الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 108، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح هذا الفصل خطورة البدعة مقارنة بالمعصية، ويبين أن البدعة أشد وأضر على الأمة من المعصية. يستند الشرح إلى أقوال السلف وأدلة من السنة النبوية.
يفصل هذا الفصل الفرق بين المبتدع والعاصي، ويوضح أن المبتدع يرى الدين ناقصاً بينما يعترف العاصي بكمال الدين. يشدد على أن البدعة أضر على الأمة من المعصية.
يتناول هذا الفصل ضرورة التفريق بين المبتدعة في التعامل حسب درجة بدعتهم، ويشدد على أهمية فهم عبارات السلف في سياقها وعدم تطبيقها بشكل عام دون تمييز.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وإذا رأيت الرجل من أهل السنة رديء الطريق والمذهب، فاسقا فاجرا صاحب معاصي ضالا وهو على السنة، فاصحبه واجلس معه، فإنه ليس يضرك معصيته. وإذا رأيت الرجل مجتهدا في العبادة متقشفا محترقا بالعبادة، صاحبه فلا تجالسه ولا تقعد معه ولا تسمع كلامه ولا تمشي معه في طريق، فإني لا آمن أن تستحلي طريقته فتهلك معه. ورأى يونس بن عبيد ابنه وقد خرج من عند صاحب هوى، فقال: يا بني من أين جئت؟ قال: من عند فلان. قال: يا بني لأن أراك خرجت من بيت خنثة أحب إلي من أن أراك تخرج من بيت فلان وفلان. ولأن تلقى الله يا بني زانيا فاسقا سارقا خائنا أحب إلي من أن تلقاه بقول فلان وفلان. ألا ترى أن يونس بن عبيد قد علم أن الخنثة لا يضل ابنه عن دينه، وأن صاحب البدعة يضله حتى يكفره. في هذا الفقر، إخواني في الله، بطولها وتمامها، أشار المؤلف رحمه الله تعالى إلى مسائل مهمة ينبغي التنبه إليها، والمقام لا يسع إلى التفصيل والتبين فيها، فحسبنا أن نشير إشارات إلى أهم المسائل التي تطرق إليها المؤلف رحمه الله تعالى. فمن أهم المسائل، وهي هذه الآثار المنقول عن سلفنا الصالح، كيف تفهم؟ كان يقول يونس بن عبيد رحمه الله تعالى: يا أبني من أين جئت؟ وقال: لأن أراك خرجت من بيت خنثة أحب إلي من أن أراك تخرج من بيت فلان وفلان. ولن تلقى الله زانيا فاسقا سارقا خائنا إلى آخر العبارات هذه. إخواني في الله، هذه الآثار ينبغي قبل أن تذكر أن تؤصل بمسألة مهمة، وهي: أيهما أشد وأيهما أضر، المعصية أم البدعة؟ ويهما أخطر، العاصي أم المبتدع؟ فعلى ضوء تأصيل هذه المسألة، بعد ذلك يا عبد الله، تعرف مراد السلف رحمه الله تعالى. خلاصة الكلام، إخواني في الله، في المقارنة بين السنة والبدعة، أو القول: معصية والبدعة، وبين المبتدع والعاصي، الأدلة قد أثبتت وقد دلت على أن البدعة شر وأضر من المعصية، ومن ثم فإن المبتدع أضر على الأمة من العاصي ومن المعصي، والأدلة الشرعية تدل على ذلك. ومن ذلك، من السنة، قوله عليه الصلاة والسلام: «وإن شر الأمور محدثاتها»، شر الأمور ليس هناك أصرح ولا أوضح من هذا الكلام البين. النبي قد أخبر أن شر الأمور التي تقع من بني آدم هي المحدثات، وهي المخترعات، وهي