شرح السنة للإمام البربهاري 52

شرح السنة للإمام البربهاري 52

الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 52، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

الإيمان برؤية الله تعالى يوم القيامة

يناقش وجوب الإيمان برؤية الله تعالى يوم القيامة باعتبارها عقيدة إسلامية أساسية مدعومة بأدلة من القرآن والسنة وإجماع السلف. يُعتبر إنكار هذه العقيدة كفرًا.

تحذير السلف من الجدل والخصومة في الدين

يحذر المقطع من الجدل والخصومة في الدين لما لها من عواقب سلبية مثل الكفر والزندقة والشك، مستندًا إلى نهج السلف الصالح في هذا الشأن.

الجدال في الإسلام: بين الذم والمدح وأدب السلف

يتناول المقطع مفهوم الجدال في الإسلام، حيث يتم التفريق بين الجدال المحمود والجدال المذموم، مع التركيز على أهمية حسن الخلق في الجدال كما كان يتصف به السلف الصالح.

  • 10 جمادى الأولى 1446هـ - 11/11/2024مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. قال مؤلفنا، رحمه الله تعالى: واعلم أن أول من ينظر إلى الله تعالى في الجنة الأضراء، ثم الرجال، ثم النساء، بأعين رؤوسهم، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر، لا تضامون في رؤيته». والإيمان بهذا واجب، وإنكاره كفر. واعلم، رحمك الله، أن ما كانت زندقة قط، ولا كفر، ولا شك، ولا بدعة، ولا ضلالة، ولا حيرة في الدين، إلا من الكلام وأصحاب الكلام، والجدل والميراء والخصومة. والعجب كيف يشتري الرجل على المراء والخصومة والجدال، والله تعالى يقول: ﴿ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا﴾، فعليك بالتسليم والرضا بالآثار، وأهل الآثار، والكف والسكوت. أورد المؤلف، رحمه الله تعالى، هذه الفقرات في رسالته ليبين فيها بعض العقائد التي يعتقدها أهل السنة والجماعة في عقيدتهم. وهذه المسائل لو تمعنتم فيها قد مرت معنا، أي بعض أفرادها، في أول رسالة، لكن غير المؤلف، رحمه الله تعالى، في سياقها، أو ذكر بعض المسائل التي تعتبر الزوائد على الأصل. ففي هذه المسألة الأولى، مسألة الرؤية، مرت معنا، لكن أفاد المؤلف، رحمه الله تعالى، بفائدة متعلقة بترتيب الناس إزاء رؤيتهم لله عز وجل، فقال: واعلم أن أول من ينظر إلى الله تعالى في الجنة الأضراء، والأضراء جمع ضرير، وهو من ذهب بصره، ثم الرجال، ثم النساء، أي هكذا يكون ترتيب الناس في رؤية الله جل وعلا. لكن هذا الترتيب، المؤلف، رحمه الله تعالى، استدل ببعض الأحاديث والآثار التي لم تصح، فليس هناك أثر صحيح، ولا حديث مرفوع، فيه دلالة على هذا الترتيب الذي ذكر المؤلف، رحمه الله تعالى. إلا أن في الجملة نؤمن برؤية الله جل وعلا، وأن أهل الجنة يرون ربهم، كما جاءت في ذلك الآثار. قال المؤلف، رحمه الله تعالى: بأعين رؤوسهم، من باب التأكيد والتوكيد، قال: كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر، لا تضامون». بالتشديد، وفي لفظة ورواية بالتخفيف، لا تضامون، وتضامون، وكل لهما معنى في هذا السياق. في الصحيحين، في إثبات رؤية الله جل وعلا، وقد قام إجماع السلف على إمكانية رؤية الله عز وجل يوم القيامة، وذلك لأهل الجنة خاصة. وقد ذكر الإجماع جماعة من أهل السنة، كالحافظ عبدالغني المقدسي، رحمه الله تعالى، وهكذا الصابوني، وهكذا ابن القيم، رحمه الله تعالى. فقد قال ابن القيم، كما في كتابه «حادي