الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 46، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يؤمن أهل السنة والجماعة بحادثة الإسراء والمعراج، وهي رحلة النبي من المسجد الحرام إلى بيت المقدس ثم إلى السماء. يجب التسليم بهذه الحادثة الغيبية دون معارضة العقل.
ناقش المقطع حادثة الإسراء والمعراج، موضحًا أنها حدثت يقظة وليس منامًا، وأن النبي ذهب بذاته بروحه وجسده. اختلف العلماء حول كيفية الإسراء والمعراج.
المقطع تناول موضوع توقيت حادثة الإسراء والمعراج وعدم وجود دليل صريح على تاريخها، ويحذر من الاحتفال بها كبدعة لم تثبت عن النبي أو صحابته.
المقطع يتضمن الدعاء بأن ينفع الله تعالى بما قيل، والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويُنهي بالقول بأن الله تعالى أعلم.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. قال المؤلف رحمه الله تعالى: والإيمان بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسري به إلى السماء، وصار إلى العرش، وكلم الله تبارك وتعالى، ودخل الجنة، واطلع إلى النار، ورأى الملائكة، وسمع كلام الله عز وجل، ونشرت له الأنبياء، ورأى سرادقات العرش والكرسي، وجميع ما في السماوات وما في الآراضين في اليقظة، حمله جبريل على البوراق حتى أداره في السماوات، وفرضت له الصلاة في تلك الليلة، ورجع إلى مكة في تلك الليلة، وذلك قبل الهجرة. أورد المؤلف رحمه الله تعالى في هذه الفقرة ما يتعلق بعقيدة أهل السنة والجماعة فيما يسمى بحادثة الإسراء والمعراج. وخلاصة هذا المبحث، إخواني في الله، فإن أهل السنة والجماعة يؤمنون ويثبتون هذه الحادثة، وهذه الواقعة بأن نبينا صلوات ربي وسلامه عليه قد أسري من المسجد الحرام إلى بيت المقدس، ومن ثم عرج من بيت المقدس إلى السماء. وقد جاءت الأدلة الكثيرة على ذلك، كقوله جل في علاه: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى﴾. والأدلة كذلك من السنة كثيرة مستفيضة، فيها بيان ما وقع لرسوله من هذه الواقعة، وكذلك في شيء من تفاصيلها. وفي المؤمن، إخواني في الله، يؤمن بهذا. المؤمن يؤمن بهذه الحادثة، ولا يجوز ولا ينبغي أن يكابروا هذه الأدلة الشرعية. بحجة أن هذه الحادثة مما لا يستوعبها العقل، بعض المعاصرين من العلمانيين والعقلانيين ومن اللادينيين الذين أقحموا عقولهم في دين الله عز وجل يردون هذه الحادثة، وهذه الواقعة، ولا يؤمنون ولا يعتقدون بأن رسول الله أعرج به إلى السماء، خاصة بحجة أن لا يمكن للبشر أن يصل إلى السماء من غير أكسوجين. ويقال إخواني في الله: هذا لا يقاس بالعقل، أمور الغيب لا يقاس بالعقل، ليس العقل فيها بنصيب ولا مدخل، وإنما هو التسليم والاستسلام لله سبحانه وتعالى. فالأمور الغيبية يحق للمسلم أن يسلم لها. ولهذا يقول المروزي رحمه الله تعالى، كما في رسالة «لمعة الاعتقاد»، مبينًا هذه العقيدة، وخاصة في هذه المسألة التي بين أيدينا، يقول رحمه الله تعالى: «ويجب الإيمان بكل ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصح به النقل، سواء شيء قد شهدناه أو شيء غاب عنا، أو أعيننا، أو ذواتنا، فهذا حقه التصديق». قال: «فيما شهدناه أو غاب عنا نعلم أنه حق وصدق، وسواء في ذلك ما عقلناه وجهلنا، ولم نطلع على حقيقة معناه، مثل حديث الإسراء والمعراج». فأبان