شرح السنة للإمام البربهاري 99

شرح السنة للإمام البربهاري 99

الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 99، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

قاعدة التعامل مع المسلمين وأصل السلامة

يناقش الأصل في التعامل مع المسلمين حيث يبين أن الأصل في المسلم السلامة، وأن المستور من الناس يجب أن يبقى ستره. يتناول أيضًا مسألة خلافية حول ما إذا كان الأصل في المسلم العدالة أم لا.

معاملة المسلم المستور وأحكام التعامل معه

يناقش معاملة المسلم الذي لا يعرف حاله، حيث يُعامل على أساس ستره حتى يظهر منه ما يخالف الشريعة. يُشترط ظهور مخالفة شرعية لمعاملة المسلم بغير الستر.

تطبيق أصل السلامة في معاملة الناس

يجب معاملة الناس على أصل السلامة حتى يظهر ما يخالف ذلك، فيعامل الشخص على أنه مستور حتى يأتي ما يخرجه عن ذلك. يجب الحفاظ على حقوق الناس وعدم الإساءة إليهم ظلمًا.

  • 10 جمادى الأولى 1446هـ - 11/11/2024مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، يقول المؤلف رحمه الله تعالى: والمستور من بان ستره، والمهتوك من بان هتكه. في هذه الفقرة، إخواني في الله، نبه المؤلف رحمه الله تعالى على قاعدة عامة من قواعد التعامل أهل الإسلام بعضهم لبعض، فبين أن هناك من أهل الإسلام من هو في حال الستر، والمستور هو الذي لم يظهر منه شيء، لم تظهر منه ريبة ولا شيء، فهذا المستور قال: المستور من بان ستره، والمهتوك من بان هتكه، والمهتوك هو الذي يتعدى حدود ما أنزل الله جل وعلا، وينتهك حرمات الله جل في علاه. وهذه العبارة، إخواني في الله، ترجعنا إلى قاعدة عظيمة ذكرها العلماء قديمًا وحديثًا، وهي قاعدة تعامل وتعارف عليها السلف، وهي أن يقال: إن الأصل في المسلم السلامة، الأصل في المسلم السلامة، فمن كان من المسلمين ومن دخل في الإسلام فإنه على أصل السلامة. وهل يقال: الأصل فيه العدالة؟ هذه مسألة خلافية، واختلفت أنظار العلماء في هذه العبارة، وهل تطلق أو لا تطلق؟ فبعض العلماء انتقد هذه العبارة، وينقل ذلك عن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أنه انتقدها، كما في مجموع الفتاوى، حيث قال رحمه الله تعالى: من يقول إن الأصل في المسلم العدالة، فهو قول باطل، أي لا تقول: إن الأصل في المسلم العدالة، بل قال: إن الأصل في بني آدم الظلم والجهل. واستدل نقل هذا أن هذا المذهب وهذا القول هو قول كثير من العلماء أنهم لا يقولون: إن الأصل في المسلم العدالة. ووجه ترجيح هذه المسألة يقولون: بأن العدالة هو وصف زائد، فالمسلم على إسلامه بالسلامة، أما نقول: إنه الأصل في العدالة، من أين جاءت العدالة؟ فالعدالة وصف طارئ، ما يمكن لأي مسلم أن يتصف بالعدالة إلا بشيء زائد، فكيف نقول: كل مسلم عدل؟ واستدلوا بالآيات الكثيرة من القرآن، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، هل يمكن أن تأتي بأي شخص على الطرف تقول: هذا عدل؟ لا، العدل شيء وصف زائد. ولهذا بعضهم لا يرى صحة العبارة، ولا يرى إطلاق العبارة، فلا تقول: إن الأصل في المسلم العدالة. ومنهم من يرى جواز ذلك، وتم الخلاف في تحديد مفهوم العدل، ومن مراد من مصطلح العدل، فتم النزاع في هذا الباب. ولهذا بعضهم يفر من هذه العبارة ويقول: إن الأصل في المسلم السلامة، وهذه العبارة لا غبار عليها، فالأصل أن المسلم على السلامة، والأدلة العامة تدل على ذلك. فكل ما كان من المسلمين فإن الحقوق تؤدى له، شخص من المسلم ما ظهر منه شيء، لا زال على الستر، ما ظهر منه ريبة، وما ظهر منه شيء من النفاق أو شيء من الابتداع أو شيء من الإحداث لا تعرف عنه شيء، فهذا مستور، كيف التعامل معه؟ تعامله كمعاملة أي مسلم، تعامله معاملة أي مسلم في الصلاة. وقد مر ذلك معنا وتذكرون في باب الصلاة حول الصلاة خلف المستور، وكيف أن أهل السنة والجماعة منهم من نقل الاتفاق على جواز الصلاة خلف من ستر حاله، ونقل الشيخ السلام رحمه الله تعالى أن هذا مذهب أهل السنة والجماعة، أنك إذا دخلت مسجدًا ولا تعرف من هذا الإمام، فالأصل أنك تصلي خلفه، لماذا؟ لأن الأصل في المسلم الستر، الأصل في المسلم السلامة. هذا إمام ما عندك شيء عن هذا الرجل، فالأصل أنك تصلي خلفه على القاعدة: الأصل في المسلمين السلامة، حتى في باب البيع والشراء. وكذلك نبه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى على هذه الفقرة، فقال رحمه الله تعالى في مجموع الفتاوى حول البيع: وأما المسلم المستور فلا شبهة في معاملته أصلا، قال: فمن ترك معاملته ورعًا، كان قد ابتدع في الدين بدعة. هذا في حق من ترك التعامل مع المستور، يعني أنت مثلًا في بيعك وشرائك تجد رجلًا في محل، مثاله أو صاحب تجارة بضاعة، وأنت لا تعرف عنه شيء، ما أخبرت عنه ولا بلاغ لك عنه شيء، فضلًا أنك لا تدري، وما نظرت في أفعاله حتى تحكم عليه، ما عندك خلفية عن هذا الرجل، يبيع يشتري، فقل: يا أخي، ما ستتعامل معه؟ هذا ليش؟ ما ستتعامل معه؟ هذا يعني قل: ما أعرف عنه شيء، فلا، لا تقول: لا تعرف عنه شيء، الأصل السلامة، الأصل أنك تعامل الناس على السلامة، مستور الحال. فالأصل أنك تعامل، أما أنك تدخل في الورع، فإن هذا من البدع، لأن هذا سيؤدي إلى ماذا؟ إلى أنك تقاطع الكثير من المسلمين، من ذا الذي يعرف المعرفة التامة بأحوال المسلمين الظاهرة والباطنة؟ ما يمكنك الواحد منا لو تعرف على أشخاص أو على مئات، ما استطاع أن يستوعب الآلاف، فضلًا عن مجتمع بآلافه وبملايينه، كيف تحصر الناس وتعرف الظاهر والباطن؟ فستدخل في دين بدعة أنك تجعل هذه السنة من لا يعرف حاله لا تتعامل في بيع ولا شراء، لا يعبد الله. الأصل في المسلم الستر، فمن كان على الستر، ومن كان على أصل السلامة، فيعطى حقوقه من البيع والشراء والصلاة خلفه والصلاة معه، وغيرها من أحكام الدين، والأدلة الشرعية تدل على ذلك، بخلاف من ظهر هتكه، من ظهر هتكه، من ظهر معصيته، من ظهر بجعته، فهذا يتعامل على حسب ما ظهر لنا منه. ولهذا يقول عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، مبينًا هذه الطريقة: يقول إن الناس كانوا يؤخذون بالوحي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، الوحي كان ينزل، ينزل ويخبر نبينا بأحوال الناس، حتى في بواطنهم، حتى في البواطن، الوحي يكشف ما في البواطن من أهل النفاق وأهل الغدر والخيانة، فكان ذلك عن طريق الوحي. قال: كان الناس يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن الوحي قد انقطع، وإن الوحي قد انقطع، قال: فما لنا إلا ما ظهر من أعمالكم، ما ظهر لنا إلا ما ظهر من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيرًا أمناه وقربناه، أمناه وقربناه، وليس لنا من سريرته شيء، فهذا الأصل، فالعمل على الظاهر، العمل ماذا؟ على الظاهر. فإذا كان ظاهر السلامة، السلامة، أظهر شرًا، أظهر خبثًا، أظهر بدعة، يعامل على ذنبه وعلى تقصيره وعلى تفريطه في الدين، أما ما أظهر لنا شيء من هذا، فالأصل السلامة. وعلى هذا الناس يعامل الناس. ومن هنا، إخواني، نعلم خطأ ما عليه الكثير من الفرق والجماعات التي ظهرت في الساعة، إن لم ترتض أصل السلامة، لم ترتض أصل السلامة، فالشريعة بينت على أن المسلم إذا دخل في دين الله فهو على السلامة، تعطى حقوقه من الإعانة والمساعدة وعيادة المريض واتباع الجنائز وبيعه وشرائه والنكاح، ومن إلى آخره. حتى العلماء يسألون مسائل، يعني يأتينا اللحوم، يأتينا أطعمة، يأتينا مأكولات من جار فلان، من الجار فلان، كيف العمل؟ تأتي الفتاة والعامة المجمع عليهم على أن إذا كان هذا الجار من المسلمين، وما ظهر منه شيء، الأصل قبول، تقول: هديته، يأتيك بلحم، وهذا الجار هل ظهر منه شيء؟ ما ظهر منه شيء، فالأصل السلامة، دع عنك الورع، دع عنك ما هذه الأشياء. لكن نعم، بقي مسألة وهي القول الأصل أن المسلم على الستر، لكن وقد لا يظهر منه شيء من انتهاك حرمات الله، لكن بقي مسألة تسمى القرائن، تسمى القرائن، فالقرائن قد يعمل بها، الرجل صحيح في نفسه لا عليه غبار، لكن هناك قرائن أخرى تحف حول هذا الشخص، وعلى هذا الوصف، لربما تؤثر فيه وتؤثر في معاملته. فهنا ذكر من ذكر من العلماء أن على جواز إساءة الظن لمن حفته القرائن، وهذا سيأتينا بأوضح من هذا في مسألة ما يتعلق حول مصاحبة المبتدعة، مصاحبة المبتدعة، فإن أهل السنة والجماعة يعملون بهذه القرينة، الرجل تنظر في حاله، ليس عليه فعل من فعل المبتدعة، ولا يتلفظ بمقالات المبتدعة، لكن صحبته مع المبتدعة، ولهذا ذهب جماعة من أهل العلماء أن هذا يلحق بهم، يلحق بهم إما تعزيرًا وإما توبيخًا وإما احتياطًا وخوفًا منه أنه قد تشرب بهذا. فهذه قرينة كونه يصاحب فلان ويدخل على فلان، هذه قرائن تؤثر فيه، وإن لم يظهر منه شيء من كلامه أو من عباراته، ما ظهر منه شيء، لكن هذه القرينة التي صاحبته قد تؤثر فيه، قد تؤثر، هذا سيأتينا كما قلنا في مسألة ما يتعلق بإلحاق أهل السنة لبعض الناس بأهل بدع لمصاحبتهم ولمدخلهم وممشاهم. فالشاهد، إخواني في الله، يقول المؤلف: المستور من بان ستره، فنقول: الأصل، إخواني في الله، أن من كان على سلك الإسلام فهو مسلم حتى يظهر منه شيء، فإذا ظهر منه شيء، حين يعامل المعاملة اللائقة به، طبعًا ظهور شيء، ظهور شيء من هذا المستور لابد أن يكون ظهور شرعي، يعني ظهر منه معصية، ظهر منه بدعة، ظهر منه نفاق، ظهر منه كفر، ظهر منه شرك، أشياء شرعية. إذا ظهرت منه مخالفات شرعية، ظهرت منه حين يعامل معاملة أخرى، يخرج عن نطاق الستر إلى النطاق ماذا؟ التعزير أو التوبيخ أو التشهير أو التعيير، مسائل أخرى لها جانب آخر، لكن نقول: لابد أن يظهر منه مخالفات شرعية. وأما ما عليه كثير من الجماعات وكثير من الدعوات أنهم خرجوا عن هذا النطاق، فعندهم ليس الأصل في المسلم الستر أو السلامة، لا، إنهم يقولون: من كان من المسلمين فهو ناقص، بماذا يكمل؟ يكمل بمبادئهم، ويكمل بمناهجهم، فعندهم مثلًا إذا هم جماعة من الجماعات في مجتمع إسلامي، والناس على الأصل السلامة، على أصل الستر، فتراهم لا يتعاونون إلا من كان مع جماعتهم، من كان على منظومتهم، من كان معهم في عضويتهم، فهذا يعطى له حقه الكافي الموفى، مع أن الآخر هو نفسه من أهل الإسلام، من المصلين، وهو لا زال من أهل الستر، إن لم يظهر منه شيء، فهو لا يعطى حقه كاملًا موفى، لماذا؟ لأنهم اشترطوا شرطًا زائدًا عن الإسلام، وهو ماذا؟ وهو الدخول والانضمام، وما يسمى الولاء الضيق، الولاء الضيق. وهكذا قس في عالم الجماعات، منهم من أضاف ما يسمى بمفهوم ما يسمى المصطلح الأدنى، المصطلح أو مفهوم الأدنى، وهذا ابتكار لبعض الجماعات المعاصرة، يرون أن المسلم، أن الرجل إذا دخل في الإسلام يدخل مباشرة في الإسلام، قال: لكن يعطى له الحقوق المسلمين بشيء يسمى الحد الأدنى، بشيء يسمى عندهم الحد الأدنى، ما هو الحد الأدنى عندهم؟ أنه يعرف أن هذا الرجل قد ابتعد عن الفواحش، وأنه ارتكب وعمل بالواجبات والطاعات، فإذا علمنا نوصل إلى هذه الدرجة، يعطى له اسم الإسلام، وإذا ما وصلنا وما تعرفنا وما بلغنا عنه نوصل إلى هذا الحال، فهو يخرج من الإسلام، لماذا؟ لهذا المفهوم ما يسمونه عندهم بالحد الأدنى. وهذا كما يقال: بيدعمه الأقوال، الأصل من دخل في الإسلام فإنه ماذا؟ يبقى على الستر، ويبقى على السلامة، حتى يأتي بما هو يخالف السلامة من أقوال ومن أفعال، جاءت الدلالة الشرعية على أنها تخالف الشريعة، فهذه قاعدة، إخواني في الله، ينبغي العمل بها. فالمستور من بان ستره، فيعامل على أصله، فلا يساء به الظن، ولا يتجسس عليه، ولا يؤكل ماله، ولا يباح دمه، ولا عرضه، بل يبقى على أصل السلامة وعلى أصل الخير، حتى يأتي ما يخرجه عن هذا الحيز. فأسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.