شرح السنة للإمام البربهاري 36

شرح السنة للإمام البربهاري 36

الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 36، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مسألة رؤية الله تعالى

يناقش المقطع مسألة رؤية الله تعالى في الدنيا والآخرة، ويبين اختلاف المذاهب فيها. يشرح أن رؤية الله في الدنيا مستحيلة بينما هي ممكنة في الآخرة لأهل الجنة.

رؤية الله في الآخرة والتفكر في خلقه

يؤكد على استحالة رؤية الله في الدنيا ويبين أن التفكر في ذات الله بدعة. يشجع على التفكر في خلق الله وآلائه بدلاً من ذلك.

التأمل في مخلوقات الله وإذنه في الكون

ينصح بالتأمل في مخلوقات الله ويبين أن كل شيء في الكون يعمل بأمر الله وإذنه، مستدلاً بأحاديث نبوية تظهر خضوع كل شيء لإرادة الله.

الدعاء والختام

يختم الخطيب كلامه بدعاء الله أن ينفع بما قيل ويصلي على النبي وآله وصحبه، معرباً عن تواضعه واعتماده على الله في تحقيق الفائدة.

  • 10 جمادى الأولى 1446هـ - 11/11/2024مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال: ومن زعم أنه يرى ربه في دار الدنيا فهو كافرٌ بالله عز وجل، والفكرة في الله تبارك وتعالى بدعة، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الله»، فإن الفكرة في الرب تقدح الشك في القلب. وعلم أن الهوام والسباع والدواب كلها نحو الذر والنملي والذباب، كلها مأمورةٌ لا يعلمون، لا يعملون شيئًا إلا بإذن الله تبارك وتعالى. في هذه الفقرات، إخواني في الله، تناول المؤلف رحمه الله تعالى بعض المسائل المتعلقة بمنهج أهل السنة والجماعة في باب المعتقد، وبادئ هذه المسائل المتعلقة برؤية الرب جل وعلا، فقال: ومن زعم أنه يرى ربه في دار الدنيا فهو كافرٌ بالله عز وجل. وهذه المسألة تدور حول رؤية الرب جل وعلا بالأعيان أو بالأبصار، والناس، إخواني في الله، في هذه المسألة على مذاهبٍ ثلاث، أي في رؤية الرب جل وعلا عيانًا بالأبصار. قومٌ ذهبوا إلى أن الله جل وعلا لا يرى لا في الدنيا ولا في الآخرة، وهذا قول طائفة من المعطلة كالجهمية ومن كان على دربهم وسلك فلكهم، بأن الله جل وعلا لا يرى لا في الدنيا ولا في الآخرة، وهذا قولٌ باطل. وقد مرَّ معنا، إخواني في الله، وتذكرون في دروس الأول في هذا الباب من هذا الكتاب، على أن الأدلة قد دلَّت على أن الله جل وعلا يرى في الآخرة: ﴿وجوهٌ يومئذٍ ناظرة إلى ربها ناظرة﴾، ﴿كلا إنهم يومئذٍ عن ربهم لمحجوبون﴾، فالكافر يُحجب عن ربه، أما المؤمن فلا يُحجب عن ربه جل وعلا. وهكذا ما جاء في السنة، الأدلة كثيرة، بل بلغت إلى درجة التواتر، الأدلة بلغت إلى حد التواتر في إثبات رؤية الرب جل وعلا يوم القيامة: «إنكم ترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر لا تضامون أو لا تضارون في رؤيته». وقد أورد العلماء ذلك في بيت الشعر: ومما تواتر حديث من كذب ومن بنى لله بيتًا واحتسب، ورؤيةٌ وشفاعةٌ وحوض ومسح خفين. وهذه بعض فقوله: ورؤية، أي أحاديث الرؤية بلغت إلى حد التواتر. ولهذا ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أن جمهور السلف يحكمون على أن من جحد رؤية الله جل وعلا يوم القيامة أنه كافر. ذكر شيخ الإسلام عن جمهور السلف أنهم يكفرون كل من جحد رؤية الله جل وعلا يوم القيامة، وذلك لظاهر النصوص والأدلة في هذا الباب الفائعة المستفيضة والمبثوثة في القرآن والسنة. فهذا مذهب الأول، هو مذهب باطل قول من قال بأن الله لا يرى لا في الدنيا ولا في الآخرة. وقول آخر، وهو قوم من يقول: بأن الله جل وعلا