم، ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم، ويقولون: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ﴾. قل: ﴿أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. فلهذا أيها الأخوة الكرام: ربنا جل وعلا قد بيّن هذه المسألة بيانا شافيا، وأن العبد لا يلتفت قلبه لغير الله جل وعلا في التقرب إليه، ومن ذلك الدعاء والاستغاثة والاستعاذة. وأيضا كذلك كل ما يطلب من الله جل وعلا. انتشرت في هذه الأيام مقولة، نشرها بعض من تعلق قلبه بالقبور، تعلق قلبه بالأموات، فيقول: أنه قد ثبت في شريعة الله جل وعلا أن الحي ينتفع من الميت، أن الحي ينتفع من الميت. ويستدلون بأدلة منها: انتفاع نبي الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بموسى في الإسراء والمعراج، وغير هذه من الأشياء التي يستدلون بها. وهنا هناك فرق بين أن يقال: أن الميت، أن الحي قد ينتفع من الميت، بل حتى العكس قد أيضا كذلك: الميت ينتفع من الحي، الميت ينتفع من الحي. لكن ليس المراد أنك تطلب منه النفع والضر. فهنا مسألتان خلط فيهما هؤلاء، خلط فيهما هؤلاء. قالوا بأنه قد ينتفع الحي بالميت. نعم، نقول: قد ينتفع الحي بالميت، يعني ينتفع بكلامه، بعلمه، ينتفع كذلك، قد يكون أيضا بأشياء حسية، مثل ما حصل لنبي الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم مع موسى. وأيضا كم من قصص حصلت لبعض الأموات، حصلت منهم انتفاع للأحياء، إما برؤية، وإما حتى بحقيقة حصلت لهم. هذا لا ينكره أحد. وأيضا كما قلنا: العكس، قد ينتفع الميت أيضا بالحي، ينتفع بماذا؟ مثلا أنه علمه، الميت ينتفع بالحي أنه علم، مثلا هذا الحي، وهذا الحي عمل بما علمه من دين الله، فيصل إليه، يصل إلى هذا الميت، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له». فهذا الولد يدعو لأبيه، يستغفر لأبيه. أيضا الأحياء يستغفرون للأموات. النبي عليه الصلاة والسلام شرع زيارة القبور بأنك تدعو لهم: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأنتم سلفنا ونحن بالأثر»، وجاء في رواية أخرى: «وإنا إن شاء الله تعالى بكم لاحقون». كل هذا لأجل أن هذا الميت ينتفع به. سلام هذا الحي، سلم عليه، ويزوره، ويدعو له. نبي عليه الصلاة والسلام كان دائما يدعو لأهل البقيع، حتى في آخر حياته، أكثر الخروج للبقيع، حتى أنه يخرج في الليل، يخرج في الليل يدعو لأهل البقيع، عليه الصلاة والسلام. فهذا لا ينكر أحد أن الإنسان قد ينتفع بعمل الميت، والميت ينتفع بعمل الحي. لكن هل معنى ذلك أن الإنسان يدعو هذا الميت ويطلب منه النفع؟ فهذا الذي نفاه الله عز وجل، هذا الذي نفاه الله سبحانه وتعالى، أنه لا يطلب من أحد نفعا ولا ضر. فهذا نبي الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو أكرم الخلق على الله، وسيد الأنبياء عليه الصلاة والسلام، قال الله عز وجل: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾. يعني وهو رسول الله يقول: لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله. أن جعل في عمل نفع، أو في قول نفع، أو في كذا. أما أنه يُقلب منه الدعاء، يُقلب منه النفع والضر، فهذا لا يحصل أبدا. بل الله عز وجل نفى ذلك: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾. أي هؤلاء الذين تدعونهم، هم يدعون الله، وهم يطلبون من الله، فكيف أنتم تطلبون منهم؟ أيضا كذلك قولهم: إنهم شفعاء، أيضا لا يجوز أن تطلب الشفاعة منهم، وإنما تطلب من الله. ممكن أن يقال: اللهم شفع النبي عليه الصلاة والسلام فيه، هذا لا بأس، يعني يجعل الطلب من الله. لكن لا يطلب من النبي صلى الله عليه وسلم: «اشفع لي يا رسول الله». فلهذا هذا حق، كما قلنا. أيضا كذلك النبي عليه الصلاة والسلام، مع الآيات الكثيرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾. تدعون من دون الله أي أحد من دون الله، سواء كان ملكا مقربا، أو نبيا مرسلا، أو غيره، ما دام أنه من دون الله، غير الله، فإنه عباد