الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 39، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
ذكر المؤلف أن بعض المخلوقات لا تفنى، مثل الجنة والنار والعرش والكرسي واللوح والقلم والصور. استدل على ذلك بمذهب أهل السنة والجماعة الذين يؤمنون ببقاء هذه المخلوقات إلى الأبد.
البعث يوم القيامة هو أحد أركان الدين، والإنسان يبعث على الحالة التي مات عليها. ثم يأتي الحساب الذي يتفاوت فيه الناس، فمنهم من يدخل الجنة بلا حساب ولا عذاب، ومنهم من يحاسب حسابا يسيرا أو شديدا.
الناس إما إلى الجنة وإما إلى النار، والجن العصاة يستحقون النار. الخلاف قائم حول دخول الجن الصالح الجنة، بينما الدواب والبهائم والطيور تصير ترابا في الآخرة.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال مؤلف رحمه الله تعالى: وكل شيء مما أوجب الله عليه الفناء يفنى إلا الجنة والنار والعرش والكرسي واللوح والقلم والصور، ليس يفنى شيء من هذا أبدا، ثم يبعث الله الخلق على ما مات عليه يوم القيامة فيحاسبهم بما شاء، فريق في الجنة وفريق في السعير، ويقول لسائر الخلق ممن لم يخلق للبقاء كونوا ترابا. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الفقرة وهذه المسألة فيما يتعلق بمسائل اعتقاد وما يتعلق باليوم الآخر، فقال رحمه الله تعالى: وكل شيء مما أوجب الله عليه الفناء يفنى. الأصل أن المخلوقات معرضة للفناء والزوال، كما قال جل في علاه: ﴿كل من عليها فان﴾. فلا أحد يبقى مخلدا في هذه الدار، وكذلك ليس أحد يبقى للخلود. إلى أن المؤلف رحمه الله تعالى في هذه الفقرة استثنى بعض الأشياء، فقال: وكل شيء مما أوجب الله عليه الفناء يفنى إلا الجنة والنار، أي أن الجنة والنار لا تفنيان. وقد مر إخواني، فلا تذكرون في دروس قديمة وقريبة ما يتعلق بمحث الجنة والنار وأنهما لا تفنيان وأنهما باقيتان. قال: والعرش، وهو عرش الرب جل في علاه، كذلك هذا لا يفنى ولا يبيد. قال: والكرسي، والكرسي دون العرش، الكرسي دون العرش، مع أن الكرسي دون العرش إلا أن الله جل وعلا قال في وصف الكرسي: ﴿وسع كرسيه السماوات والأرض﴾، الكرسي وسع السماوات والأرض، فما بالك بالعرش. قال: والكرسي واللوح، أي اللوح المحفوظ. قال: والقلم، وهو الذي خلقه الله جل وعلا لكتابة المقادير. قال: والصور، وهو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل عليه السلام. هذه الأشياء قال المؤلف رحمه الله تعالى في حقها: ليس يفنى شيء من هذا أبدا، أي هذه الأشياء المذكورات السبع ها هنا هذه غير معرضة للزوال ولا للفناء؛ لأن الله جل وعلا خلقها للبقاء، خلقها الله جل وعلا للبقاء. وعلى هذا مذهب أهل السنة والجماعة، سئل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في مجموع الفتاوى في المجلد الثامن عشر، قال رحمه الله تعالى: وقد سئل عن حديث -وهو قوله عليه الصلاة والسلام- «سبعة لا تموت ولا تفنى ولا تذوق الفناء»، ثم ذكر النار وسكانها واللوح والقلم والكرسي والعرش، فأجاب شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أن هذا المذكور لم يصح عن نبينا مرفوعا عليه الصلاة والسلام، وإنما جاء من أقوال العلماء من أقوال أهل العلم. ثم قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى معلقا على هذا الكلام: وهو أن هذه الأشياء لا تفنى ولا تبيد وليس في معرض الفناء. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة والجماعة على أن من المخلوقات ما لا يعدم ولا يفنى بالكلية، لا يعدم ولا يفنى أبدا بل يبقى، لا يعدم ولا يفنى بالكلية، قال: كالجنة والنار والعرش وغير ذلك. ولم يقل بفناء جميع المخلوقات إلا طائفة من أهل الكلام المبتدعين كالجهم بن صفوان ومن وافقه من المعتزلة، وهذا قول باطل، أي قول من يقول بأن جميع المخلوقات معرضة للفناء، هذا ليس بصواب، ليس بصواب، بل إن من المخلوقات من استثناها الدليل على أنها لا تفنى وليست قابلة للفناء بل هي باقية. قال شيخ الإسلام: وهذا قول باطل يخالف كتاب الله وسنة رسوله وإجماع سلف الأمة وأئمتها، فدل ومن كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعرف أن الكتاب والسنة والإجماع قد ماذا قد استثنوا بأن هناك من المخلوقات ما لا يفنى ولا يبيد، كما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في حق هذه الأشياء السبعة: الجنة والنار واللوح والقلم والصور والكرسي والعرش. وبعض العلماء من أتى بأبيات شعرية جمع هذه الأشياء، كما فعل ذلك الإمام السيوطي رحمه الله تعالى، حيث قال: ثمانية حكم البقاء يعمها من الخلق، والباقون في حيز العدم. أي هو ذكر ثمانية، طبعا في بعض الأشياء هي موضع اجتهاد، في بعض الأشياء هي موضع اجتهاد، منهم من يزيد، منهم من ينقص، فكل يدور على الدليل. قال السيوطي رحمه الله: ثمانية حكم البقاء يعمها من الخلق والباقون في حيز العدم، هو العرش والكرسي والنار والجنة وعجب، أي عجب ذنب الزنب، وهو آخر شيء في ظهر بني آدم، فإن هذا يبقى، وسمه العجب، عجب الذنب أو عجب الزنب، قال: وعجب وأرواح، كذلك اللوح والقلم. وهكذا كلام أحمد رحمه الله تعالى، استدل بعض المخلوقات كالحور العين أنها لا تفنى. المهم في مسائل اختلف فيها العلماء في ضبطها، لكن بالعموم أنه لم يقل أحد من أهل السنة والجماعة بأن جميع المخلوقات معرضة للفناء، هذا الأصل، الأصل أن كل شيء معرض للفناء إلا ما استثناه الدليل، كما سمعتم كهذه الأشياء، العلة لأن الله إنما خلقها للبقاء، خلقها ربنا جل وعلا للبقاء، فهي ليست معرضة للفناء. هذا قوله رحمه الله تعالى: ليس يفنى شيء من هذا أبدا، وكما قلت قوله مؤيد من الكتاب والسنة وإجماع الأمة. قال: ثم يبعث الله الخلق على ما ماتوا عليه، الأمر بعث من مسائل الاعتقاد وهي من أركان الدين، ومن لم يؤمن بهذا المعتقد بأن الله يبعث الأجساد بعد موتها فهذا كافر بالله، من أنكر البعث فقد كفر. قال ربنا جل في علاه: ﴿زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا﴾، فمن زعم الكفار عدم الإيمان بالبعث، فمن كان على مذهبهم من إنكار البعث فقد كفر بالله جل وعلا. قال: ثم يبعث الله الخلق على ما ماتوا عليه، على ما ماتوا عليه. ومن القيامة والأدلة العامة والخاصة تؤيد هذه الفقرة أن الإنسان يبعث على ما مات عليه، كما جاء ذلك في صحيح مسلم من حديث جابر رضي الله تعالى عنه، قال عليه الصلاة والسلام: «يبعث كل عبد على ما مات عليه»، يبعث كل عبد على ما مات عليه. فالعباد يبعثون يوم القيامة على حالتهم التي ماتوا عليها، إن طاع فطاع، وإن عاص فعاص والعياذ بالله. والأدلة الخاصة، أي ذلك كذلك الذي قصته ناقة فسقط فماذا، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا، يبعث يوم القيامة ملبيا؛ لأنه مات على هذه الحالة. وهكذا الشهيد، فإنه يبعث ماذا وهو يسيل دما؛ لأنه مات على هذه الحالة، وهذا دليل على إكرام الله جل وعلا للشهداء، فشاهد أن من مات على شيء يبعث عليه يوم القيامة. قال: ثم يبعث الله الخلق على ما مات عليه يوم القيامة فيحاسبهم بما شاء. ثم بعد البعث يأتي الحساب، والناس إخوان في الله في باب الحساب يتفاوتون تفاوتا عظيما، فمن الناس من يدخل الجنة، ومن يبعثه الله جل وعلا يوم القيامة فلا يحاسبه ولا يعذبه، يعافيه الله من الحساب ويعافيه الله من العذاب والعقاب، كما في حديث الذين ماذا يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب، يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب. ومن الناس من يحاسبهم الله حسابا يسيرا، وهذا يكون في العرض في حالة العرض، ومن الناس من يحاسبهم