الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 50، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح فضل الله على العباد وعدله في تفضيل بعضهم على بعض، ويحذر من القول بأن فضل الله على المؤمن والكافر سواء. يُبين أن الله يفضل العباد بحكمته وعدله.
يؤكد أهمية النصيحة في الدين كعماد له وقوامه، ويحذر من كتمانها. كما يشرح توزيع الله للأرزاق بين العباد بحكمة.
يناقش وجوب النصيحة للمسلمين كفرض كفاية، ويحذر من كتمانها باعتباره غشًا وخيانة لله ورسوله.
يتضمن دعاء بأن ينفع الله بما قيل، ويذكر الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مع التأكيد على أن الله تعالى أعلم.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وأما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: «وعلم أن الله فضل العباد بعضهم على بعض في الدين والدنيا، عدلًا منه لا يقال: جار ولا حاب، فمن قال: إن فضل الله على المؤمن والكافر سواء، فهو صاحب بدعة، بل فضل الله المؤمنين على الكافرين، والطائع على العاصي، والمعصوم على المخذول، عدل منه هو فضله، يعطي من يشاء ويمنع من يشاء». أورد الإمام البربهاري رحمه الله تعالى هذه الفقرة في رسالته الموسومة بشرح السنة، مبينًا فضل الله جل وعلا على العباد، حيث من حكمة الله جل وعلا أنه فاضل بين العباد في أمر الدنيا والدين. في أمر الدنيا والدين، وكل ذلك عدل منه جل في علاه، فإن أعمال الرب قائمة على الحكمة. أعمال الرب قائمة على الحكمة، فليقال كما قال المؤلف: لا جار ولا حاب. وإنما حكمة الله جل وعلا أن جعل العباد على هذا الحال، فهم مختلفون في أمور الدنيا، وهكذا مختلفون في أمور الدين، فمنهم المؤمن ومنهم الكافر، ومنهم الفاجر ومنهم التقي، ومنهم الشقي ومنهم السعيد، وكل ذلك بفضل من الله جل وعلا فضل العباد بعضهم على بعض. وهكذا قل في أمر الدنيا، فإن الله جل وعلا فاضل بين العباد في أمر الدنيا، فمنهم الغني ومنهم الفقير، وهذا كذلك راجع لحكمة الله سبحانه وتعالى. يقول ربنا جل وعلا مبينًا فيما يتعلق بتوزيع الأرزاق: ﴿إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر إنه كان بعباده خبيرًا بصيرًا﴾، فأخبر ربنا جل وعلا أنه يبسط الأرزاق لمن شاء، وأنه يقدر أن يقلل في الأرزاق لمن شاء، ثم علق ربنا جل وعلا هذا التقطير وهذا البسط في الأرزاق، قال: ﴿إن ربك كان بعباده خبيرًا بصيرًا﴾، فحكمة الله جل وعلا كانت الأرزاق توزع عباد على هذه الناحية، فمنهم الغني ومنهم الفقير، فربنا أعلم بعباده. فلن يقال بعد ذلك بأن الله جل وعلا فاضل بين العباد أو يقول الله جار بين العباد. وقد مر ذلك إخواني في الله، لو تذكرون في مسائل متعلقة بالظلم، وأن الله جل وعلا منزّه عن الظلم، وأن أعمال الرب سبحانه وتعالى قائمة على الحكمة. ثم قال مؤلفنا رحمه الله تعالى: «ولا يحل أن تكتم النصيحة للمسلمين برهم وفاجرهم في أمر الدين»، فمن كتم فقد غش المسلمين، ومن غش المسلمين فقد غش الدين، ومن غش الدين فقد خان الله ورسوله والمؤمنين. أمر النصيحة إخواني في الله من الأمور العظيمة في دين الله جل وعلا، بل إن النصيحة هي عماد الدين وهي قوام الدين، قال عليه الصلاة والسلام: «الدين النصيحة»، قال ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى في معنى قول نبينا عليه الصلاة والسلام: «الدين النصيحة»، أي: قوامه وعماده. المؤلف رحمه الله تعالى في هذه الفقرة فأراد أن يتكلم عن النصيحة العامة، وهي النصيحة لعامة المسلمين، فقال: «ولا يحل أن تكتم النصيحة للمسلمين»، وقوله: «ولا يحل» أي دل ذلك على أن ذلك من الواجبات، ولهذا ذهب جماعة من أهل العلم أن النصيحة للمسلمين فرض كفاية، أن النصيحة للمسلمين فرض كفاية، لابد أن ينبري لهذا الباب جماعة من الناس يقومون بالنصح. وقول المؤلف رحمه الله تعالى: «فمن كتم فقد غش المسلمين»، كونك يا عبد الله أن ترى ما يستوجب النصح ثم لا تنصح وتكتم النصيحة، هذا يعتبر منك غشًا للمسلمين. ويدل على هذا ما جاء في الصحيح في قصة ذاك الرجل الذي مر عليه نبينا عليه الصلاة والسلام وكان يبيع طعامًا، فقام نبينا عليه الصلاة والسلام وأدخل يده في الطعام فوجد فيها بللًا، فقال عليه الصلاة والسلام: «يا صاحب الطعام ما هذا؟»، فقال الرجل: «يا رسول الله أصابته السماء»، فقال عليه الصلاة والسلام: «ألا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس»، أي: كونك تدعي بأن هذا الطعام الذي في الأسفل أصابه البلل والناس ما يدرون. فسمى نبينا عليه الصلاة والسلام هذا الكتمان، كونك تكتم هذا العيب، فهذا ماذا؟ من الغش، «من غش فليس منا»، أي: ليس من هذه الأمة. والنصيحة إخواني في الله تعظم في مواضع، وأعظم النصيحة تكون لمن تحت يدك. وأمر النصيحة إخواني في الله من الأمور العظيمة التي كان السلف يتواصون بها، سئل ابن المبارك رحمه الله تعالى: «أي الأعمال أفضل؟»، قال: «النصح لله»، أن تكون هذه النصيحة قائمة لله وفي الله. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.