البدع التي يحدثها الناس في دين الله جل وعلا، فهي شر، فليس هناك شر يضاهيها أو يوازيها، فالمعاصي دون البدع، المعاصي دون البدع. وذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى الإجماع على هذه المسألة، فقال رحمه الله تعالى: إن أهل البدع شر من أهل المعاصي الشهوانية، بالسنة والإجماع، بإجماع السلف، لا خلاف بين الأمة، وبين أمة المسلمين والعلماء الدين على أن البدع شر من المعاصي. لو قرنا الرجل بين البدع والمعاصي، فأخبث داهية تقع في الأمة البدع، شرها أضر على المعاصي، نعم، هذا منهي عنه، البدع منهي عنها، وهكذا المعاصي منهي عنها. طب بماذا فاقت البدع المعصية حتى تصل إلى هذا الحجم من التحذير؟ وهكذا من التعظيم؟ أمور كثيرة التي ذكر العلماء في كتبهم منها. ومن أعظم الفوارق التي جعلت البدع أعظم من المعصية: أن البدع مع أنها أمر منهي عنه، إلا أنه ينسب إلى الدين، ينسب إلى الملة، ينسب إلى الشريعة. الذي يأتي بالبدعة ليس كالذي يأتي بالمعصية، الذي يأتي بالمعصية ما أحد يتجرأ يقول: هذه المعصية الدين أمر بها، فبالله عليكم أريتم رجل زاني يقول: الزنا أمر الله به، حاشا ما يتصور يتجرأ يقول بهذا، أو يأتي بالسرقة أو يأتي كذلك بالنهب والحرمات والمحرمات وكبائر الذنوب، هل ينسبها للدين؟ ما يتجرأ أحد إلا الكافر المرتد المنحل عن دين الله. أما المبتدع فيقول بملء الفم: هذا من دين الله، هذا من دين الله. المقالات البدعية، الأفعال الشركية، وغير ذلك من ألوان البدع ينسبها للدين، وهذا أعظم داهية، أنك تنسب شيئا منهي عنه، ثم تقول: إن الله أمر به أو النبي أمر به. وهذا يدلك على عظم البدعة أنها أعظم من معصية صاحب المعصية، ما يتجرأ أن ينسبها للدين، بخلاف المبتدع فإنه ينسبها للدين. ثم تأتي داهية ثانية، وهي: أن الذي يأتي بالبدع لا يتوب منها، وهذا من هذا الباب، لأن المبتدع عندما يبتدع البدعة يراها أنها من دين الله جل وعلا، أنها من دين الله، ولهذا يستميت عليها، يموت عليها، قاد بعضهم يعرض على السيف وعلى القتل والإعدام على أن يترك البدعة فما يتركها، يستميت لأنه قد وقع في قلبه أن هذا من صميم الدين. بخلاف العاصي، العاصي بس لو هُدد أي تهديد ترك المعصية، وحذّر من الجلد، حذّر من السجن، يتركها، لأنه كما يقال: يتوب منها، بل إذا جاءت المواعظ قبل التهديد، إذا جاءت المواعظ عن الله وعن رسول ونصح وزجر، ينزجر، ولهذا يقول سفيان الثوري رحمه الله تعالى: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، قال: إن المعصية يتاب منها، وأما البدعة فلا يتاب منها. ولاحظ أن من دخل في سلك البدعة قلّ من يتوب منهم، لأنه يدخل أن هذا دين يتعبد الله جل وعلا به. أما من دخل في سلك المعاصي فإنهم يتوبون بكثرة، إذا وجد من الناصح ومن يزجر ومن يذكر بالله جل وعلا، فإنه ينزجر. من هنا ظهرت خطورة البدعة على المعصية، أن أهل المعاصي يتوبون وينكفون، أما أهل البدع فليستميتون