يرى في الدنيا ويرى في الآخرة، يرى في الدنيا. القول الأول نقيض الثاني، وهذا قال: لا يرى، وهؤلاء قال: يرى في الدنيا وفي الآخرة. قالوا: حتى في الدنيا بإمكان العبد أن يرى ربه، وهذا أيضًا قول باطل. قول من يزعم بأنه بإمكانه أن يرى الرب في هذه الدنيا بعيني رأسه، هذا هو الضلال المبين، والذي حكم المؤلف رحمه الله تعالى هاهنا بكفره، فقال: ومن زعم أنه يرى ربه في دار الدنيا فهو كافر بالله. لا يمكن لأحد أن يرى ربه جل وعلا في الدنيا، ولهذا يقول ربنا جل وعلا: ﴿إنك لن تراني﴾. لا يمكن لطاقة البشر ولقدرة البشر على إدراك ما هي الله جل وعلا. وقال: ثبت في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «اعلموا أن أحدًا منكم لن يرى ربه، وإنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا». لن تروا ربكم حتى تموتوا بعد الممات، إن كنت من أهل الجنة لك أن ترى الرب جل وعلا، أما أنت في الدنيا فلا. وبهذا نعلم ضلال من ضل من بعض المبتدعة ممن يزعمون أنهم يلاقوا الرب وأنهم نظروا إلى الرب، كما يفعل بعض الزنادق من أهل الحلول ومن أهل الاتحاد والحلول ممن يعتقدون بأن الله يحل في بعض مخلوقاته، تعالى الله عن هذا القول العلو عظيمة. كما بلغ ذلك من أرباب المتصوفة من غلاتهم ممن يزعمون أنهم قد لاقوا الرب، حتى يقول في بعضهم في كتبهم: يقول: رأيته هو، رأيته هو. وهذا هو الكفر بعينه، كما قال المؤلف رحمه الله تعالى. وهذا أصحاب الاتحاد والحلول بأن الله يحل بمخلوقاته، وكذلك على قول أهل الوحدة للوجود ممن يرى أن الله هو الوجود وهو عين الوجود وهو كل موجود، وهذا كذلك من الكفر المبين بالله رب العالمين. فقول من يقول: بأن الله يرى في الدنيا، كذلك هذا باطل. بقي المذهب الثالث، وهو مذهب أهل السنة والجماعة، وهم أنهم يقولون: بأن الله جل وعلا لا يرى في الدنيا، لكن يرى في الآخرة. وبهذا تكتمل الأدلة وتجتمع الأدلة من غير تعسف ومن غير تكلف ومن غير إخلال بقدرة الله جل وعلا. فأهل السنة يقولون: بأن الله في الدنيا لا يرى، ولا الإمكان لأحد أن يرى ربه جل وعلا بعينيه، وأما في الآخرة فإن ذلك ممكن، وإن الله جل وعلا أعد ذلك من النعيم المقيم لأهل جنات النعيم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: والفكرة في الله تبارك وتعالى بدعة، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الله». أرشد المؤلف رحمه الله تعالى في هذه المسألة إلى أدب من الآداب التي ينبغي أن يتخلق بها العباد، وهو أنهم لا يتفكرون في ذات الله ولا يتفكرون في ما هي الله. فإن أحدًا لن يستطيع أن يدرك ما هي الله سبحانه وتعالى، ولهذا لا أحد يتفكر في الله، وإنما الشخص يتفكر في خلق الله. لك، يا عبد الله، أن تتفكر في مخلوقات الله، في آلاء الله، في نعم الله. تأمل في هذه الآيات التي تهديك إلى الله جل وعلا. وأما ما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى قال: لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الله»، فهذا الحديث فيه ضعف، وهو معلول، وضعفه العلماء، لكن يغني عنه أثرًا غيره، وثبت ذلك عند بعض العلماء، احتجوا به، وله حكم الرفع، وهو ما جاء عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه، قال عليه الصلاة والسلام: «تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في الله». نعم، هذا الشيخ الألباني يحسنه كما في «الصحيحة»: «تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في الله». من أراد أن يتفكر ويتأمل ويتدبر في هذا الكون، فعليه أن يسلط الأضواء على مخلوقات الله، على آلاء الله. وبهذا جاءت الآيات: ﴿أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف سطحت﴾. تأمل، يا عبد الله، في خلق الله، وفي مخلوقات الله، حينها ماذا يزداد إيمانك ويزداد تيقنك بربك جل وعلا؟ أما أنك ما تفكر في ذات الله فلا. ولهذا ضل من ضل من كثير من المبتدعة والضلال، أنهم ماذا أذهبوا عقولهم وأشغلوا عقولهم بالتفكر في ذات الله جل وعلا، فضلوا عن سواء السبيل. وجاء عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: لا يزال الناس يسألون ويقولون: ما كذا وما كذا، حتى يقولوا: الله خالق الناس فمن خلق الله؟ فحينها يضلون. إذا بلغ المرء إلى فكره إلى ذات الله، حينها سيضل عن سواء السبيل. ولهذا، يا عبد الله، لا تشغل ذهنك ولا عقلك في هذه المسائل، وإنما شغلها بما أمر الله أن تشتغل العقول به، ألا وهو التفكر والتأمل في مخلوقات الله وفي آلاء الله سبحانه وتعالى. ثم قال مؤلفنا رحمه الله تعالى: وعلم أن الهوام والسباع والدواب كلها نحو الذر والنمل والذباب، كلها مأمورةٌ لا يعملون، وفي لفظة نسخة: لا يعلمون شيئًا إلا بإذن الله تبارك وتعالى. أراد المؤلف رحمه الله تعالى أن ما في الكون كله تحت إمرة الرب جل وعلا وتحت إذن الله سبحانه وتعالى، أي الإذن الكوني. فما من دابة في الأرض إلا وهي تعمل من حركة أو سكون إلا ذلك بأمر من ربها سبحانه وتعالى: ﴿إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون﴾. فما من أمر يقع إلا بإذن الله سبحانه وتعالى، حتى حركات السباع والدواب والهوام والحشرات، حتى النملة في جحرها، وحتى البعوضة في مسارها، ما تتحرك الدابة ولا تمشي خطوة إلا بأمر من الله جل وعلا، هو الذي أمر بذلك. والأدلة الخاصة تدل على ذلك، ما جاء مثلًا في الصحيحين في قصة يوشع بن نون عليه السلام، عندما أراد أن يغزو تلكم القرية من الكفار، فلما دنا من القرية قرب الغروب وكادت الشمس أن تغرب، بماذا خطبها؟ قالها: «أيتها الشمس، إنك مأمورة وأنا مأمور، اللهم حبِّسها علينا». الشاهد قوله: «إنك مأمورة»، إنك مأمورة. فهذه الشمس ما تستطيع أن تجري في فلكها ولا أن تسبح في فضائها إلا بإذن من الله عز وجل. فقال: «إنك مأمورة»، ليس ذهابك وانصرافك وغروبك بإذنك، وإنما ذلك بإذن المولى جل وعلا. وأيضًا كذلك هذا المعنى ما جاء في مسلم من حديث أبي ذر رضي الله تعالى، عن نبينا، بينما كان مع أصحابه قرب غروب الشمس، فغربت الشمس، فقال عليه الصلاة والسلام لأصحابه: «أتدرون أين تذهب هذه؟» فقلنا: الله ورسوله أعلم. فأخبر عليه الصلاة والسلام أن الشمس إذا غربت فإنها تخر تحت عرش الرحمن، تخر تحت عرش الرحمن، فلا تستفيق ولا تنهض إلا بعد أن تستأذن على الله، إلا بعد أن تستأذن على الله. فإن استأذنت فأذن لها، حينها تجري في مجراها فتطلع من مطلعها. الشاهد أن حركة الشمس، هذا الجرم الكبير العظيم، كله بأمر الله جل وعلا. وهكذا قس البهائم، وهكذا الدواب. ولهذا جاء في حديث الهجرة، لما دخل نبينا عليه الصلاة والسلام المدينة، فأرسل الناقة، فأراد الناس أن يمسكوا بزمام ناقة كل يريدها أن تأتي إلى بابه حتى يستضيف رسول الله عليه الصلاة والسلام، بماذا رد عليهم النبي؟ قال: «دعوها فإنها مأمورة»، دعوها فإنها مأمورة. فأخوة، أدلة كثيرة جدًا تدل على أن حركة السباع والدواب والبهم كل ذلك بأمر الله سبحانه وتعالى. قال: كلها مأمورةٌ لا يعملون شيئًا إلا بإذن الله تبارك وتعالى. فأرجو إخواني في الله مساء مباركة متعلقة بهذا الباب، فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.