رحمه الله تعالى الموقف الحق الذي عليه أهل السنة والجماعة، أن مثل هذه الوقائع والحادثة علينا التسليم، وأن نؤمن بها، وأن ذلك حق وصدق. قال مؤلفنا رحمه الله تعالى: والإيمان بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسري به إلى السماء، وصار إلى العرش، أي بلغ إلى هذا الحد. وثبت في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «ثم انطلق بي جبريل حتى انتهى بي إلى سدرة المنتهى». قال: وكلم الله تبارك وتعالى. والسياق في هذا، فيما تعلق بفرضية الصلاة ونحوها. قال: ودخل الجنة، كما جاء في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: «ثم دخلت الجنة». قال: واطلع إلى النار، كذلك نبينا في هذه الحادثة، وفي هذه الرحلة العظيمة، أطلعه ربنا جل وعلا على أحوال أهل النار، وما يفعل بهم، وما ينكل بهم، وما يعذبون به من الأفعال التي فعلوها في دنياهم. قال: ورأى الملائكة، كذلك في عروجه إلى السماء، وجد في كل سماء يمر بها مجموعة من الملائكة. قال: وسمع كلام الله عز وجل. ونشرت له الأنبياء، وذلك عندما صلى بهم في بيت المقدس، حيث صفوا خلفه عليه الصلاة والسلام، فنشرت له، فصلى بهم، تكرمًا لأهل نبينا عليه الصلاة والسلام. قال: ورأى سرادقات العرش والكرسي. سرادقات، قال ابن الأثير رحمه الله تعالى: «أن السرادق بمعنى هو كل ما أحاط بالشيء». قال: ورأى سرادقات العرش والكرسي، وجميع ما في السماوات وما في الأراضين في اليقظة. وهذا الذي وقع لنبينا عليه الصلاة والسلام من إسرائه إلى بيت المقدس، ومن ثم إلى العروج إلى السماء، كان ذلك يقظة. وقبل اليقظة، مسألة اختلف فيها العلماء: هل كانت هذه الحادثة وقعت لنبينا بروحه أم بروحه وجسده؟ على الصحيح من أقوال العلماء: أن ذلك تم بروحه وجسده، تم بروحه بكيانه بذاته عليه الصلاة والسلام، بنفسه هو الذي ذهب إلى بيت المقدس، وهو الذي ذهب وعرج به إلى السماء، بماذا؟ بنفسه، بلحمه وشحمه، كما يقال. فليس هناك الروح فقط، بل بالروح والجسد. وأعظم دليل يدل على أن نبينا ذهب بذاته، ما جاء في قوله تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده﴾. قال علماء التفسير: لفظ العبد يطلق على مجموع الأمرين، على الروح وعلى البدن. العبد يطلق على الروح وعلى البدن، فنبينا أعرج بجسده وبدنه مع روحه عليه الصلاة والسلام. ثم تأتي المسألة الثانية: هل كان ذلك منامًا أم يقظة؟ بل كان ذلك يقظة. رأى نبينا تلكم الأحوال بأم عينيه عليه الصلاة والسلام، رآها أحس بها، شاهدها بأمور محسوسة، فليست أمورًا منامية، ضربت لنبينا في منامه عليه الصلاة والسلام. ويقول علماء السلف، في رد على من قال: ومن زعم أن حادثة الإسراء والمعراج كانت منامًا، قالوا: يرد عليه بماذا؟ بما كان من فعل كفار قريش، عندما قص النبي الخبر عليهم. ما الذي فعلوا؟ ضحكوا واستهزأوا وسخروا به، وتواطؤوا على التفكه بهذه الحادثة. فيقول علماء: لو أن هذه الحادثة أخبر نبينا لكفار قريش أنها رآها منامًا، رآها منامًا، وأنها رؤية، لما كان في ذلك شيء يستغرب. الواحد من إخواني في الله، أنا وأنت إذا نمنا في منامنا، قد نرى شرق الدنيا وغربها، ذهبت إلى هنالك، وذهبت إلى هنالك، وقفزت إلى تلك البلاد، إلى أسكيمو، إلى شرق الصين، إلى بلاد أوروبا، وخلال غضون الساعة من منامك، لو أخبرت به أحدًا، يقول: أطال الله حياتك، ما نبالي بك، ما في شيء لا يستشكل. فلو أن نبينا أخبر الكفار بهذا الخبر، وأنه ذهب هنا وهنا، لما كان في ذلك شيء يستنكر. لكن لما أن الكفار ماذا؟ ضحكوا وتكالبوا وتجمعوا على نبينا، وجعلوها فكهًا والتفكه، دل ذلك على أن ما أخبر به نبينا ما كان ماذا؟ رؤية منام، وإنما رؤية يقظة، وهذا هو الصحيح. قال مؤلفنا رحمه الله تعالى: وما في الأراضين في اليقظة، حمله جبريل على البراق. نعم، جبريل حمل نبينا في هذه الحادثة، فجبريل هو الذي صاحب نبينا في حالة الإسراء والمعراج، من بيت المزل الحرام إلى بيت المقدس، ومن ثم إلى العروج. لكن في قول مؤلف رحمه الله تعالى: على البراق. البراق: هي الدابة التي صعد عليها نبينا عليه الصلاة والسلام. وقد جاء في الصحيح في ذكر وصف هذه الدابة أنها حيوان، دابة تدب على الأرض، حجمها أنها دون ماذا؟ دون البغل، وأكبر من الحمار، في حجمها، دون البغل وأكبر من الحمار، أي وسط بين البغل وبين الحمار في حجمها. ومن شأن هذه الدابة، ومن أعاجيبها: أن الخطوة التي تخطوها على مد بصرها، الخطوة التي تخطوها على مد البصر، لما انتهى إليه البصر. وهذه آية من آيات الله جل وعلا. قال: حمله جبريل على البراق حتى أداره في السماوات. هنا الإشكال في هذه المسألة، وهي ما يتعلق من إسراء النبي عليه الصلاة والسلام من مسجد الحرام إلى بيت المقدس، هذا نعم، البراق جاء في هذا، ولا إشكال في هذه المسألة. الإشكال من العلماء، وهي عندما عرج بنبينا من بيت المقدس إلى السماء، هذه الفترة، وهذا المرحب، بماذا أعرج به؟ المؤلف رحمه الله تعالى يشير إلى أن الرحلة لازالت كانت مع البراق، من هنا لهنا، ومن هنا إلى هنا مع البراق. لكن ذهب جميع العلماء إلى أن الرحلة من بيت المقدس إلى السماء لم تكن بالبراق، وإنما بأمر آخر، بآلة أو بشيء، به أعرج نبينا إليه، ما هو؟ الله أعلم بكنهه. الله أعلم بكنهه. فهذا ما يسمى بالمعراج، المعراج هي آلة الصعود، وهو الشيء الذي يصعد به، ما هو؟ هل هو البراق؟ يقال هذا. قال بعضهم: أنه البراق. لكن ذهب جميع العلماء: أن ذلك ليس بالبراق، إنما البراق كان أمره من هنا إلى هنا، وانتهى أمره. أما من بيت المقدس إلى السماء، فأخذ نبينا وأخذ نبينا إلى السماء عن طريق ماذا؟ شيء آخر، ليس بهذه الدابة. فالله أعلم بالصواب. فمن قال بأنه بآلة أخرى، فيقول: كنهها وعلمها عند ربي، لا يعلم أمرها إلا الله جل في علاه. قال: حتى أدراه في السماوات، وفرضت له الصلاة في تلكم الليلة. طبعًا في ليلة الإسراء والمعراج، فرضت الصلاة على نبينا عليه الصلاة والسلام. وكما لا يخفاكم إخواني في الله: كان الصلاة في بداية أمرها، فرضت خمسين صلاة على رسول الله وعلى الأمة، ثم قام نبينا وطلب من ربه التخفيف، فلا زال يخفف في حق الأمة، حتى بلغت، وصلت خمسًا في العدد، وخمسين في الأجر. وهذا من رحمة الله لهذه الأمة المحمدية. قال: ورجع إلى مكة في تلك الليلة. فدامت ليلة واحدة فقط، في الذهاب والإياب، الإسراء والمعراج كلها في ليلة واحدة. قال: وذلك قبل الهجرة. وقعت هذه الحادثة قبل الهجرة. لكن ما يتعلق، طبعًا، قبل الهجرة، متى بالضبط؟ ليس هناك دليل صريح في بيان التاريخ الذي تمت فيه هذه الرحلة. هل هي في ربيع الأول؟ قيل ذلك. هل هي في ربيع الثاني؟ قيل ذلك. هل هي في ذي القعدة؟ قيل ذلك. هل هي قبل الهجرة بسنة؟ قيل ذلك. بستة أشهر؟ نقل ذلك. بسنتين؟ بثلاث؟ نقل هذا ونقل ذاك. فالأمر في ذلك، عند العلماء، ليس هناك نص اتكأوا عليه في ذكر مدة هذه الحادثة، وفي تاريخها. إنما هي اجتهادات من العلماء، وبعض الآثار، وإن كان هناك آثار نقلت، لكنها تحتاج إلى ضبط في صحتها، وفي أسانيدها. فإن بعضها منقطعات، لم تثبت عن نبينا عليه الصلاة والسلام. فضبط تاريخ حادثة الإسراء والمعراج غير واضح عند العلماء. فتنزلًا، فعلى قول أن ناسًا من الناس ترجح عندهم بحسابات فلكية، بحسابات الآن معاصرة، بكترونيات، طبعًا بمستطاع أن يصل إلى بعض التواريخ القديمة، بحسب بكتروني وحسابيات معروفة. فعلى قول بعض الناس، وترجح إليه تاريخ معين، يقول: الإسراء في هذا التاريخ المعين، باليوم والليلة، يقال له. ولو أثبت ذلك، فهذه مسألة ما تزيد شيئًا. ما الذي يراد من هذه المسألة؟ يراد من هذه المسألة أنك لا تتبنى من هذا التاريخ عبادة أخرى. ما هي العبادة الأخرى؟ هي الاحتفال. الاحتفال، بعض الناس يحاول أن يصل إلى ضبط التاريخ، لماذا؟ لكي يصل إلى أمر آخر، وهو أن يحتفل بهذه الليلة، بما يسمى باحتفال بليلة الإسراء والمعراج. إخواني، هذا لا يجوز. بل الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج، كما صرح العلماء بذلك: أن ذلك من البدع. هذه البدع لم تثبت عن نبينا، ولا عن صحابته الكرام، ولا عن السلف الصالحين السابقين من المؤمنين الصادقين، أنهم احتفلوا بليلة الإسراء والمعراج. فهذا نبينا، هو من هو؟ صاحب الشأن، وصاحب الأمر، وما احتفل بهذه الليلة، وما رفع للسنوات، وهو ما في المدينة، وما احتفل فيها في ليلة من عمره. وهكذا الصحابة، هم أعظم ماذا؟ أعظم منا تعظيمًا لمقام رسول الله، ومع ذلك ما احتفلوا بليلة الإسراء والمعراج. فعلى من يترجح عنده تاريخ معين، فلا يجعل ولا يعتمد على هذا التاريخ في جعله ماذا؟ مكانًا أو وقتًا يتعبّد الله فيه بإقامة شيء من الاحتفالات، مما نراه من ضرب الطبول والدفوف، أو الإخراج بالأعلام والرايات هنا وهناك، والاجتماع في بيوت الله، وإقامة ما يسمى بالمحاضرات والندوات على إثر ذلك. فهذا مما لا ينبغي. إن كان فيه معنى الاحتفال به، فلا يحتفل بها. قال مؤلفنا رحمه الله تعالى: وذلك قبل الهجرة، هذا هو الصحيح. وأما من قال: وأما الرواية المنقولة: أن هذه الحادثة وقعت قبل الوحي، فهذا مردود. نعم، جاءت رواية نقلها بعض العلماء، وأهل رواة الأحاديث: أن هذه الحادثة وقعت قبل الوحي، أي ليس قبل الهجرة، بل قبل أن يوحى لنبينا أعرج به. وهذا بعيد، وهذا أمر صعب، ولهذا أنكر العلماء هذه الرواية. الرواية التي فيها أن الحادثة والمعراج وقعت قبل البعثة، وقبل أن يوحى، قبل أن يوحى لرسول الله، أن هذا مردود. وقد أنكر ذلك الخطابي، وابن حزم، وعبد الحق، والنووي رحمه الله تعالى، وجماعة من الحفاظ. بل حتى ابن حجر، جعل إجماعًا، إجماع الناس على خلاف هذه الرواية. فرواية إجماع الناس: أن حادثة الإسراء والمعراج وقعت بعد ما أوحي لنبينا، لكن قبل الهجرة، بكم؟ هذه الله أعلم. أما قبل الوحي فهذا بالإجماع. فقول من قال: أن حادثة الإسراء والمعراج وقعت قبل الوحي، اعتمادًا على بعض الروايات، فيقال: هذه الروايات ماذا؟ مردودة، وقد أنكرها العلماء. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.