الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 40، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح المقطع مفهوم القصاص يوم القيامة بين جميع الخلق، حيث يؤخذ الحقوق لأصحابها حتى بين الحيوانات غير المكلفة. يظهر ذلك كمال عدل الله تعالى في معاملة المظالم بين الناس.
يُنبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى خطورة الاعتداء على حقوق المسلمين، حيث يُحاسب من يعتدي على أموال أو أعراض أو أنفس الآخرين يوم القيامة. يُشدّد على أن الاعتداء على الممتلكات العامة أعظم من الاعتداء على الممتلكات الخاصة.
يُحذّر من خطورة الاعتداء على حقوق العباد، ويبين أن من يعتدي على الآخرين سيُحاسب يوم القيامة، حتى لو كان من أهل الجنة. يُشدد على أهمية تجنب الفتن والتحلل من حقوق الناس في الدنيا.
المقطع يتضمن دعاءً بأن ينفع الله تعالى بما قيل، ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر الختام تواضعًا واعترافًا بقدرة الله تعالى.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: والإيمان بالقصاص يوم القيامة بين الخلق كلهم، بني آدم والسباع والهوام، حتى للذرة من الذرة، حتى يأخذ الله عز وجل لبعضهم من بعض، لأهل الجنة من أهل النار، وأهل النار من أهل الجنة، وأهل الجنة بعضهم من بعض، وأهل النار بعضهم من بعض. أورد رحمه الله تعالى هذه الفقرة بعد كلامه على مسائل متعلقة بالحساب والبعث والنشور، ناسب أن يذكر ما يتعلق بأمر القصاص، فقال رحمه الله تعالى: والإيمان بالقصاص. وقد قال العلماء، كما عرف ذلك الجرجاني رحمه الله تعالى في كتابه التعريفات: القصاص هو أن يفعل بالفاعل مثل ما فعل، وهذا هو القصاص. والأدلة كثيرة تدل على هذا المبدأ، وعلى هذه العقيدة، عقيدة القصاص، وأن الله جل وعلا يقتص العباد بعضهم بين بعض. وليس هذا خاص بالخلق، بل كما قال المؤلف رحمه الله تعالى: يعم ذلك حتى الدواب والسباع والهوام. فقد ثبت في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: لتؤدن الحقوق إلى أهلها، حتى يقاد للشاة الجلحة من الشاة القرناء. ما يتعلق بمعشر الحيوانات وعالم الحيوانات، هناك حي مفترس وهناك حيوان أليف، لو ربما يقع اعتداء من المفترس على الأليف، فيوم القيامة يأتي القصاص. إذ أن الله جل وعلا يمكن لهذا الأليف أن يقتص من المفترس ومن المتوحش. فإذا كان هذا في حق الحيوان الذي غير مكلف في الدنيا، فما بالك بمن هو أكبر منه أعظم، كبني آدم، فإخوان في الله، فأمر القصاص من الأمور العظيمة في هذه الملة، وبه كما يقول العلماء: يظهر كمال عدل الله جل وعلا. يظهر كمال عدل الله جل وعلا، إذ أن الله جل وعلا ينصف للمظلوم، كائنا من كان، حتى أشاء المؤلف رحمه الله تعالى: حتى أن الناس من أهل النار يختصون من أهل الجنة. يعني قد يكون الرجل هنا مؤمن، قد آذى بعض الناس مما لا خلاق له، لكن تعدى بظلم، فهذه مظلمة لابد أنك يا عبد الله تصفى من هذه المظلمة. حتى أهل إيمان، مؤمن مع مؤمن، وقع شيء من أمور الدنيا فيما بينهم من مظالم، فإنهم يوم القيامة، قبل أن يدخلوا الجنة، فإن كل واحد منهم كمن يسمي يصف حسابه مع الآخر: أنت ظلمتني في كذا، وأنا أطالبك بتلك المظلمة، فيقتص كل منهم من الآخر. وبعد ذلك إذا هذبوا، وإذا نقوا، وإذا تصافوا، وكل أخذ حسابه من الآخر، حينها يدخلون الجنة. والعل في ذلك لأن أهل الجنة لا ينبغي أن يدخل فيها من كانت عنده مظلمة، لأن الجنة دار الطيبين، الجنة دار الطيبين، ما ينبغي أن يدخلها من تلبس بمظلمة أو تحمل بمظلمة، بل قبل الدخول إلى الجنة تصفى المظالم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: والإيمان بالقصاص يوم القيامة بين الخلق كلهم، بني آدم والسباع والهوام، حتى للذرة من الذرة. الذرة هو الشيء الذي أكاد لا يرى، أو الحشرة الصغيرة، وسميها بالنملة، وما كان في نحوها