الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 48، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يؤكد المؤلف على أهمية الإيمان بفتنة القبر وعذابه ونعيمه، ويشرح أن الميت يسأله الملكان في قبره. يُعد هذا الإيمان جزءًا أساسيًا من العقيدة الإسلامية.
يشرح المقطع عقيدة سؤال الملكين في القبر، حيث يسألان الميت عن ربه ودينه ونبيه، مع مناقشة الخلاف حول تسمية الملكين. يُعد هذا السؤال جزءًا من عقيدة أهل السنة والجماعة.
يتناول المقطع مسألة معرفة الميت بزيارة الحي، مع اختلاف العلماء حول قوة الأدلة، ويشرح أن الميت إما ينعم أو يعذب في قبره. يُظهر هذا تنوع الآراء حول هذه المسألة.
يختتم النص بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، مع التأكيد على أن الله تعالى هو الأعلم، مما يظهر التأكيد على أهمية اتباع السنة النبوية في العقيدة والعمل.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال مؤلف -رحمه الله تعالى-: والإيمان بأن الميت يقعد في قبره، ويرسل الله فيه الروح حتى يسأله منكر ونكير عن الإيمان وشرائعه، ثم تسل روحه بلا ألم، ويعرف الميت الزائر إذا أتاه، وينعم في القبر المؤمن، ويعذب الفاجر كيف شاء الله. هذه المسألة ذكرها الإيمان البربهاري -رحمه الله تعالى-، وهي مما لها تعلق في الفقرة السابقة، تعلق بالكلام عن الأرواح، وهو نتكلم عن ما يتعلق بفتنة القبر وعن عذاب القبر ونعيمه. وعرج -رحمه الله تعالى- وأشار إلى بعض المسائل السريعة المتعلقة بهذا الباب. ورحمه الله تعالى والإيمان بأن الميت يقعد في قبره، الأدلة أثبتت على هذه الصفة، وأن الميت يقعد في قبره، وذلك مما يؤيد هذا ما جاء في البخاري من حديث أنس -رضي الله تعالى عنه- قال: عليه الصلاة والسلام «أن العبد إذا وضع في قبره تولى عنه أصحابه، وإنه ليسمعوا قرع نعالهم إذا انصرفوا، أتاه ملكان فيقعدانه، فيقولان له...». هذه اللفظة المرادة من هذا الحديث «فيقعدانه»، إذن الميت يقعد في قبره، وهذا هو عقيدة أهل السنة والجماعة التي تدور على صحة الدليل. أنكر الفلاسفة وهكذا العقلانيون مثل هذه المسائل، إذ أنهم استبعدوا، قالوا: كيف لميت أن يقعده ملكان؟ واستدلوا بأمر عقلاني، قالوا: نحن مثلا إذا وضعنا الزئبق في القبر ثم تركنا ورجعنا، رأينا الزئبق على محله ما تغير وما تحرك، فكيف تدعون بأن الميت يقعد ونحو ذلك؟ فهذا مستحيل، وهذا مستبعد. أرد على هؤلاء إخواننا في الله أن ينبغي أن يعلم أن هذه من مسائل الغيب، وأن مسائل الغيب لا يمكن أن يحاط بها أبدا، فلا تقحم عقلك ولا تخوض بفكرك -يا عبد الله- في مسائل الغيب، العقل له حدود، والفكر له حدود ينتهي إليها، بعد ذلك يأتي ما لا يدركه العقل. لهم نصيب في أشياء تسمى غيبيات، ما يمكن لأحد أن يدرك ما هي هذا الأمر الغيبي. وكان من صفات المؤمنين من أهل إيمان أهل الحق والصدق أنهم أهل غيب، ولهذا ذكر ربنا جل وعلا من أعظم صفات المؤمنين من أول صفاتهم، قال ربنا جل وعلا: ﴿الذين يؤمنون بالغيب﴾، فهذه الصفة العظيمة ينبغي أن يتحلى بها المؤمن ويتحلى بها المسلم، وخاصة في أمور الغيب. فإذا بلغ الأمر ووصل الأمر إلى مسائل الغيب، فعليك أن تذعن مباشرة، فلا تدخل عقلك ولا تقحم فكرك في هذه المسائل. وثانيا، قال العلماء: ولا إشكال، قد يكون هؤلاء الذين وضعوا الزئبق في القبر مثلا، وأن الميت إذا قعد تحرك الزئبق مثلا، فلما جاء وكشفوه أرجع الله الزئبق على حاله، هذا ليس بعيد على ربنا، وليس بعسير على رب جل وعلا، إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له «كن