عليها. كذلك من الفوارق، يا عبد الله، أن صاحب البدعة يرجع على دين الله جل وعلا بالتنقص، يرمي دين الله بالنقصان، يرمي دين الله بالخلل، ويرى أن دين الله ما يكمل إلا بهذه البدعة التي أحدثها. أما العاصي ما يقول بهذا، العاصي يعرف أن دين الله كامل، وأن فعله عبارة عن خروج عن الدين، خروج عن الدين، يعرف هذا. ونخرج عن الصراط المستقيم، أما المبتدع بأن نظرته على دين الله أن دين قاصر، يرى أن دين قاصر، أن الشريعة قد أكملت، أن محمدا عليه الصلاة والسلام ما أتم الدين، وأن النقصان يكمل في استكمال بهذه البدعة، بدعة الاعتزال أو التشيع أو التجهم أو الرفض وغير ذلك، بهذه البدعة التي أتوا بها يكمل الدين. وهذا كذلك من أعظم الفوارق التي جعلت المبتدعة أعظم شرا من أهل المعاصي. وبهذا، إخواني في الله، وغيرها كثير من يتعلق ذلك بالمعاملة في الآخرة، فإن فعل البدعة والمبتدعة أضر على الأمة من فعل المعاصي ومن أهل المعصية. ومن هنا تتنزل تلكم الآثار الواردة عن سلفنا الصالح في بيان على أن البدعة أضر من المعصية، من حيث ماذا؟ ذاتها، ومن حيث كذلك ثمارها، وغير ذلك. ويستفاد كذلك من عبارة المؤلف رحمه الله تعالى فائدة عظيمة، وهو أن العبرة، يا عبد الله، بالعبادة ليس الكم وإنما النوع، ليس الشأن كل الشأن، يا عبد الله، أنك تملأ الدنيا بالعبادات، طاعة طاعة عبادة طاعة، ليس الهم أنك تكثر من العبادات، بأهم من ذلك أنك تنظر لنوعية العبادة، نوع العبادة. ولهذا المؤلف رحمه الله تعالى ماذا أشار؟ رحمه الله تعالى: وإذا رأيت الرجل مجتهدا في العبادة متقشفا محترقا بالعبادة، صاحبه فلا تجالس ولا تقعد معه. فليس العبرة أنك تملأ الدنيا بعبادات، لكن مخترعة، عبادات لكن على غير سنة. ولهذا كان يقول من سلفنا الصالح: اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة، تقتصد ولو على سنة، عندك عملك مقتصد في عملك، ليس صاحب كثرة، ليس صاحب وفرة بكثرة الأعمال، مع أنك قليل عمل لكن على سنة، هذا أحب إلى الله من رجل قد ملأ الدنيا بعبادات وطاعات وقربات، لكنها على بدعة، على ضلالة، على هوى. فليس الشاهر، يا عبد الله، في كم العبادة، وإنما العبرة، يا عبد الله، في نوعية العبادة. فمن أراد أن يتعبد الله جل وعلا، فعليه أن ينظر إلى نوعية العبادة. وأما إذا كانت العبادة على كثرتها على غير الهدى، وعلى غير هدي نبينا صلواته ربي وسلامه عليه، فإنها مردودة على وجه صاحبها. كذلك فائدة أخرى ينبه عليها في هذا المقام، لا يستغرب أحد أو يخيل في مخيلة أحد من الناس أن السلف رحمه الله تعالى يرضون بمخالطة أهل الإنحلال وأهل الفسوق وأهل المجون. كقول يونس بن عبيد رحمه الله تعالى: ولأن تلقى الله يا بني زانيا فاسقا خائنا أحب أن تلقاه. هل يظن بهذا أن السلف يهوّنون من شأن المعاصي؟ لا، يا عبد الله، لا يهوّنون، السلف من أعلى الناس بأن المعاصي لها خطر على العبد في دينه ودنياه، وأخرى. لكن هذا من باب المقابلة فقط، من باب المقابلة، من باب المقارنة، يذكرون هذا: أن هذا أهول من هذا فقط، ليس فيه تسويغ لفعل معاصي أو تهوين لأمر المعصية. فإن المعصي كذلك لا تقل خطرا من البدعة، البدعة والمعصي لهم أثر عظيم على الفرض والمجتمع في دينه ودنياه، وأخرى. لكن هنا أراد المؤلف المقارنة: هذا منهي، وذاك منهي، هذه مخالفة، وتلك مخالفة، لكن أيهما أشد؟ أيهما أعظم في دين الله؟ أنبه المؤلف رحمه الله تعالى أن من صنيع السلف ومن مقالات وعبارات السلف أن البدعة شر، يا عبد الله، من المعصية. وكذلك فيها فائدة، وهذا سيأتي في حينه، على جواز إطلاق لفظ الصني على الفاسق: رجل فاسق، قد يكون وقع في ذنوب، وقع في معاصي، فكذلك يطلق عليه سني، وأنه من أهل السنة، بخلاف من كابر وعاند، وما يسمى كما يقول: كيف نسمي اللوطي سنة؟ لا، يا عبد الله، هم في الأصل من أهل السنة، ولو كانوا فسقة، ولو كانوا فجرة، لأن السنة إنما ينظر في معتقد صاحبها. هذا سيأتي إن شاء الله في فقرات سيذكرها المؤلف رحمه الله تعالى، يتبين فيها وضع هذا المصطلح في نصابه. كذلك مسألة أخيرة، إخواني في الله، أختم بهذا المقام، وهو: هذه الآثار المنقولة عن سلفنا الصالح، آثار عظيمة. يقول يونس بن عبيد رحمه الله تعالى: يا بني لأن أراك خرجت من بيت خنثة أحب إلي من أراك تخرج من بيت فلان وفلان، إلى غير العبارات هذه. طبعا من بيت فلان وفلان من أهل أهواء. إخواني في الله، ما يتعلق بتطبيق مثل هذه العبارات وهذه الألفاظ، ينبغي أن يراعى فيها فهم السلف، فهم السلف في مثل هذه العبارات. المؤلف رحمه الله تعالى يعني قال: هذه العبارة، يعني يا عبد الله: يا بني لأن أراك تماشي صاحب معصية أحب إلي من أنك تماشي صاحب بدعة. بعض الناس يفرح بمثل هذه العبارات ويطير بها ويطبقها في واقعه، يقول: يا فلان، ويا أتباع، ويا طلاب، ويا أصحاب، ويا أحباب، لأن تماشوا العصاة أحب هذا أحب وأفضل في دين الله من أن تماشوا المبتدعة. فمن أراد بالمبتدعة أي مبتدع، أي مبتدع يأتي بهذه العبارات العظيمة ويطلقها؟ هل هذا صواب؟ إخواني في الله، لا، هذا ليس بصائب، وليس من الفهم الصحيح لعبارات السلف. هذه الطبعة التي عندنا، المؤلف رحمه الله تعالى قال: من أين جئت؟ قال: من عند فلان. طيب من فلان؟ هذا هنا علق الشارح، وهذا موجود في بعض الطبعات: أنه عمر بن عبيد، عمر بن عبيد، عمر بن عبيد، إن صح التعبير، ضع دائرة، أو ضع خمسين خطا، أو فوق هذا الاسم، يعني تنبيها لأمره. من هو عمر بن عبيد؟ رجل ضال، رجل مبتدع، رأس من رؤوس البدعة، بل له من المقالات والأفعال الكفرية، هو الذي تهجم على الصحابة، وتهجم على النبي، وتهجم على الله جل وعلا، عندما عورض بذلكم الحديث الذي في الصحيح، قال: إن سمعت من ابن مسعود لما قبلته، ولو سمعت من رسول الله لرددته، ولو سمعت من عند الله لقلت: يا رب ما على هذا أخذت ميثاقنا، اعتراض هذا الزنديق عمر بن عبيد. جاءت لك فيها قصة رواية: أنه أخذ القرآن فكان ينظر في كتاب الله جل وعلا، فتحير في ذكر موسى هنا وهنا وهنا، فاستشاط غضبا، قال: ما أكثر الله يذكر موسى هنا وهنا، فرمى المصحف. هذا عمر بن عبيد زنديق، أليس بالله عليكم هذا الرجل؟ ألا يقال في حق من هذه العبارات؟ يا بني لأن تماشي كما قال: السرقة والخيان والزنا أحب إلي أن تماشي هذا الرجل؟ نعم، يا حق، لماذا؟ لأن هذا الرجل هذا ثقله، هذا جرمه، هذه الزندقة في دين الله. أما أنت، يا عبد الله، تأتي مثل هذه العبارات قيلت في أناس هذا وصفهم، ثم تترك المقالة لجميع المبتدعة على أي مبتدع تأتي بالعبارة، هذا لا يصح. ومن يقول بهذا؟ فيا إخوان، فلابد النظر في عبارات السلف، فيمن أطلقت المبتدعة، ليسوا سواء، المبتدعة ليسوا سواء، هم يتفاوتون، هم يختلفون. هناك مبتدع هو مبتدع، لكنه رأس يدعو، وهناك مبتدع هو مبتدع، لكنه مقلد، مقلد. بل المبتدعة اسم المبتدعة تحته فرق كثيرة، الخوارج اسم الخوارج مبتدعة، منهم من قد كفر، ومنهم دون التكفير، كالقعادية، عندك المعتزلة منهم الكبار الذين كفروا من نفاة القدر، ومنهم من هو دون ذلك. عندك المرجئة منهم من قد كفر ممن يقول: إن الإيمان عبارة عن معرفة القلب، وهناك من المرجئة من يسمى بمرجئة الفقهاء، بعضهم حسنت عقيدتهم من أهل السنة. عندك الشيعة منهم الكفار كالروافض الذين يتطاولوا على الله وعلى الصحابة والقرآن، وهناك من التشييع الزيدية، حتى إن بعضهم يسميهم أقرب الناس للسنة. إذن المبتدع اسم جامع ليسوا كلهم سواء، يختلفون في الحكم، في التعامل، يختلف الحكم، ومن ثم يختلف التعامل. بل هذا نبينا وقد كذبوه، هذا المثال، نبينا مع الكفار كيف كان حاله؟ هم كفار كفار، لكن كيف التعامل يختلف؟ كيف تعامل نبينا مع أبي لهب وهو عمه، وتعامل مع أبي طالب وهو عمه، ذاك بشدة، وذاك بلين، لماذا؟ على حسب حكمهم، وهم كانوا كفار، لكن تعامل يختلف. وهكذا، يا عبد الله، في التعامل مع المبتدع، بعض الناس، إخواني، فلانة، ربما في مكان مناة، فيقال له: يا عبد الله، نريد أنك ترد على مبتدع، رد إما رد مقال أو رد بيان باللسان، فيأتي أول ما يحضر الكلمة، يأتي بعبارات السلف كلهم في المبتدع، دون تميز، فيمن أطلقوها، رجل ربما بدعته لكن ليس بدعة كفرية، فيأتي بعبارات السلف الذين قالوها في المبتدع الكفار، مبتدع الكفار، فيطلقها على من هو دون الكفر، هذا ما يصح. مثل عبارة: أخبث من اليهود والنصارى، سمعنا كثير من الناس إذا ذكره أي جماعة يقول: أخبث من اليهود والنصارى، أي جماعة أخبث من اليهود والنصارى؟ ما يصح، هذا العبارة من أطلقها؟ العلماء، من؟ هل لكل مبتدع، لكل ضال أنه أخبث من اليهود والنصارى؟ لربما هذا الرجل في بدعته ما وصل إلى درجة الكفر، فضلا أنك تفضل الكفار عليه. هناك عبارة لشيخ الإسلام رحمه الله تعالى يقول: وقد سئل بهذه المسألة حول من يفضل اليهود والنصارى على بعض المبتدعة، فقال رحمه الله تعالى: كل من كان مؤمنا بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فهو خير من كل من كفر به، وإن كان في إيمانه ذلك نوع من البدعة، نعم، هو مبتدع، لكن لا يصل إلى مصاف اليهود والنصارى. قال: فهو خير من كل من كفر به، وإن كان في إيمانه ذلك نوع من البدعة، سواء كانت بدعة التشيع أو من المرجئة أو القدرية وغيرهم، فإن اليهود والنصارى كفار كفرا معلوما بالاضطرار من دين الإسلام، والمبتدع إذا كان يحسب أن موافق للرسول، فإن كان مخالفا له لم يكن كافرا به، ولو قدر أنه يكفر، فليس كفره مثل كفر من كذب الرسول صلى الله عليه وسلم. يعني شيخ الإسلام منصف، بل شيخنا مقبل أذكره رحمه الله تعالى، كما في تحفة مجيب سؤال له، هذا السؤال، قيل له: يا شيخ، ما الذي يقول: أن الجماعة الفلانية، جماعة معاصرة ابتلت بحزبية البدعة، ببدعة التحزب، أن الجماعة الفلانية هي أخبث وأضر علينا من اليهود والنصارى؟ رحمه الله رحمة واسعة، قال: لا، ما توقع هذا، قال: هذا ليس من الإنصاف، قال: أمرنا بالعدل والإحسان مع الخلق، قال: هم خير من اليهود والنصارى، هذا الأصل، يا عبد الله. طب هل شيخنا ما يفهم عبارات السلف؟ بل يفهم عبارات السلف، لكن كيف التنزيل؟ كيف التنزيل لهذه العبارات؟ لا نبتلين، يا إخوان، في هذا اللبس، الذي قال: لازلنا في باب العبث وعدم فهم مسائل الدعوة، يعني في الفتن تقع بين أهل السنة، جماعة واحدة، منهج واحد، يختلفون في مسألة، في مسألة اجتهادية دعوية، في مسألة الجرح والتعديل، يقوم خصم ما يرتضي طرف الثاني، فيرميه بالبدعة، هل يقف الأمر إلى هذا الغلو؟ لا، بل يأتيك بعبارات السلف، بعبارات السلف، وينزلها على إخوانه. حتى بلغني فيما بلغني في أهل بعض المناطق هنا قريبة، أن بعضهم يقول لإخوانه ممن تخاصموا عليه في بعض الفتن، لما رأوا ما يسلم على فلان ولا فلان من أهل السنة من إخوانه ما سلم عليهم، قال: لما لا تسلم عليهم؟ قال: هؤلاء شر علينا من اليهود والنصارى، إيش هذا الفقه السقيم العقيم؟ يا عبد الله، بل أحدهم صرح في بعض المساجد، أما قام وقال لجماعة المسلمين، ونواد المساجد: لأن تتركوا أولادكم في الشوارع خير لكم من أن تصحبوهم إلى مسجد فلان، هم إخوانه من أهل السنة، يعني: يماشي الفسقة وأهل المجون، هذا أحب إليه من يدخل إلى مساجد إخوانه ممن خالفوه، إيش هذا التنزيل العقيم؟ إخوانه، فعبث، عبث واضح جدا. فما أحد يأتي بطرف من أقوال السلف ويرميه لكل مبتدع، لا، يعني: أنظر يونس بن عبيد، قال: لمن يقال: يا أبني لأن تماشي خنثة أحب أن تماشي فلان فلان من أصحاب البدع المكفرة. فلابد أن تراعي المبتدع كيف حاله، ومن ثم تنزل مقالات السلف على حاله، أما هكذا تنتزع، تأتيك بقاموس أو كتب التي أُلفت أقوال أهل السنة في المبتدعة، ثم تجرها جر، كلها في هذا المخالف، لا، هذا ليس من فقهه، يا عبد الله، بل هذا من قلة الدين، ومن قلة الفهم والتفقه لمنهج سلفنا الصالح. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.