الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 45، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
المقطع الأول يبرز أهمية السنة في فهم وتطبيق القرآن، حيث توضح أن القرآن يحتاج إلى السنة لتفسيره وتوضيح أحكامه. كما ينتقد الفرقة القرآنية التي تستغني عن السنة وتعتبرها غير ضرورية.
تأتي السنة النبوية لتؤكد وتوضح وتفسر القرآن الكريم، وتأتي أحيانًا بأحكام ومعاني جديدة غير مذكورة في القرآن. وتدل على أهمية التسليم والإيمان بمسائل الغيب دون الخوض فيها.
الجدال في القدر مذموم ويعتبر من باب الهلكة، حيث أنه سر الله تعالى الذي لم يطلع عليه أحد من خلقه. وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه عن الخوض فيه وتعمقه.
المقطع الأخير يتضمن دعاء بأن ينفع الله تعالى بما قيل، ويذكر الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر الاعتراف بقدرة الله تعالى وولايته على كل شيء.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وأن القرآن إلى السنة أحوج من السنة إلى القرآن. هذه الفقرة، إخواني في الله، لها تعلق بما مضى فيما يقرر من حجية السنة، فبما يدل على حجية السنة وعلى أهمية السنة في باب التشريع الإسلامي أن القرآن إلى السنة أحوج من السنة إلى القرآن، أي أن القرآن بحاجة إلى السنة. وهذه العبارة المذكورة، ولذكرها المؤلف، هي مما أثر عن علماء السنة، فهذا الأثر عن مكحول، كما رواه الخطيب في الكفاية، وابن عبدالبر كذلك في جامع بيان العلم. وأثر نحوه كذلك عن الأوزاعي رحمه الله تعالى، أنه قال: الكتاب أحوج إلى السنة من السنة إلى الكتاب. الحاصل، إخواني في الله، مما يدلل على أهمية السنة في التشريع أن كتاب الله جل وعلا يحتاج إلى السنة. ووظائف السنة إزاء القرآن تتلخص في أمور ثلاث. وظيفة السنة إزاء القرآن تتلخص في وظائف ثلاث، اختصرها لنا شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، حيث قال: فالسنة تفسر القرآن وتبينه وتدل عليه وتعبر عنه. قال: فالسنة تفسر القرآن وتبينه، وهذا الأمر الأول. قال: وتدل عليه، وهذا الأمر الثاني. قال: وتعبر عنه، وهذه الوظيفة الثالثة. فهذه خلاصة وزبدة وظائف السنة إزاء القرآن. الأمر الأول أنها تفسر القرآن، السنة تفسر القرآن، فقد تأتي هناك آيات مجملة أو آيات مطلقة فيقيدها القرآن، أو آيات مجملة فيخصصها، أو آيات فيها عموم فيأتي السنة بالتخصيص، أو آيات فيها إشكال وشيء من متشابه فيأتي بالسنة بالتوضيح. فالسنة تفسر وتبين القرآن، وهذا كثير جدًا. فلأن إنسانًا أراد أن يعمل بما في القرآن، على حين ما استطاع، ما استطاع. مثاله: القرآن جاء بالأمر بالصلاة، لو قيل لأحد من الناس: صل يا عبد الله كما أمرت في كتاب الله، ما استطاع أن يصلي؛ لأن القرآن لم يأت فيه ماذا التشهد، والقيام، والركوع، أذكار الركوع والسجود، وكذلك عدد الركعات، أن تصلي الفجر ركعتين، والمغرب ثلاثًا، والعشاء والظهر والعصر أربعًا أربعًا، هذا ليس موجودًا في كتاب الله. وهكذا يقول له: أردت أن تزكي، المصلي أو المسلم أمر بالزكاة في القرآن، لكن ما هي مقادير الأنصبة، مقادير الزكاة، هذا ليس موجودًا في كتاب الله، وإنما السنة فسرت وبينت. وهكذا قصة يا عبد الله، قد تجد الأصول موجودة في القرآن، أما التفصيل والبيان والتبيين هذا موجود في السنة، لذا لا غنى لأحد عن السنة. لا غنى لأحد عن السنة. وأما أن نسمع من تلكم الفرقة القرآنية، وهم الذين يخدعون عوام المسلمين بأن يعظمون القرآن فيستغنون عن السنة، هل هم على شفا هلكة؟ بل هم قد هلكوا، وهم لو أنهم أنصفوا أنفسهم لعلموا أنهم لا غنى لهم عن السنة. وأذكر وقد ذكرت إخواني في دروس قديمة وماضية قصة ذاك القرآني الذي كان يصلي بالناس، فكان يصلي بهم كصلاة بقية الأئمة، يصلي في الفجر ركعتين، وفي الظهر والعصر والعشاء أربعًا أربعًا، والمغرب ثلاثًا. فقيل لهذا الرجل الإمام القرآني: يا عبد الله، أنت تدعو الناس إلى القرآن وتهمش السنة، فمن أخبرك ومن أين استنبطت بأن عدد الركعات موجود في القرآن؟ يعني لو فتش القرآن ما وجدت هذا، ركعات. فقال: لا، هذا موجود في القرآن. فكابر. قال: أين الآية التي فيها الدلالة على هذا التعدد في الركعات؟ قال: هذا في قوله تعالى: ﴿وَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾، فجعل المغرب، والظهر، والعصر. فأقول: هذا غباء، وهذا مكابرة للحس ومكابرة للواقع ومكابرة حتى للشرع، فلا أحد، إخواني في الله، يغني أن يرجع للسنة في تفسير محكم القرآن وما جاء في كتاب الله جل وعلا. وهذه من أعظم وظائف السنة أنها تفسر وتبين القرآن. الأمر الثاني كما قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: تدل عليه. تدل عليه كذلك من وظائف السنة أن تأتي من باب التأكيد، من باب التأكيد والتوكيد لما في كتاب الله جل وعلا، فيأتي من باب تتابع موارد الأدلة، فيأتي القرآن بتحريم الزنا، وتأتي السنة بتحريم الزنا، يأتي القرآن بتحريم الربا، وتأتي السنة بتحريم الربا، يأتي القرآن بماذا بفضيلة صلة الأرحام، وتأتي السنة بفضيلة صلة الأرحام، فتأتي وتقرر وتؤكد ما في القرآن في باب تثبيت وتوكيد وتعدد موارد الأدلة، فهي ماذا؟ تدل على كتاب الله جل وعلا. والوظيفة الثالثة، والتي عبر عنها شيخ الإسلام رحمه الله تعالى بقوله: وتعبر عنه. قال الشراح كشيخ الإسلام ابن عثيمين رحمه الله تعالى، وجماعة من أهل العلم في معنى عبارة شيخ الإسلام: بأن السنة تعبر عن القرآن، أي أنها تأتي بأعم بمعاني وأحكام جديدة، تأتي بمعاني وأحكام جديدة. فالسنة نعم تأتي أحيانًا تؤكد ما في القرآن، وأحيانًا تفصل ما في القرآن، وأحيانًا تأتي بأشياء ليست في القرآن، وهذا كثير جدًا، في بعض المنهيات في باب مسائل البيوع، في بعض المحرمات في باب العلاقات والأخلاق، في بعض كذلك المعاملات الفقهية في الطهارة والصلاة، أشياء لم توجد في القرآن، وإنما جاءت السنة بها، جاءت السنة بها، فوجب العمل بها. ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، فوحي السنة مثل القرآن في ماذا؟ في تثبيت الأحكام الشرعية. فعلى هذا، إخواني في الله، فيصح عبارة السلف رحمه الله تعالى بقولهم: أن القرآن إلى السنة أحوج من السنة إلى القرآن، فالقرآن بحاجة إلى السنة، تكون بإزائه بجواره ماذا؟ تدل عنه وتعبر عنه وتفسر ما فيه. ثم قال مؤلف رحمه الله تعالى: والكلام والجدال والخصومة في القدر خاصة منهي عنه عند جميع الفرق؛ لأن القدر سر الله، ونهى الرب تبارك وتعالى الأنبياء عن الكلام في القدر، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخصومة في القدر، وكرهه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون، وكرهه العلماء وأهل الورع، ونهى عن الجدال في القدر، فعليك بالتسليم والإقرار والإيمان واعتقاد ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في جملة الأشياء، تسكت عما سوى ذلك. في هذه الفقرة، إخواني في الله، مما لا تعلق بمسائل القضاء والقدر، والمؤلف رحمه الله تعالى، وإن ذكر في مسائل القريبة ما يتعلق بمسائل القدر، إلا أن في تلك الفقرات السابقة تكلم حول أركان القدر ومراتب القدر، وإنما في هذه المسألة قرر ما يتعلق بعدم الخوض في القدر، وخوض في القدر من أسباب الضلال. ولهذا نهى الشرع عن التعمق في هذا الباب، لا تتعمق يا عبد الله، فهذا ليس مجال الفكر وليس مجال التفكر، لا، بل هذا مجال التسليم. فرق هناك علوم نعم، علوم أمرت أن تتعمق فيها، أن تدرس فيها، أن تسأل وأن تبحث، وأن كذلك تسأل عنها، هذا لك، لكن هناك علوم هي علوم الغيب، لا تسأل عنها؛ لأن الخوض فيها العقل ما يضطرب، العقل فيه يضطرب، فلا تخوض فيها. وسأتي كلام المؤلف كما سمعت أنه نهى عن التعمق والخوض في باب القدر. فقال المؤلف رحمه الله تعالى: والكلام والجدال والخصومة في القدر خاصة منهي عنه عند جميع الفرق، لا يجوز، لا يجوز يا عبد الله أن تتعمق في القدر. وقال المؤلف رحمه الله تعالى: والخصومة في القدر خاصة، فيه بيان على أن الأصل أن مسائل الدين عامة لا يجوز أن تخاصم فيها، هذا الأصل، الأصل أن مسائل الدين عامة، إياك أن تدخل فيها بشيء من الجدال أو بشيء من الخصومات، وعلى رأس هذه المسائل القدر. قال: وخاصة القدر، ففيه بيان إخواني في الله على أن هذا الدين دين الله جل وعلا لا يسمح لفتح باب الجدال وهكذا الخصومات في شرعه، بل جاء التحذير من ذلك. قال عليه الصلاة والسلام: «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل»، الناس كانوا على هدى، فإذا بهم زاغوا عن هذا الخير، عن الهدى، والتحول إلى الضلالة، فإن أردت أن تعرف السبب في تحولهم وانحرافهم من ذلك الخير إلى هذا الضلال، فماذا؟ هو الخصومات والجدال. «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل»، فلا تجادل يا عبد الله في دين الله، لا تجادل في دين الله. تجادل من صور الجدال أنك تلزم غيرك بما تراه، وآخر يلزمك بما يراه، وهذا يجادل، وذاك يجادل، فهذا لا يجوز في دين الله، المماحكة في دين الله، أو كذلك أنك تجادل كأن تفتح باب النقاش وأنت ما عندك علم أصلًا، تجد الأصوات ترتفع، والصراخ من هنا وهناك يدب، وتأتي تجمعات الناس على فلان وفلان على ما قالوا، مع النقاش العلمي على ما تتناقشون على مسألة معينة، ما دليلك؟ قال: الله. ما استحضرت دليل، سبحان الله، ما تستحضر دليل، وهذا الأوتاف والصراخ والصياح يقف عند حدك، ما عندك دليل، يقول الله: «وعلم»، حتى تستحضر أدلة، أما تشغل الناس بالصياح والصوت والصراخ، هذا ليس من الجدال المحمود، طبعًا الجدال على قسمين، هناك ما هو محمود، وهناك ما هو مذموم. فالجدال المذموم أنك تدخل في النقاش وأنت ما عندك علم أصلًا، فلا تشغل نفسك إخواني، فلا ولا تشغل غيرك، ولا تشغل الدعوة كذلك بهذه الجدالات المريضة السقيمة، إنما عندك علم بالتي هي أحسن، أما ما عندك علم، فقل: الله أعلم، وكف، وكف عن إدخال العقل وهكذا إدخال ماذا؟ الحنك في دين الله جل وعلا. فقال مؤلف رحمه الله تعالى: والكلام والجدال والخصومة في القدر خاصة منهي عنه، وقلنا: وهكذا يدخل في جميع أبواب الدين، لكن على رأس الأمور الذي يمنع من الجدال فيها في باب القدر. قال: لأن القدر سر الله، وهذا هو الأصل، نمنع من الخوض في باب القدر، لا أنت ولا فلان ولا علان يستطيع ماذا؟ أن يملك أن يعرف حقيقة القدر، فكيف تخوض فيه أصلًا؟ كيف ستخوض فيه وتتعمق فيه وتثبت وتنفي أشياء وأنت ما عندك علم بها؟ ولهذا يقول الطحاوي رحمه الله تعالى: قال: وأصل القدر سر الله، وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه، لم يطلع عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل، والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان وسلم الحرمان ودرجة الطغيان، أي باب هلكة، فلا تتقدم من نفسك يا عبد الله بماذا؟ بهذه المسائل التي قد رأينا من كثير من الفرق والجماعات الذين أدخلوا رأيهم وعقلهم في مثل هذه المسائل، إذ بهم ضلوا عن سواء السبيل، القدرية والجبرية، وقص على ذلك الكثير من الفرق ضلت عن هذا الباب عندما حكمت وأدخلت هذه المسائل في عقلها وتعمقت. ولما كتب الله لها الضلال على هؤلاء، كيف قدر الله علي الضلال ثم يعاقبني ويعذبني؟ كيف؟ وكيف؟ أدخل عقله في شيء ما يمكنه، لا يمكن أن تعرف ما هو الصواب، الحكمة في ذلك، هذا أمر لم يطلع الرب على أحد من خلقه في هذا السر، سر جعله الله لنفسه، فكيف تقتحم هذا الباب يا عبد الله وأنت ما عندك علم؟ ستضيع، ولهذا ضاعت الأفكار وضاعت الأذهان وضاعت أمم من الناس عندما تعمقت في هذا الباب، فلا تخوض. ولهذا قال ذكر المؤلف رحمه الله تعالى: أن الله منع أنبياءه، وهكذا النبي منع أمته من الخوض في القدر. ولهذا أثر في أحاديث كثيرة عن منعه عليه الصلاة والسلام أصحابه من الخوض في القدر، فمن ذلكم ما رواه الترمذي: أن نبينا عليه الصلاة والسلام خرج على الصحابة على جمع من أصحابه وكانوا يتنازعون في القدر، يتنازعون في القدر، قال الراوي: أو أبي هريرة، راوي الحديث، قال: فغضب، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى حمر وجهه حتى حمر وجهه، ثم قال: «بهذا أمرتم؟ أبهذا أمرتم؟ قال: إنما أهلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر، حين تنازعوا في هذا الأمر، عزمت عليكم ألا تتنازعوا فيه»، عزمت عليكم ألا تتنازعوا فيه. فهذه وصيته عليه الصلاة والسلام أن لا تعمق ولا تنازع وتخاصم في باب القدر والقدر، فهذا العلم ليس لقدر بن آدم قدرة على فهمه وعلى الإحاطة به، وإنما هو سر الله جعله الله جل وعلا لنفسه، فلا نخوض فيه. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.