الأرواح»، ذاكرا الإجماع في هذه المسألة: «دل القرآن، والسنة المتواترة، وإجماع الصحابة، وأئمة الإسلام، وأهل الحديث، على أن الله سبحانه يرى يوم القيامة بالأبصار». ولهذا لقوة الآثار في هذا الباب، وليس هناك حجة لمن أنكر رؤية الله عز وجل. ذهب من ذهب إلى تكفير من أنكر رؤية الله، من أنكر رؤية الله سبحانه وتعالى. لهذا قال مؤلفنا، رحمه الله تعالى: «والإيمان بهذا واجب، المؤمن يجب عليه أن يؤمن بأن الله جل وعلا يرى يوم القيامة، وأن من أنكر ذلك، قال: وإنكاره كفر». وقد نقل التكفير في بعض نقل التكفير في هذه المسألة عن بعض الأئمة، كما نقل ذلك عن إمام مالك، ونقل كذلك عن إمام أحمد، رحمه الله تعالى، وجماعة من العلماء، أنهم كفروا من أنكر الرؤية. لأن أدلة الرؤية واضحة، قوية، بينة، لا تحتاج إلى تأويل، ولا تحتاج إلى رد، ولا إلى تعطيل. والعجب، إخواني في الله، أن نعلم أن الشافعي، رحمه الله تعالى، من زعماء أهل السنة، ممن نصر هذا المذهب، ونصر هذا القول، أي وهو قوله مع قول أئمة السنة، من إثبات رؤية الله عز وجل. بل إن للشافعي، رحمه الله تعالى، استدلالات بديعة، كاستدلاله بقوله تعالى: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾، استدل شافعي بمفهوم المخالفة، إذا أن الكافر يحجب عن ربه، فإن المؤمن لا يحجب عن ربه. نقل ذلك عنه المزني، ورواه الحاكم في مستدركه. بل نقل عن الشافعي حكم لطيف في هذه المسألة، في حق من أنكر رؤية الله عز وجل، حيث قال شافعي، رحمه الله تعالى: «من أنكر رؤية الله عز وجل، حري أن يحرم منها». لذا العجب، إخواني في الله، أن نرى بعض الناس في هذه الأزمان، مما لربما يأتون إلى الإمام الشافعي، رحمه الله تعالى، ويلمعونه، ويظهرونه مظهر القوة والعلم، وهو كذلك، وهو أهل لذلك، وهو من أهل الأمة من الأفراد الأفذاذ، الذي أعطاهم الله العلم والحكمة والبصيرة. إلى أن أقوام من الناس حاولوا أن يضخموا الشافعي، ضخموا، ثم ضخموا، ثم ضخموا، وفي نهاية أمرهم، ما الذي فعلوا به؟ جعلوا أمره وحكمه في باب الفروع، وفي باب الفروع، وأما في باب الأصول تركوا قوله. هذا ليس تعظيما للشافعي، بل هذا إهانة للشافعي. لو أرادوا أن يحققوا الحق في هذه المسألة، أنهم إذا تراهم، ماذا في مثل هذه المجتمعات، في بلادنا، وفي خارج بلادنا، يقول: نحن الشافعية، أنتم لا تحبون الشافعي، الشافعي فعل، الشافعي ترك، الشافعي الذي كذا، الذي كذا، يضخمون، يضخمون. فإذا أردت أن ترى مقدار الشافعي عندهم، قالوا: تريدون أن تعفوا؟ أين الشافعي عندنا؟ هذا مقداره في الفروع، ما هي الفروع عندكم؟ طهارة، صلاة، هذا الشافعي، نعم، طيب العقيدة، الشافعي لن يأخذ بقوله. ولهذا من من الشافعية في هذا الأزمان، مثلا الذي يقول بعقيدة الشافعي الحقيقية؟ الشافعي يقول باستواء الله، الشافعي يقول بإثبات الأسماء والصفات، الشافعي يقول بإثبات رؤية الله عز وجل. للأسف نرى كثيرا من الشافعية في هذا الأزمان، ترى هم ليسوا على عقيدة الشافعي، إنما أشاعرة، أشاعرة، أو يقول بقول المعتزلة. فنحن نلزمهم بمسلك ماذا سلكوا، وهو مسلك خطأ، لكن تنزل على مسلكهم، إذا أرادوا أن يعظموا الشافعي، فليعطوه حقا من الإعظام في الفروع، وفي الأصول، على تقسيمهم، يعظم في الأصول، ويعظم كذلك في الفروع. أما أنكم تضخمونه، ثم في نهاية أمر، يصل إلى حد الفروع فقط، يقلد، وفي الأصول