فيكون»، فهذا ليس بأمر صعب على ربنا بأن يجعل الزئبق يتحرك أثناء تحرك الميت، ثم يرجع الزئبق متى كشف هؤلاء يرجع الزئبق على حاله. فعقيدة الإقعاد هذه عقيدة من أمور الغيب، نؤمن بها ونعتقد بأن الأموات يقعدون في قبورهم، ويسألهم الملكان. فقار -يحمه الله تعالى- والإيمان بأن الميت يقعد في قبره، ويرسل الله فيه الروح. كذلكم الرب -جاء سبحانه وتعالى- يعيد الروح إلى الجسد، وقد جاء ذلك مصرحا مبينا في حديث البراء بن عازب، في حديث البراء بن عازب الحديث الطويل، والذي يذكر فيه نبينا -عليه الصلاة والسلام- عن حال المؤمن وعن حال الكافر، فقال ربنا -عليه الصلاة والسلام-: «فتعاد روحه في جسده»، فالروح تعاد إلى الجسد وهو في القبر. ابن حزم -رحمه الله تعالى- حاول أن يضعف الأحاديث المروية في هذا الباب، ويريد أن يقول: إن الروح لا تعاد إلى الأبدان، هذا غلط، بل أدلة قد ثبتت، وهذا الحديث الذي بين أيدينا حديث البراء، في قوله -عليه الصلاة والسلام-: «ثم تعاد روحه إلى جسده». رواه أبو داود، وقد ذكره شيخنا مقبل -رحمه الله تعالى- في «الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين»، وهكذا الشيخ الألباني -رحمه الله تعالى- صححه في كثير من كتبه، فالحديث ثابت، وهذه العقيدة ثابتة أيضا بأن الأرواح تعاد إلى الأجساد كما ذكر المؤلف -رحمه الله تعالى-. قال: «ويرسل الله فيه الروح حتى يسأله منكر ونكير عن الإيمان وشرائعه، ثم تسل روحه بلا ألم». أما في قول المؤلف -رحمه الله تعالى-: «حتى يسأله منكر ونكير»، منكر ونكير عبارة عن ملكين جعلهما ربنا جل وعلا، وخصهما بأنهم يسألان أهل الأموات، يسألان الأموات في قبورهم. وبالجملة، أحاديث سؤال الملكين صحيحة، بل متواترة، لا خصامة ولا نزاعة في إثبات وثبوت هذه المسألة، بأن الله جل وعلا يرسل ملكين إلى الأموات في قبورهم، فيسألانهم: ماذا عن شرع الإسلام؟ من ربه؟ وما دينك؟ وما هذا النبي الذي خرج فيكم؟ فهذه عقيدة ثابتة وراسخة. والتواتر أدل كثيرا في الصحاح وخارج الصحاح. وأيد هذه المسألة، وإنما دب الخلاف بين علماء في مسألة أخرى، وهي التسمية في تسمية الملكين. هنا تم الخلاف بين العلماء، الكثير من أهل العلم من ذهب إلى أن الملكين يسميان بمنكر ونكير، أحدهما منكر والآخر نكير، بل منهم من بالغ في الأمر وذكر الإجماع على صحة هذه التسمية، وأن ذلك مما أجمعت عليه الأمة. لكن الصحيح أن في تسمية الملكين بهذه التسمية فيها نزاع وخلاف، من أهل العلم لا يرى صحة هذه التسمية. لهذا في الأحاديث الصحيحة في البخاري ونحوه من كتب الصحاح فيها: سؤال الملكين فقط، سؤال الملكين دون ذكر التسمية. ولهذا جنح جماعة من هذا العلم إلى عدم تسمية الملكين الذين يسألان الميت في القبر بمنكر ونكير، واستدلوا بأن الحديث الوارد في تسمية منكر ونكير فيه نكارة من حيث السند ومن حيث المتن. وهذا مبحث يطول، وليس المقام في ذكر الغرابة في المتن والسند. قال العلماء وجماعهم، الكثير من أهل العلم جنحوا إلى صحة التسمية، وازدلف بما رواه الإمام الترمذي -رحمه الله تعالى- في سننه، من قوله -عليه الصلاة والسلام-: «بأن الميت إذا جاءه الملكين إذا قبر الميت». قال -عليه الصلاة والسلام-: «إذا قبر أحدكم أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما منكر ولآخر نكير». ذكر العلماء صفتها أولا كيف يكون أزرقان أسودان؟ قالوا: هذه كناية عن شدة ما هم عليه من بؤس، وقالوا: يحمل هذا الوصفان أو هذا اللونان على أنهم سود الوجوه زرق الأعين. فقيل: هذا وصفهما بعد صحة حديث رواه الترمذي، ويحسن ذلك الشيخ الألباني -رحمه الله تعالى-. الشاهد أن فيه: يسمى أحدهما منكر والآخر نكير، فعلى صحة هذا الحديث فتصح التسمية. ومن لم يرى بصحته ويرى أنه فيه علل فيقول بعدم ثبوت التسمية. هذا ما يتعلق بالتسمية، أما كأصل المسألة فهذا متواتر مجمع عليه، من وجود ملكين يسألان الأموات، هذا أمر مجمع عليه، فإنما الخلاف في هذه الحيثية بهذه التسمية. وقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: «ويعرف الميت الزائر إذا أتاه». أن الميت في قبره يعرف من يزورهم، وهذا الحديث جاء فيها آثار، ومما جاء من الحديث المرفوعة ما ذكره ابن عبدالبر -رحمه الله تعالى- في «التمهيد» و«الاستذكار» من حديث ابن عباس -رضي الله تعالى عنه- قال: قال -عليه الصلاة والسلام-: «ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه ورد عليه السلام». إلا عرفه أي: أن الميت يعرف الذي أتاه ويعرف الذي زاره فيعرفه ويرد عليه السلام. وهذا الحديث جماعة من العلماء صححوا الحديث، كعبد الحق، وهكذا ابن المبارك -رحمه الله تعالى-، وهكذا ابن القيم. فعلى تصحيح هذا الحديث، وابن القيم -رحمه الله تعالى- نصر هذه المسألة نصرا عظيما، وحشد وسرد الأدلة الكثيرة المتكاثرة من الآثار الدالة على أن الأموات يعرفون زيارة الأحياء. بل حتى قال -رحمه الله تعالى-، وذلك في كتاب «الروح»: وقد تواترت الآثار عنهم -أي عن السلف- بأن الميت يعرف زيارة الحي ويستبشر به، وذكر أدلة عقلية كذلك في إثبات هذه الزيارة. لكن الصحيح -أخوانا في الله- أن هذا لم يثبت، الأدلة ما كان منها مرفوعة كحديث ابن عباس الذي بين أيدينا، فإن كان بتصحيح جماعة، لكن الحفاظ والنقاد على تعليله. قال الحافظ ابن رجب -رحمه الله تعالى-: وابن رجب هو من هو في نقده وانتقاده على الأحاديث وعلمه ومعرفة بعلم العلل، قال عن هذا الحديث بأنه حديث غريب منكر. وهكذا مال إلى ذلك العلامة الألباني -رحمه الله تعالى- كان في «الضعيفة» وضعف هذه الأحاديث، فلم يثبت حديث يتعلق بهذا الباب، فكون أن الميت يعرف زيارات الحي هذا ليس هناك دليل يدل عليه. وأما الأدلة العقلية التي استدل بها ابن القيم، من أراد أن يراجعها يراجع كتاب «الروح»، وكذلك يعرج على كتاب «الآيات البينات للآلوسي»، تحقيق الألباني، فقد شاء في الألباني -رحمه الله تعالى- عرج على مبحث ابن القيم في زيارة معرفة الأموات لزيارة الأحياء، وبين الأدلة الرادة وكذلك المضادة لهذه المسألة، وجنح الشيخ الألباني -رحمه الله تعالى- أن هذا لا يثبت فيه شيء. فمعنى دليل بأن الميت يعرف زيارة الحي فهذا الله أعلم به. قال -رحمه الله تعالى-: «وينعم في القبر المؤمن ويعذب الفاجر كيف شاء». وهذا من عقائد أهل السنة والجماعة، يعتقدون بعذاب القبر وبنعيم القبر، فإن المؤمن ينعم في قبره والكافر كذلك يعذب في قبره، ودل الخاصة والعامة تدل على ذلك. أما فإنهم يعذبان، وما يعذبان في كبير، صاحب النميمة، وذاك الذي كان يبول ولا يستبرئ من بوله. وهكذا قوله -عليه الصلاة والسلام-: «فإن الشملة التي غلها لتشتعل عليه في قبره». وقوله -عليه الصلاة والسلام-: «إن هذه الأمة لتعذب في قبورها». وهكذا في قوله تعالى: ﴿أدخل آل فرعون أشد العذاب﴾، في قوله تعالى: ﴿النار يعرضون عليها غدوا وعشية﴾. أحاديث كثيرة وآيات كذلك تدل على أن الميت على حالتين لا ثالثة لهما، إما إن كان من أهل الجنة فإنه ينعم في قبره، وإن كان من أهل النار فهذا يعذب في قبره، كما قال مؤلف -رحمه الله تعالى-: «كيف شاء». هذه -أخواني في الله- مسائل متعلقة بهذا المبحث، فأسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.