من الصغر. فإن الله يقتص من هذا لهذا، وهذا لذاك، وهذا من كمال عدل الله جل وعلا. قال: حتى يأخذ الله عز وجل لبعضهم من بعض، لأهل الجنة من أهل النار، وأهل النار من أهل الجنة، وأهل الجنة بعضهم من بعض. وفي هذا إخوان في الله مسألة لعظم الحقوق، ولعظم أمر الحقوق، وأنها من المسائل التي لا يشملها العفو، بل لابد من الاقتصاص. بعض الناس من بعضهم لبعض، ولهذا قد ذكر العلماء هذه القاعدة المعروفة: أن حقوق الناس مبنية على المشاحة، حقوق العباد مبنية على المشاحة، لأن الإنسان شحيح في حقه، لا يتنازل ولا يعفو، بل لابد أن يستوفي حقه. فإلى أسف إخواني في الله، في هذه الأزمان خاصة، وما نراه وما نسمعه في كثير من البلدان، وخاصة في العالم الإسلامي، من تلك الفتن التي من أشهرها الاعتداء المسلم على المسلم، اعتداء في الأموال، اعتداء في الأعراض، اعتداء في الأنفس، هذه مظالم، هذه مظالم، الكل سيقتص من الآخر. لن تذهب هباء منثورا، يقول عليه الصلاة والسلام: إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا. الدم المسلم محرم، وما المسلم محرم، وعرض المسلم محرم، لا يجوز لأحد أن يتعدى هذه الحقوق الخاصة لكل مسلم. فلا تأتي للأموال فتسلبها، أو تأتي للأعراض فتنتهكها، أو تأتي للأرواح فتسفكها وتزهق دماءها، كل ذلك مما حرمه الله جل وعلا. ومن تعدى، ومن سوت له نفسه أن يتعدى على حقوق المسلمين، فإنه يوم القيامة يستعد للقصاص. قال عليه الصلاة والسلام: أتدرون من المفلس؟ قلنا: يا رسول الله، المفلس فينا من لا دينار له ولا درهم. فقال عليه الصلاة والسلام: المفلس يوم القيامة من يأتي بصلاة وصيام وزكاة، إلا أنه ضرب هذا، وشتم هذا، وسفك دم هذا، وأخذ مال هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته. انظر إخواني في الله إلى حال هذا المسلم، يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، عمر الدنيا بطاعة الله جل وعلا، لكن مشكلته أنه تعدى إلى حقوق العباد، اعتدى على حقوق المسلمين، فاعتدى على أنفسهم، كما في قوله عليه الصلاة والسلام: ضرب هذا، وفي لفظه: سفك دم هذا، هذا اعتدى على الأنفس. وكذلك اعتدى على أموالهم، كما أشار في ذلك النبي، وقال: وأخذ مال هذا. وأيضا اعتدى على الأعراض، وهذا جاء في قوله عليه الصلاة والسلام: شتم هذا، وقذف هذا. إذن هذا الرجل تعدى على حقوق المسلمين، إما أنه تعدى على أبدانهم وأرواحهم، وإما أنه تعدى على أموالهم، وإما أنه تعدى على أعراضهم. إذن هو تعدى حقوق المسلمين، ما حيلته؟ أمره أنه يقتص منه، فيأمر ربنا جل وعلا من الغرماء ومن الخصماء ممن ظلمهم هذا الرجل، أن تأخذ من حسناته تلك من العبادات والطاعات الذي صابر عليها وثابر عليها في دنياه، تأخذ وتذهب إلى غرمائه. ذاك يأخذ كمية من حسناته، وآخر كمية من حسناته، على قدر مظلمته، يأخذون ويأخذون ويأخذون، ثم تأتي مشكلة أخرى، وهي أن هذا المسلم الذي عمر دنياه بتلك من العبادات، أن الحسنات قد فنيت، فنيت حسناته، ولم يقف الأمر إلى هذا الحد. لماذا؟ لأن الغرماء كثر، بقي غرماء، بقي خصماء، المشكلة أن إخوانا فيه أن بعض الناس لربما لا يصل عدوانه إلى أحد المسلمين، بل تصل مظالمه إلى مجتمعات المسلمين، كما نرى في هذا الأزمان، تخريب، تخريب الممتلكات العامة. الواحد إخوانا فيه للأسف لربما قد لا يتجاسر على سرقة مال لشخص معين، لا يتجاسر، لكن في المصالح العامة والممتلكات العامة يراها سهلة. معنى أيهم أعظم عند الله؟ الممتلكات العامة أعظم، الممتلكات العامة أعظم من سرقة المال الخاص. لأن المال الخاص من هذا المحل ومن ذاك الدكان، هذا مال يرجع لفرد، وأما الممتلكات العامة ترجع لمن؟ ترجع لشعب، ترجع لشعب، ترجع لمجتمع بأكمله، إذن كل الشعب سيطالبك، تخريب الشوارع أو الإنارات أو المصالح العامة، الكل سيطالبك بالقصاص منها، فأمرك أعظم. ولهذا إخواني في الله كان الغلول أعظم أنواع السرقة، معنى الغلول هو من جنس السرقة، لكن لماذا عظمت جريمة الغلول؟ لأن الغلول هو أخذ من مال العام، أخذ من مال العام. فالشاهد إخواني في الله أن من المسلمين من يصل عدوانه إلى الكثير والكثير. كما نعرف في هذه الأزمان ممن يخرجون في الشغب والصخب في تلكم التجمعات التي ماذا يراد منها؟ الفتن، فإذا خرجوا تناولوا بأيديهم إما بضرب وإما بقذف وإما برمي، فأسالوا الدماء وكسروا العظام وأصابوا من أصاب المسلمين، أو متدت أيديهم كذلك إلى المحلات والدكاكين وخربوا الطرقات والشوارع وهلم جراء. أو أنهم سبوا وشتموا ولعنوا وقذفوا في أعراض المسلمين، تأتي ماذا؟ يأتي من الخصماء، هذه الأشياء التي فعلت في الدنيا واستصاغها أهلها، هذه لن تذهب سودا، لن تذهب، لن حقوق العباد يجمعها الله جل وعلا حتى تأتي يوم القيامة. فما تظن إلا بطابور عظيم من المسلمين من هؤلاء؟ هؤلاء غرماءك، ضربت هذا، سببت هذا، شتمت هذا، أخذت مال هذا، كسرت محل هذا، شعبك أكمله تأذى من عباراتك الفجة، من سلوكياتك المنحرفة، من تخريبك الممتلكات العامة، كل هؤلاء على مد البصر غرماءك، خصماءك، كيف ستقتص منهم؟ ما عندك إلا الحسنات الذي جئت بها، في حين توزع الحسنات الذي عندك إلى الناس، الآن تأتي المشكلة كما قلنا: إذا فنيت الحسنات وبقي الناس لازالوا يطالبونك، حين تنعكس الأمر، هؤلاء من كان عندهم سيئات، فيأخذها من ظهره ويجعلها في ظهرك، ويجعلها في ظهرك. حتى إذا انتهى الغرماء وأنت قد تحملت تلك المضائم العظيمة، قال عليه الصلاة والسلام: فيلقى به في النار، ويبئس القرار، دخل أرض المحشر بحسنات، فخرج ماذا؟ بسيئات، لماذا إخواني في الله؟ هذا الموذج وتنبيه من نبينا عليه الصلاة والسلام في حق أناس نعمهم أدوا حق الله، حق الله قد أدى، صلاة، صيام، زكاة، أدى حق الله، لكنه لم يؤدي حق العباد. فظلم، شتم هذا، ضرب هذا، أخذ مال هذا، فكان من أمره ما سمعتم، إخواني في هذا الحديث أن ألقي في النار. فينبغي للمسلم أن يتق الله جل وعلا، وليعلم أن أمر القصاص من الأمور العظيمة. ولهذا إن كنت يا عبد الله لا تريد أن تحرج أو لا أن تكون من أمثال هؤلاء المفلسين، فما عليك إلا بأمرين اثنين. أولا: أنك بعد هذا لا تدخل في شيء من الفتن، ابتعد عنه، إن أردت السلامة، إن أردت يا عبد الله السلامة، ابتعد من الفتن، دع الناس وما هم فيه من موج ومن فتن وبلا، دعهم، لا تقحم نفسك، لا تشغل نفسك، سمعت بذلك بتجمعات، سمعت بذلك النداءات والهتافات وحمل الرايات، لا تشارك. تعلم أن هذه من ورائها فتن، وأن الفتن ستأخذك يا عبد الله وتجعلك تتحقم حقوق المسلمين، تطعم في الأعراض، تطعم في الأموال، أو تسفك للدماء. فالخير كل الخير، وإن ابتليت، وهذا الأمر الثاني، وإن ابتليت بشيء من ذلك، فعليك أن تتحلل من الآن، تتحلل في هذه الدنيا. ابتلاك الله مثل تلكم التجمعات، ابتلاك الله بدماء المسلمين، تحلل، تحلل من هذه الدماء، ابتلاك الله بشيء من أموال الناس، تحلل منها، من الآن تتحلل يا عبد الله من حقوق الناس، من الدنيا، إن كان موجود، فهم بموجود، إن لم تجد، تأتي لأهل الشأن، تستأذن منهم، تطلب العفو والمسامحة منهم. فإن عفو، كان بها ونعمة، إن أرادوا حقهم، فهو في ذمتك، عليك أن توفيه، لكن لا هذا ولا ذاك، لأنك ابتعدت عن الفتن، ولأنك وفيت الناس حقهم. فإن هذه الظلمات ستأتيك يوم القيامة، والظلم ظلمات يوم القيامة. فهذه المسائل المهمة، وناسب المؤلف رحمه الله تعالى أن يذكر أمر القصاص، وأن الله جل وعلا سيقتص العباد بعضهم من بعض، ولو كانوا من أهل الجنة. انظروا، وهذا من أهل الجنة، وهذا من أهل الجنة، لكن هذا اعتدى على هذا، يبقى القصاص بينهم، يبقى القصاص بينهم. فإنهم كما قلنا لا تدخل النفس إلى الجنان إلا هي نفس طيبة، لأن الجنة دار الطيبين. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.