يترك، دينه، مذهبه، لا، يا عبد الله، فإن هذا من الخلط والخبط. فالمؤلف، رحمه الله تعالى، أثبت من هذه الأحاديث، وقد مرت هذه المسألة قديما في أوائل الرسالة، في بيان على أن الله جل وعلا يرى يوم القيامة، وهذه الأحاديث قد تواترت في هذا الباب. ثم قال المؤلف، رحمه الله تعالى: واعلم، رحمك الله، أنه ما كانت زندقة قط، ولا كفر، ولا شك، ولا بدعة، ولا ضلالة، ولا حيرة في الدين، إلا من الكلام، وأصحاب الكلام، والجدل، والمراء، والخصومة. أي أراد المؤلف، رحمه الله تعالى، في هذه المسألة أن يذكر ما هي العوامل التي أدت إلى فشو مثل هذه المظاهر، مظاهر الكفر، والزندقة، والشك، والريب، الذي قدح في قلوب الكثير من العباد، من العوامل الذي ساهمت في نشر هذه المظاهر المرضية. قال المؤلف، رحمه الله تعالى: الكلام، وأصحاب الكلام، والجدل، ويعني المؤلف، رحمه الله تعالى، بأصحاب الكلام، هم أهل البدع، فإن من الإطلاقات التي أطلقها أهل السنة والجماعة على المبتدعة، أنهم سموهم بأهل الكلام. ولها إطلاقات، أسباب، ليس هذا مقام ذكرها، لكن نعلم أن من إطلاقات أهل السنة على المبتدعة، أنهم يسمونهم بأهل الكلام. يقول شيخ الإسلام، رحمه الله تعالى: «والسلف والأئمة ذموا أهل الكلام المبتدعين، الذين خالفوا الكتاب والسنة، ذموا أهل الكلام». من هم أهل الكلام المبتدعين، الذين خالفوا الكتاب والسنة؟ فشيخ الإسلام، رحمه الله تعالى، وهكذا جماعات من العلماء، أطلقوا، لغض علم أهل الكلام، على المبتدع. وكذلك من الأسباب التي أدت إلى ظهور الزندق، والكفر، والنفاق، هو الجدل، والخصومة في الدين. السلف، رحمه الله تعالى، حذروا من طريق الجدل، وأن الجدل في دين الله جل وعلا، عاقبته ليست حميدة، ليست حميدة. ولها تواترت النقلات عن سلفنا الصالح، بالمنع، ومن التحذير من اتخاذ مسلك الجدل في النواحي الشرعية، وفي المسائل الشرعية. بل الأدلة الشرعية دلت على ذلك، قال عليه الصلاة والسلام: «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل». أناس كانوا على هدى، ثم ضلوا عن سواء السبيل، سبب هذا الضلال، أنه ماذا؟ جاءهم هذا الضلال من قبل الجدل. ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل، فالجدل، يا عبد الله، ليست بمحمدة، بل مذمة، أنك تسلك مسلك الجدل في كلامك، وفي نقاشك، وفي بحثك للحق، وفي أخذك المسائل الشرعية، هذه ليست بمحمدة، بل هذه بمنقبة. وقد تواتت النقولات بذكر العلماء، كما ذكر ذلك البغوي في «شرح السنة»، الإجماع، إجماع السلف، على أن السلف قد نهوا عن الجدل، ونهوا عن الخصومات، نهوا عن الجدل، وعن الخصومات. والسر، إخواني في الله، في نهي السلف عن الجدل، لأن الجدل، والمجادل، عندما يقوم بالجدل، ما الذي يريد من جداله؟ الذي يريد من جداله ماذا؟ هو أن ينازع الخصم، ينازع خصمه، هذا همه، ليس هدفه أنه يأخذ الحق، من ذا، ومن ذا؟ لا يدخل إلى باب الجدال، نيته، ورايته، أنه كيف يتغلب على عدوه، وكيف يكسر شوكة خصمه، هذا تفكيره، ولو أداه ذلك إلى, أنه ماذا؟ يدخل بغير علم، أو يتكلم، أو يتقول على الله بغير علم، أو أنه يتكلم بغير حجة، يدخل في كل مسلك شرعي، وغير شرعي، لأن همه، ومراده، أن يتغلب على خصمه. وهذه طريقة خاطئة، طريقة منحرفة. فإن المسلم إذا دخل في باب البحث عن المسائل الشرعية، والبحث كذلك في الأمور الشرعية، فليكن همه، أنه ماذا؟ أنه يدل، وأنه يهدى للحق، هذا همه، أنك كيف تهتدي للحق، ليس أنك كيف تهتدي إلى إسقاط خصمك. فالفرق بين الجدل، وبين البحث عن الحق. ولهذا تواترت، أهمة، نقولات السلف، على ذم الجدال، وأن هذا الجدال لا ينفع. ولها ذكر الخطيب البغدادي، رحمه الله تعالى، على أن السلف ذموا الجدل لأمرين اثنين. ذكر الخطيب، على أن السلف ذموا الجدل لأمرين اثنين، الأمر الأول: أنه بغير حجة، أنه بغير حجة، تجد أحدا يدخل في مناظرة، لمدة ساعات، وقد تستديم هذه المناظرة لعدة أيام، أو كذلك أشهر، عبارة عن لقاءات تلو اللقاءات، ومناظرات تلو المناظرات. ثم تجد هذه المناظرات كلها قائمة على غير حجة، ليس معه آثار من علم، لا كتاب، لا أدلة من الكتاب، ولا أثر من سنة، وإنما عبارة عن كلام ماذا؟ كلهم تخرصات، وتخمينات، وتلفيقات، من هنا، وهنالك. فالغالب، الجدل يكون بغير حجة. قال الخطيب البغدادي: أو أنه يكون بعد ظهور الحق، أن غالب الجدل يكون بعد ظهور الحق، ترى الحق ظهر، ومع ذلك ماذا؟ يغض الطرف عن الحق، فلا يبالي به، فيستمر في جداله، لماذا؟ لا يبالي بالحق، لأن الحق ظهر على يد غيره، ولم يظهر على يده. فشاهد، إخواني في الله، فالمؤلف، رحمه الله تعالى، حذر من الجدل، لأن ذلك من المسالك الذي ما توصل صاحبها للحق. ونقل عن بعض السلف، كما نقل عن الجعد بن درهم، الضال المضل، أنه كان في زمنه يقوم بمناقشة، وبمجادلة، بعض علماء السنة. فكان من فعله، وصنيعه، أنه قبل أن يذهب إلى الجدال، ويسأل علماء السنة، ماذا كان يفعل؟ كان يغتسل، فكان يسأل عن ذلك، عن سر الغسل عند كل لقاء، فقال: إنه أنشط للعقل، إنه أنشط للعقل، هذا نهاية الجدل. كان الأحرى به ماذا؟ أنه قبل الجدال، وقبل النقاش، وقبل السؤال، أن يصلي، الله عز وجل، أن الله يفتح ماذا؟ يفتح صدره، ويفتح قلبه لدينه، وأن يرفع كفة السماء، وكفة الضراعة، يدعو ربه جل وعلا، يدله على الحق، وأنه ماذا؟ أن يشأل، أن يسأل، أن يسال صدر الحق. لكن ما الذي يفعل؟ لا، ليس همه، أماذا؟ أنه يستقبل الحق، وإنما همه، كيف أن يكسر خصمه، فماذا يفعل؟ فيغتسل، ماذا؟ حتى ينشط جسمه، وينشط عقله، حتى ماذا؟ يخصم العلماء، ويرد ماذا؟ ما يطلقونه، أو ما يذكرونه من أدلة، ومن حجج. فالسلف، إخواني في الله، ذم هذا الأنف، لهذا قال مؤلفنا، رحمه الله تعالى، في نهاية كلامه: «والعجب كيف يشتري الرجل على المراء، والخصومة، والجدال، والله تعالى يقول: ﴿ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا﴾، فعليك بالتسليم، والرضا بالآثار، وأهل الآثار، والكف، والسكوت». فالمؤلف، رحمه الله تعالى، استدل بهذه الآية على ذم الجدل: ﴿ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا﴾، أي أن الذي يتخذ يتخذ الجدل طريقة، ومنهجا، فإنما قد شابه الكفار، فإنما قد شابه الكفار. لكن، إخواني في الله، نقول: هذا الأصل، نقول: هذا الأصل، الأصل أن الجدال مذموم، الجدال مذموم، لكن من باب التمحيص، من باب تحقيق المسألة، الجدال ينقسم إلى قسمين: إلى جدال مذموم، وإلى جدال محمود. ولها ذكر العلماء أن الجدال جاء ذكره في القرآن، فيما يقارب تسعين، وعشرين موضعا، جاء الجدل، ذكر الجدل في القرآن، أو الجدل، والمجادلة في القرآن، في تسعين، وعشرين موضعا. في غالب مواطن، ومواطن القرآن، يأتي الجدل في مساق المذمة، في مساق الذم، إلا في أربعة مواضع، في أربعة مواضع، جاء الجدل ماذا؟ على أنه محمود، على أنه محمودا. فعلى هذا استدل العلماء على أن الجدل ينقسم إلى قسمين: إلى جدل باطل، وإلى جدل محمود. أما الجدل الباطل، وهذا الذي قد تم ذكره، أنك تجادل، يا عبد الله، بغير حجة، أو أنك تجادل، يا عبد الله، فيما ليس لك به علم، أو أنك، يا عبد الله، تجادل لماذا؟ لتدفع حق، لتدفع حق، وترد حق، أو أنك تجادل لكي تأتي، وتنصر باطلا، هذا الجدل كل مذموم، وعليه تنزل العبارات، والنقولات، وإجماعات السلف على ذم الجدل. أما إن كان الجدل على خلاف ذلك، إذا كان الجدل من باب إظهار الحق، إظهار الحق، فهذا جدال محمود، يشكر عليه صاحبه. وقد أثر ذلك عن سلف صالح، أنهم قد دخلوا في باب الجدال، كما أثر ذلك عن ابن عباس، رضي الله تعالى عنه، أنه جادل الخوارج، جادل الخوارج. وهكذا نقل عن عمر بن عبد العزيز، رحمه الله تعالى، أنه ناقش، وجادل جماعات من القدرية، ومن الخوارج، وغلبهم، وانتصر عليهم. وعلى هذا كانت تتم المجادلات، تارة، وتارة، بين أهل السنة والجماعة، وبين المخالفين، وذلك عند الحاجة، وذلك عند الحاجة. وكذلك أن يكون القصد من هذا الجدال إثبات الحق. وقد تكلم الإمام الشوكاني، رحمه الله تعالى، بكلام بديع، يحسن ذكره في هذا المقام، لكي نعلم، ونفقه أن الجدال عند أهل السنة ينقسم إلى قسمين. قال الشوكاني، رحمه الله تعالى، هو يعلق على هذه الآية التي دلل بها المؤلف في قوله تعالى: ﴿ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا﴾، قال الشوكاني: «المراد الجدال بالباطل»، أي هذه الآية تحمل على الجدال بالباطل. قال: «والقصد إلى ضحض الحق، كما في قوله تعالى: ﴿وجادل بالباطل يضحض به الحق﴾، فأما الجدال لاستيضاح الحق، ورفع اللبس، والبحث عن الراجح، والمرجوح، وعن المحكم، والمتشابه، وما يتعلق به المبطلون، ورد ما يتعلق به المبطلون من متشابه هذا القرآن، وردهم بالجدال إلى المحكم، فهو من أعظم ما يتقرب به المتقربون». فإذا كان الجدال لنصرة الحق، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وجادلهم بالتي هي أحسن﴾، أما ربنا بالجدال، لكن ينبغي أن يكون الجدال بالتي هي أحسن. وهذا يجرنا كذلك على القول على القول بأن الجدال يكون محمودا، وذلك لنصرة الحق، لابد، لابد أن يكون هذا الجدال بالتي أحسن. لا ينفع أن يقام جدال، ولو كانت نيتك، ولو كانت همتك لإظهار الحق، لكن بخلق دنيء، بخلق دنيء، كان يكون في جدالك سب، أو يكون في جدالك اللعن، أو يكون في جدالك القذف، أو الطعن في النيات، هذا ما يصح، ما ينبغي. ولهذا انظر، إخواني، من تكلم في أمر الجدال، كابن حزم، رحمه الله تعالى، وابن الجوزي، والشنقيطي، وجماعات من الأئمة، تكلموا عما يتعلق بالمناظرات، والحوارات، والجدال، نبغوا على هذه الأمور، على أن الجدال، مع أنه جدال بالحق، لكن ينبغي أن يكون بأحسن، بأحسن ماذا؟ بأحسن الأخلاق، والآداب. أما نسمعهم من بعض الجدالات، والمناظرات، التي تقام بين بعض الفرق، منهم من ينتسب للسنة، مثلا، لكن يجعل جداله مخلوطا ببعض الآداب المتردية، من السب، والطاعن، أو الاستهزاء، هذا ما ينبغي، هذا مما لا ينبغي. ومن تمعنا لجدال السلف مع المخالفين، ترى أن مع قوة علمهم، قوة ما تأدبوا به من أدب القرآن، والسنة. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك، والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه، وسلم. والله تعالى أعلم.