الله حسابا شديدا، وذلك في حق من يناقش الحساب، كما قال عليه الصلاة والسلام: «من نوقش الحساب فقد عذب»، من نوقش الحساب فقد عذب. فالناس إخوان في الله يتحاسبون وأمرهم إلى الله جل وعلا. قال: فيحاسبهم بما شاء فريق في الجنة وفريق في السعير، هذه مآل ماذا البشرية، إما إلى الجنة وإما إلى النار. هل هذا خاص ببني البشر أم يدخل في ذلك صنف الجن والجان، ما يتعلق بالجان وأمر الجان العصاة منهم ومن ارتد أو كفر أو عصى وطغى وبغى في دنياه، فإن معشر الجن العصاة فإنهم وجبت لهم في حقهم النار، أي يستحقون النار. الجان ومعشر الجن يستحقون النار ويدخلون النار إذا فعلوا أعمال أهل النار ولم يغفر لهم، فإنهم ماذا تستوجب في حقهم النار. والأدلة الخاصة والعامة تدل على ذلك، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿أدخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار﴾، فأدخل ربنا جل وعلا أمما من الإنس والجن في النار، فالجان معرض لماذا للنار. لكن بقي الخلاف بين العلماء، هل الجن من أهل الصلاح يدخلون الجنة؟ الأصل الإنس يدخل الجنة والنار، أما الجان يدخل النار إن استحق يدخل هذا بالإجماع، بالإجماع لا خلاف في ذلك، لدلات النصوص، الكتاب والسنة دلت على أن الجان إن استحق نارا يدخل في النار. بقي الجن الصالح، هل يدخل الجنة أو لا يدخل الجنة؟ تم الخلاف بين العلماء في هذه المسألة، من أهل العلم من يرى أن الجن أنه إن فاز في الآخرة فإنه يفوز بعدم دخول النار، إن كان من أهل الصلاح والاستقامة، من نعمة الله عليه أنه لا يدخل النار، أما الجنة لا يدخلها، إنما يعدم ويفنى، وليس له ماذا نصيب من الجنة. واستدل من استدل بهذه الآية بقوله تعالى: ﴿وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروا قالوا أنصتوا﴾ إلى آخر الآيات، ثم قال في قول أهل الإيمان: ﴿يجرنا﴾. ﴿وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروا قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم﴾. فذكر صاحب الوفد من الجن ذكر قومهم بأنه إن استقمنا على دين الله أجرنا من عذاب أليم، فما ذكر الجنة، ما ذكر الجنة، إنما نجير ونبعد عن عذاب الله. فاستدل ما يستدل من أهل العلم بهذه الآية على أن من نعمة الله على الجن الصالح والمستقيم أنه لا يدخل النار، وإنما ماذا يبعد عن النار. ولكن ذهب طائفة ومن ذهب كثير من العلماء على أن الجن لهم نصيب كما نصيب الإنس، أنهم إن كانوا على صلاح وإن كانوا على التقوى فإنهم يبعدون من النار ويدخلون الجنة، ويدخلون الجنة، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾، والخطاب للإنس والجن. فأشهد إخواني في الله أن في النصوص عامة وهذا الصحيح عن الإنس والجن على حد سواء، من كان من طاعة الله من أهل الطاعة فإنه ماذا يدخل الجنان، ومن كان من أهل المعصية ومن أهل الضلال فإن حقه أن ماذا يعذب في النيران. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: ويقول لسائر الخلق ممن لم يخلق للبقاء كونوا ترابا. كونوا ترابا، وقوله عن سائر الخلق، أي من الدواب والبهائم والطيور، فإن هذه حقها أمال أن تعدم، لا هي إلى الجنة ولا هي إلى النار، وإنما يجعلها ربنا جل وعلا ترابا. وقد جاءت آثار كثيرة عن الصحابة، فمن ذلك ما أثر عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، رأوه عنه عبد بن حميد، وكذلك من أبي حاتم، وجماعة من أهل العلم عن أبي هريرة: أن الله جل وعلا يقول للخلائق من الطير والدواب والبهائم كونوا ترابا، كونوا ترابا. فهذه مصير الخلائق، فالجن والإنس إما إلى الجنة وإما إلى النار على قدر أعمالهم، وأما الكائنات والمخلوقات من الدواب والبهائم فهذه تصير ترابا. إلى هنا إخواني في الله، وأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.