أمثالكم. ﴿فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾. فلهذا أن يطلب من قبر، من ميت، نفعا أو ضرا، فهذا من الشرك بالله جل وعلا الذي نفاه الله. انظر إلى نبي الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أراد أن يقرر هذا الأمر في الناس، في بداية دعوته، في بداية دعوته. في الصحيحين من حديث ابن عباس، وجاء كذلك من حديث أبي هريرة: لما نزل قول الله جل وعلا: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾. نزل قول الله جل وعلا: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾. وهذه الآية نزلت بالصدع بدعوة جل وعلا، وأنه يصدع بالدعوة ويجهر بها، بعدما كانت الدعوة سرية. فقلنا: أن النبي عليه الصلاة والسلام قرر هذا الأمر، وأنه لا يطلب نفع وضر إلا من الله سبحانه وتعالى. فكما قلنا: جاء في الصحيحين، لما أنزل الله عز وجل: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، فصعد النبي عليه الصلاة والسلام على جبل الصفا، فنادى في الناس، فخص وعم، فقال: «يا بني عبد مناف، يا بني هاشم، يا عباس بن عبد المطلب، اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئا». «اشتروا أنفسكم، اشتروا أنفسكم». يعني: أنكم هذه الأنفس، إن لم تعبدوا الله، فهي واقعة في النار. «اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئا. يا صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، اشتري نفسك، لا أغني عنك من الله شيئا. يا فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، سليني من مالي ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئا». النبي عليه الصلاة والسلام يقول مثل هذا الكلام. فانظروا إلى بعض أولياء الذين يتعلقون بالمقبورين: ذات يقول: «أهلي كلهم سأضعهم في زنبيل وأبصلهم للجنة». وذات يقول: «عبدي لا يدخل النار أبدا». حتى أنه في النار ما وجدته، وما سيدخل النار. ومثل هذا الكلام الذي لم يأت به نبي الله صلى الله عليه وسلم، وهو رسول الله وأكرم الناس على الله. فلو كان هذا حقا لقاله رسول الله، لكن هؤلاء يدعون أشياء ليست لهم. فلهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا أغني عنكم من الله شيئا». وقد طبق ذلك تطبيقا عليه الصلاة والسلام، وأنه عبد لله، لا يملك لنفسه، ولا لأحد من أهله. لما مات عمه أبو طالب، أما حضرت الوفاة أبا طالب، كان النبي عليه الصلاة والسلام عنده، يقول: «يا عم، قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله». وهل يُعقل من حرص النبي عليه الصلاة والسلام على عمه أنه لم يدع له؟ أعلى هل هذا يُعقل أنه لم يدعو، يدعو الله عز وجل أن يهديه؟ لكن الله عز وجل لم يتقبل هذه الدعوة، لم يستجب لنبيه عليه الصلاة والسلام، لحكمة أرادها الله جل وعلا، ولأن الأمر ليس لأحد إلا لله. فهذا نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يستطع أن يهدي عمه، الذي آواه، والذي دافع عنه، عن النبي عليه الصلاة والسلام، كان في حماية عمه، لم يستطع أحد أن يمسه، حتى مات عمه. فلهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لعمه أبي طالب: «قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله». فقال: بل على ملة عبد المطلب. فمات على الشرك. بعض الآن القبورية، هؤلاء ما استوعبوا هذا: كيف هذا نبي الله ما يستطيع أن يهدي، أن يهدي عمه، وهؤلاء الأولياء سيهدون أمة كاملة، أهل قريتهم كلهم، سيدخلونهم الجنة؟ وهذا نبي الله ما استطاع أن يدخل عمه الجنة. لما قال له العباس رضي الله تعالى عنه: «يا رسول الله، عمك أبا طالب كان يحوطك ويحميك، فهل تنفعه يوم القيامة؟» قال: «هو في ضحضاح من نار، هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار». يعني: ما خرج من النار، وإنما إكراما للنبي عليه الصلاة والسلام، فجعله الله عز وجل في ضحضاح من نار، لكن لم يدخل الجنة، بل هو في النار. وأيضا، وانظروا إلى في ما حصل للقراء الحفاظ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أرسل النبي عليه الصلاة والسلام حفاظا لكتاب الله، يدعون الناس إلى الخير. جاء بعض القبائل وقالوا: «يا رسول الله، نريد من يعلمنا الإسلام». فأرسل عليه الصلاة والسلام سبعين قارئا من حفظة القرآن، ومن أهل العلم، يعلمون الناس. فاعترضتهم بعض القبائل، كعصية، ولحيان، وغيرها من القبائل التي لم تسلم في ذلك الوقت. فاعترضوا هؤلاء الصحابة وقتلوهم كلهم. يعني: سبعون رجلا من أهل العلم ومن حفظة القرآن، قتلوهم. فدعا عليهم النبي عليه الصلاة والسلام. ولما أيضا كان في أحد، لما في أحد شج النبي عليه الصلاة والسلام، شجوه في وجهه، وكسرت رباعيته، وأيضا شجوا رأسه، دخلت، دخلت وجنة البيضة، دخلت الحديدة في وجنتيه عليه الصلاة والسلام. كل هذا فعلوا به، صلوات الله وسلامه عليه، وهو يقول، ويمسح الدم عن وجهه، صلوات الله وسلامه عليه، وهو يتذكر نبيا من أنبياء الله، يقول: «اللهم اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون». وجاء أيضا في حديث أنس أنه قال، كما في الصحيحين، حديث أنس قال: عليه الصلاة والسلام في ذلك الموقف، قال عليه الصلاة والسلام: «كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟». فأنزل الله عز وجل: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾. وهو نبي الله، صلوات الله وسلامه عليه. لم يقل: «سأعطيهم صيحة، صيحة عاد وثمود». مثل ما حكى بعض هؤلاء الذين تعلقت قلوبهم بالمقبورين، يأتون بقصة كاذبة: قال أن جيشا كبيرا جاء إلى تريم، فقال لهم السيد المختار، قال لعبده: «اذهب إليهم، قل لهم: إن لم تذهبوا سيغضب عليكم السيد». قال: فلما أخبرهم بهذا، ولوا، ذهبوا. قال: «يا سيد، أجب أن تفعل بهم، أجب أن تفعل بهؤلاء الجيش كامل». قال: «أصيح فيهم صيحة، صيحة عاد، عاد وثمود». أنظروا إلى هذا الكذب، وهذا الذي لم يفعله نبي الله. نبي صلى الله عليه وسلم ما صيّح في قوم واحد. ولم، لما جاء تحزبت الأحزاب عليهم، أنزل الله عز وجل عليهم الريح، وهو يدعو، النبي عليه الصلاة والسلام ربه، لم يتحدى هذا التحدي، وأنه سيفعل وسيفعل. لكن هؤلاء ما عرفوا قدر أنفسهم، أنهم عباد لله. لكن هؤلاء يعتقدون فيهم أنهم يتصرفون مع الله. تعالى الله عز وجل عما يقول هؤلاء علوا كبيرا. فلهذا الله عز وجل قال لنبيه: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾. ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾. وقد تاب الله عز وجل على بعض من دعاهم النبي عليه الصلاة والسلام. فهذا ليس معنى هذا تنقيص في رسول الله، صلوات الله وسلامه عليه، بل هو أكرم الخلق، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو قدوتنا، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ونحن نحبه، لا نحب أحدا مثله من الخلق. لكن لا يجوز لنا أن نرفع، أن نرفعه منزلة لم ينزله الله عز وجل إياه. ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول، كما في صحيح البخاري عن عمر: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، وقولوا: عبد الله ورسوله». عبد الله، سبحانه وتعالى. الله عز وجل ناداه بالعبودية في مقامات عظيمة، لأنه عبد له سبحانه وتعالى، ليس له شيء من خصائص الربوبية. فلهذا لا يجوز لأحد أن يعطي من مخلوقات الله شيئا من الربوبية، ومما اختص به الرب سبحانه وتعالى. فلهذا كما قلنا: قال الله عز وجل: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾. معنى، وهذه في عبرة عظيمة: نبي الله عليه الصلاة والسلام لم يستطع أن ينصر نفسه، لم يستطع أن ينصر نفسه في هذه الواقعة. يعني: قال: «كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟» عليه الصلاة والسلام، فوكل الأمر بعد ذلك إلى الله. فلهذا أيضا في بدر، دعا النبي عليه الصلاة والسلام كثيرا، وقال: «يا رب، إن تهلك هذه العصابة، لن تعبد في هذه الأرض». على إذا هلكت هذه العصابة، يعني: النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ثلاث ما ستعبد في