شرح السنة للإمام البربهاري 37

شرح السنة للإمام البربهاري 37

الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 37، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

الإيمان بالقدر والرد على منكريه

يتناول الإيمان بعلم الله السابق لجميع الأشياء، ويبين أن إنكار هذه الصفة يعد كفرًا مستشهدًا بالآيات القرآنية وأقوال العلماء. يشير إلى أن القدرية أنكروا علم الله السابق وكفروا بذلك.

أحكام النكاح وشرط الولاية

يشرح شرط الولاية في النكاح، حيث يرى المؤلف أن النكاح لا يصح إلا بولي أمر المرأة مستندًا إلى أدلة من الكتاب والسنة. ينتقد انتشار الزواج بدون إذن الولي في بعض البلدان الإسلامية.

تفاصيل فقهية في النكاح والطلاق

يتناول أهمية الشهود في النكاح ووجوب المهر، ودور السلطان في حالة عدم وجود ولي للمرأة، ومسألة الطلاق الثلاث وحرمة العودة للزوج الأول إلا بعد الزواج من زوج آخر.

خاتمة بالدعاء والصلاة على النبي

يتضمن دعاء بأن ينفع الله تعالى بما قيل، والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مع التأكيد على علم الله تعالى وولايته على كل شيء.

  • 10 جمادى الأولى 1446هـ - 11/11/2024مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: والإيمان بأن الله تبارك وتعالى قد علم ما كان من أول الدهر وما لم يكن مما هو كائن، أحصاه الله وعده عدا، ومن قال إنه لا يعلم ما كان وما هو كائن فقد كفر بالله العظيم. في هذه الفقرة، إخواني في الله، عرَّج المؤلف رحمه الله تعالى على الكلام على مسألة وعلى صفة العلم، أي علم الله جل في علاه، فأخبر بأن الله جل وعلا قد علم ما كان من أول دهر وما لم يكن. فقد دل الكتاب والسنة وإجماع الأمة على إثبات هذه الصفة لله جل وعلا، قال سبحانه: ﴿والله بكل شيء عليم﴾، ﴿والله بكل شيء عليم﴾، وعلم الله شامل لأفعال العباد ولأعمال العباد، ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه، وأكد في قوله تعالى: ﴿وهو عليم بذات الصدور﴾. فعلم الله جل وعلا شامل وواسع ومحيط بكل أفعال العباد، بل لكل الكون ولكل المخلوقات، لا يعزب شيء عن علم الله جل وعلا، يعلم ما في البر والبحر سبحانه وتعالى. فقول مؤلفنا رحمه الله تعالى: «ومن قال إنه لا يعلم ما كان وما هو كائن فقد كفر بالله العظيم»، هذا بيان لبعض المخالفين ممن خالفوا أهل السنة والجماعة في إثبات صفة العلم. وجد جماعة من القدرية، وهم غلات القدرية، أنكروا صفة العلم لله جل وعلا، وكان من أقوالهم المشينة والقبيحة في هذا الباب أن قالوا: بأن الله جل وعلا لا يعلم بالأشياء إلا إذا وقعت، أي لا يعلم بها إلا بعد وقوعها، ما سيحدث لا يعلمه الله، فإن حدث شيء حينها الله يعلم به، فأنكروا علم الله السابق. وهؤلاء ومن يقول بهذا المعتقد قد كفرهم الأمة، قد كفرهم العلماء. يقول الشافعي رحمه الله تعالى: «ناظروا القدرية بالعلم»، إذا هناك رجل من أهل القدر فأردت أن تخاصمه، فناقشه في مسألة العلم، أي علم الله جل وعلا. قال: «ناظروا القدرية بالعلم، فإن أقروا به خصموا، إن أقروا به أقروا بأن الله له علم السابق»، انتهى النقاش والجدال، وضحوا ذات حجتهم. قال: «إن أقروا به خصموا، وإن أنكروه كفروا»، فإن أنكروه وقالوا: لا، بأن الله لا يعلم الأشياء قبل وقوعها، فهم قد كفروا بالله، لماذا؟ لأن الأدلة المتكاثرة المستفيضة من الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وكذلك النظر الصحيح، كل ذلك يؤدي إلى هذه المنظومة واحدة، وأن الله وأن علم الله جل وعلا سابق للأشياء. فإن جحدت القدرية جحدوا علم الله جل وعلا، فقد كفروا بالله، ولهذا سأل إمام أحمد رحمه الله تعالى: «هل يكفر القدر؟» سأل أحمد: «هل يكفر القدر؟» قال: «نعم، إذا أنكر العلم»، نعم، إذا أنكر العلم، فإذا أنكر أحد من الناس، كأي من كان، علم الله جل وعلا، فإن ماذا؟ قد كفر. ولهذا قال المؤلف رحمه الله تعالى: «ومن قال إنه لا يعلم ما كان وما هو كائن فقد كفر بالله العظيم». ومن قرأ في كتب الاعتقاد وما سطره العلماء عن مقالات المبتدعة في هذا الباب، لتمالكه العجب، ولتمالكه كذلك الانجهاش مما يسمع من جرأة هؤلاء القوم في أنهم كيف تجرؤون على هذه المسألة العظيمة فينكرون علم الله سبحانه وتعالى. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: «ولا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل وصداق قل أو كثر، ومن لم يكن له ولي فالسلطان ولي من لا ولي له». في هذه المسألة، وفي هذه الفقرة، تطرق المؤلف رحمه الله تعالى إلى مسألة وهي معدودة من المسائل الفقهية، وهي متعلقة بأمر النكاح. المؤلف رحمه الله تعالى سلك مذهب الجمهور في هذه المسألة، فقول المؤلف رحمه الله تعالى: «ولا نكاح إلا بولي»، الشرط الولاية في النكاح هو شرط الصحة، فلابد من توفر الولاية، ويتم النكاح عن طريق ولي أمر المرأة، والأدلة دلت على هذه الشرطية من الكتاب والسنة، كما في قوله تعالى: ﴿فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن﴾، وهكذا في قوله عليه الصلاة والسلام: «لا نكاح إلا بولي»، ثبت في السنن من حديث أبي موسى الأشعري. فقوله عليه الصلاة والسلام: «لا نكاح إلا بولي»، فنفى نبينا صحة النكاح وصحة العقد والزواج إلا بهذا الشرط، وهو الشرط الولاية، لا بد أن تتم مراسيم النكاح والزواج عن طريق ولي أمر المرأة. بل ما هو أصلح من ذلك ما ثبت أيضًا في المسند لإمام أحمد، وقد ذكره شيخنا مقبل رحمه الله تعالى في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل»، أي امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل، إذن ليس لها شيء من حظ الزواج، بل هو عقد مردود باطل فاسد الاعتبار وغير نافذ. وهذا مذهب جمهور العلماء، بذكر جماعة من أهل العلم أنه لا يعلم أحد من السلف من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أنهم نازعوا في هذه المسألة، أي في شرطية الولاية في النكاح. والأسف إخواني في الله، ونحن في هذه الأزمان قد عم البلاء بالترك والعمل بهذا الشرط، وخاصة بعدما تسمع من بعض الفتاوى من هنا وهنالك ممن يبطل عقد الشرطية الولاية. فذهب الكثير من أهل المجون ومن أهل الفساد إلى استغلال مثل هذه الفتاوى، ثم القيام بها، فتقع النكاح ويقع الزواج بغير إذن الولي، بل حتى بغير علمه، بغير علم الولي. ونحن في بلادنا الحمد لله، حكم العادات والأعراف هنا قائمة، لكن في بعض المدن وهي التي تنتمي إلى بعض البلدان الإسلامية، تجد أن الفساد قد دب في هذا الباب. تسمع في بعض الكليات والجامعات ممن يجتمع فيها الشباب والشابات، فيعلمون ويعرفون أن الزواج ببعض من البعض لا يمكن عن طريق أولياء الأمور، فيذهبون بالسر بعقد الزواج، فتأتي هذه البنت ويأتي ذاك الشاب، ومن الوسيط يأتي طالب من الطلاب، طالب في الصف زميل لهم، ماذا يتصدر النكاح؟ فيقول: أنا القاضي، فيعقد هذا لهذا، أنت موافقة؟ أنت موافق؟ على بركة الله، تم النكاح بين غير إذن ولي ولا استئذان ولا علم به. وهذا كله باطل، وهذا قد دب بكثرة في بعض البلدان الإسلامية، وحين لا تسأل عن الفساد، لا تسأل عن الفساد والشرع، إخواني في الله، ما ذكر وما اشترط الشرط الولاية إلا لعلمه علم الشرع بالمصالح العامة، فالمرأة قاصرة، فرب كلمات من شاب يدغدغ به عواطفها فتجنح إليه، وهو ما يريد بذلك إلا أن يتلاعب بها، لا يريد إقامة أسرة ولا إقامة عشرة، ولا يريد بذلك إقامة منزل استقرار، وإنما أراد العبث واللعب بنات المسلمين. فتزوج هذه أيام ثم يطلقها، ثم الثالثة والآخرة، ففي فصل الدراسة الأول والثاني قد تزوج عشر نسوة، تزوج عشر نسوة، وهو على هذا الباب من التماطل بالتلاعب بدين الله. لكن قام الجميع لماذا؟ بالرجوع إلى ولاية الأمور وإلى أولياء الأمور، لما تم هذا التلاعب وما تم هذا الاستهتاء والاستخفاف بعقود النكاح. فقال رحمه الله تعالى: «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل»، أما اشتراط الشهود في أمر الزواج فهي مسألة مختلفة بين العلماء، والخلاف دائر على هذا الحديث «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل»، هذه الزيادة رواه الدارقطني رحمه الله تعالى من حديث عائشة، وتم الخلاف في هذه الزيادة هل هي صحيحة؟ «وشاهدي عدل»، فمن قال بصحة الزيادة اشتراط الشهود، ومن لم يقل بصحة الزيادة كما ذهب إلى ذلك جماعة من المحدثين إلى إعلال هذه الزيادة، فيرى أن الشهود ليس شرطًا في النكاح. وإنما الشرطية تكون في أمر الولاية، أي أولياء الأمور وموافقتهم. لكن ذهب جماعة من أهل العلم إلى قول وسط، قالوا: إذا هذا النكاح كان قد أظهر واشتهر في المجتمع، وقد تم الإعلان عنه، فإن هذا يغني عن الشهود، فإن هذا يغني عن الشهود، وهذا قول وسط. لكن بعد هذا كله يتأتى بعد معرفة صحة الحديث ودرجة الحديث، وخاصة تلكم الزيادة «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل»، فالمسألة الفقهية قائمة على العلة الحديثية لهذا الحديث. قال: «وصداق»، والمهر ما واجب، وقد جاءت الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة، بل وقد ذكر العلماء إجماع على وجوب المهر في النكاح. قال رحمه الله تعالى: «قل أو كثر»، هذا النكاح ليس له مقدار معين، فأكثره ليس له حد، وأقله كذلك ليس له حد، فعلى الصحيح كل ما كان مالًا وسمي مالًا، فإن ماذا؟ يجوز أن يبذل لعقد النكاح يبذل كمهر وكصداق، بل على القول الصحيح حتى المنافع، حتى المنافع ماذا؟ تنفع أن تكون ماذا؟ مهرًا. قال: «ومن لم يكن له ولي فالسلطان ولي من لا ولي له»، أي إذا وجد وإذا عثر على امرأة ليس لها ولي، مثال ما يقع في بعض الحروب في بعض البلاد، امرأة تخرج بنفسها، يموت أهلها، لا يبقى أحد من أسرتها ولا من عصبتها، لا من إخوانها ولا أعمامها، فتبقى وحيدة فريدة، فهذه تريد أن تتزوج، فأن لها الزواج وليس لها ولاية. فهنالك يقوم السلطان بمحل الولاية، يقوم السلطان بمحل الولاية، فالسلطان ومن ينوبه من الولاة، وكذلك يدخل في ذلك من يوكلهم كالقضاء، فإن ماذا؟ يقومون بمحل الولاية، فيعقدون لهذه المرأة لمن تريد، لكن هذا متى؟ إذا لم تكن هناك لها ولاية، كمثل ما ذكرنا من المسائل. فقال عليه الصلاة والسلام: «والسلطان ولي من لا ولي له»، السلطان ولي من لا ولي له. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: «وإذا طلق الرجل امرأته ثلاثة فقد حرمت عليه، ولا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره». هذه المسألة، أخواني، تبع المسألة السابقة الأولى في موضوع النكاح، وهذه في موضوع الطلاق، والمؤلف رحمه الله تعالى أقحم وذكر هذه المسائل في هذا المتن، إما للدلالة على أهمية هذه المسائل، وأراد المؤلف رحمه الله تعالى من الناس جميعًا أن يتنبه لقضايا النكاح ولقضايا الطلاق، وأنها من المسائل المحتاجة إلى التأمل وإلى كذلك إلى عناية وإلى رعاية وعدم إهمال. وكذلك يحمل صنع المؤلف رحمه الله تعالى على أنه أراد أن يبين أن هذه الرسالة المعنونة والموسومة باسم السنة، أراد أنها رسالة عامة، لأن لفظ السنة كما ذكرنا في الدروس الأول، أن السنة تأتي باسم الدين، تأتي باسم الدين، فالسنة هي ماذا؟ اسم يطلق على الدين كله، يدخل فيه الاعتقاد ويدخل فيه الأعمال والأخلاق والسلوكيات والمعاملات، كل ذلك يدخل في السنة. فالمؤلف رحمه الله تعالى يذكر تارة مسائل متعلقة بالاعتقادات، وتارة متعلقة بالمعاملات، وتارة متعلقة بالمنهاج والسلوك، وذلك لكي يعرف الناس على أن السنة هذا أمرها، وأن أمرها واسع يدخل فيه جميع الدين. فذكر رحمه الله تعالى مثل هذه المسألة، وهذه المسألة واضحة، قد جاء القرآن بذكرها، وهو أن الرجل إذا طلق زوجته ثلاثة، وهو ما يسمى بالبينونة الكبرى، فإنها أي للزوجة المطلقة ثلاثة، فإنها لا تحل ولا ترجع لزوجها الأول إلا بعدما أن تنكح زوجًا غيره. إلا بعدما أن تنكح زوجًا غيره، كما دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع. فهذه إخواني فيها مسائل سريعة، وإلا أصلها محلها في كتب الفقه والتفصيل فيها في ذاك الباب، لكن هنا إخواني فيها إشارة سريعة إلى فحوى الموضوع وإلى مضمون هذه الفقرات. فأسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.