الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 118، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الجدال في القرآن وتفسير الآيات، وغضب عندما سمع قومًا يجادلون في آيات الله. أمر بعدم ضرب كتاب الله بعضه ببعض لأن القرآن محكم ولا يوجد فيه تناقض.
المتشابه في القرآن ابتلاء من الله، والمبتدعة يسيئون استخدام الآيات المتشابهة، بينما أهل السنة يجمعون بين الآيات. الجدال في الدين نوعان: مذموم ومحمود، ويجب فهم الآيات بشكل صحيح.
الجدال المذموم يكون على صورتين: الجدال بغير حجة، والجدال بعد ظهور الحق. يجب تجنب الجدال بغير علم والاستمرار في النقاش رغم وضوح الحق.
المقطع يختتم بالتأكيد على أهمية الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويشير إلى علم الله تعالى. التأكيد على الصلاة يعكس أهميتها في الختام.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فقال المؤلف رحمه الله تعالى: وسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قومًا على باب حجرته يقول أحدهم: ألم يقل الله كذا، وقال الآخر: ألم يقل الله كذا، فخرج مغضبًا فقال: أبهذا أمرتم أم بهذا بعثت إليكم أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض؟ فنهى عن الجدال. وكان ابن عمر يكره المناظرة، ومالك بن أنس ومن فوقه ومن دونه إلى يومنا هذا. وقول الله عز وجل أكبر من قول الخلق، قال الله تبارك وتعالى: ﴿ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا﴾. في هذه الفقرات، إخواني، الذي سمعتموها، لا زال مؤلفنا رحمه الله تعالى يذكر شيئًا من صنيع المخالفين ممن لم يكونوا على منهج السنة. فكان الكلام في درس أمس حول من طريق مبتدعة: أنهم إذا سئلوا متعنتين، ليسوا مسترشدين، وإنما دخولًا في الباطل وولوجًا في تضييع الحق. وفي هذا الحديث، لذكر المؤلف رحمه الله تعالى، قال: وسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قومًا على باب حجرته يقول أحدهم: ألم يقل الله كذا، وقال آخر: ألم يقل الله كذا، فخرج مغضبًا فقال: أبهذا أمرتم أم بهذا بعثت إليكم أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض؟ وهذا الحديث رواه إمام أحمد في مسنده، وابن ماجه في سننه، بإسناد صحيح. وهذا الحديث، إخواني في الله، فيه بيان من المؤلف رحمه الله تعالى أن هذا الفعل مما لا ينبغي. نعم، وقع في الصدر الأول، في الصحابة رضي الله تعالى عنهم، أن البعض كان يأخذ آية من كتاب الله جل وعلا ويجعلها هي الأصل، وبينما فريق ثاني يأخذ آية من كتاب الله ويجعلها الأصل، فيظهر أن هناك عدم الترابط بين هذه الآية وتلك الآية، فيجعل هذا الأصل، وأن هذا يرد، وآخر يجعل أن هذا الأصل وتلك الآية ترد. فلما سمع نبينا عليه الصلاة والسلام أن بلغ الأمر إلى هذا المبلغ أن يضرب كتاب الله بعضه ببعض، تأتي هذه تضرب تلك، وهذه تضرب تلك، أبي النفي والإلغاء، غضب عليه الصلاة والسلام من ذلك، قال: أبهذا أمرتم أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض؟ وجاء كذلك في بعض الروايات أنه قال عليه الصلاة والسلام: خرج إليهم مغضبًا قائلًا: ما لكم تضربون كتاب الله بعضه ببعض؟ بهذا هلك من كان قبلكم. هذا الفعل هو هلك إذا استشرى في مجتمع، وإذا دب في أفراد من الأفراد، فإنه يهلك بهذه الحالة إذا وصلها وإذا بلغها أنه يضرب كتاب الله بعضه ببعض. جاء في بعض الروايات كذلك أن هذا التنازع كان في القدر، كان في القدر، فمنهم من يثبته، ومنهم من ينفيه، استنادًا إلى كلام الله وإلى كتاب الله. فخرج نبينا غضبًا عليهم، وناهيهم عن الترك. لماذا؟ إخواني في الله، لأن القرآن محكم، القرآن محكم، كتاب أحكمت آياته، ليس في كتاب الله جل وعلا ما يسمى بالتناقض أو ما يسميه البعض بالتعارض أبدًا، لا يوجد هذا قط في كتاب الله جل وعلا، كتاب أحكمت آياته، كله على وتيرة واحدة، على نظام واحد، على نسق واحد، لا لبس فيه، لا غموض فيه. نعم، إذا كان الكلام في غير كتاب الله، تجد الاختلاف، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا. الاختلاف الكثير يقع في أفكار الناس، وفي كتب الناس، وما سطره البشر. أما في كتاب رب البشر جل وعلا، فليس هناك تعارض، وليس هناك تناقض. إنما التعارض والتناقض يقع في أذهان الناس، في أذهان الناس. وهذا أمره ومشكلته أن هذا يقع فيه الذي لا يجمع أدلة الباب في مكان واحد، ثم ينظر إلى الجمع بينهما. وهذا الذي أوقع الكثير من المخالفين، وخاصة من أهل البدع، أهل البدع، الذي أوقعهم في البدع بعد نظرهم لكلام الله ولكتاب الله، أنهم أخذوا شيئًا من كتاب الله، وأنكروا الآخر. لماذا أنكروا الآخر؟ أنكروا الآخر بعد ظنهم أن الذي عثروا عليه، وأن الذي اعتنقوه هو الأصل، وأن هذا من المتشابه أو أن هذا ليس مرادًا، فنفوا ذلك. وعلى هذا سار المبتدع، تجد الخوارج مثلًا، جاءوا عند آيات الوعيد، آيات الوعيد بأن الله قد حكم بأنه لن يدخل الجنة قاطع، لن يدخل الجنة عاق، أخذوا أن هذه محكمات، ثم ألغوا الآيات التي فيها الرحمة، وفيها العفو، وفيها المغفرة. بخلاف ذلك، المرجئة أخذوا بآيات الرجاء، وأخذوا بآيات الوعيد، وتركوا آيات الوعيد بأن العبد متى ما فعل من ذنوب، وما فعل من معاصي، بما أنه مؤمن، فإن الله بشره بالجنة. أنت مؤمن، أنت مبشر من أهل الجنة. وأثبت الآيات: لا يدخل الجنة قاطع، لا يدخل الجنة عاق، هذه الآيات دعوها، هذه لها مراد آخر، مراد هذا الأصل. فأخذوا بهذا وتركوا هذا، وأولئك أخذوا بهذا وتركوا ذاك. وهكذا قس في باب القضاء، في باب القدر، في باب كذلك. حتى الصحابة الذين جمع من الفرق غلوا ببعض الصحابة، وجحدوا البعض، ومنهم من كفر جميع الصحابة، وما يعظم بعض. فأصبح التناقض بين الفرق والملل على هذا المنوال. ما الذي أدّاهم إلى هذا الفعل؟ أنهم ما جمعوا الأدلة في باب واحد. القرآن، إخواني في الله، يحتاج إلى تأمّل وإلى تدبّر. ربنا جل وعلا جعل المتشابه في كتابه. وقد مر معنا ما يتعلّق بالمحكم وما يتعلّق بالمتشابه. طيب، قد يقول قائل: إذا كان المتشابه بهذا الأمر أن يجعل الحيرة في قلوب العباد، لماذا جعل الله المتشابه في القرآن؟ قال علماء: ربنا جعل المتشابه في القرآن لحكم عظيمة، ومن أعظم حكم الله جل وعلا ابتلاء الخلق. أن الله يبتل الخلق: كيف هم مع هذه الآيات؟ هل يعملوا بها؟ هل يزدادوا بها علمًا وبصيرة ويقينًا؟ هل يرجعوها إلى أهل العلم؟ هل يرجعوا إلى آيات المتشابه إلى المحكمات؟ أم أنهم يسلطوا أهواءهم وأذواقهم وشهواتهم على هذه الآيات؟ هنا الابتلاء. كما قال ربنا في حق نبيه: ﴿إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك﴾. بلاء، بلاء كما قال: ﴿أبتلى الله لقومه﴾. بلاء في نفسه، لأبتليك وأبتلي بك. وهكذا القرآن، قال علماء: المتشابه من هذا الباب، من حكمه أن الله جعل المتشابه من الابتلاء، يبتلي الله به العباد. فالمبتدع وقعوا في هذا الابتلاء، سلطوا أهواءهم وأفكارهم على كتاب الله جل وعلا. لكن الصحيح، عبد الله، أن مثل هذه الآيات التي ما يمكنك أن تفهمها ولا تعلم معناها، عليك أن ترجعها إلى محكمها. فعندنا في القرآن محكم ومتشابه. كيف تجمع الأمور؟ المتشابه يرجع إلى المحكم. عندنا في القرآن مجمل ومفصل، فالمجمل يرجع إلى المفصل. عندنا في القرآن مطلق ومقيد، فيرجع المطلق إلى المقيد. عندنا ناسخ وعندنا منسوخ، وهكذا. أما أنك تأخذ بالناسخ، وذاك يأخذ بالمنسوخ، فيضرب كتاب الله بعضه ببعض، كما يفعل المبتدع وأهل الأهواء، يأخذون بآية ويجعلونها هي الأصل، ثم يلغون بقية الآيات، فيضيع كثير من الدين. فهذا من فعل الضلال، وهذا كما قلنا في صنيع المبتدع. ومن أطرف ما ذكر في هذا المقام ما ذكره ابن قتيبة رحمه الله تعالى في تأويل مختلف الحديث، في قصتي ذاك الرجل الشاب الصغير، وهو قريش بن أنس رحمه الله، يقول عن نفسه: أنه حضر مجلسًا لعمر بن عبيد الضال الضليل. قال: يقول قريش عن نفسه: سمعت عمر بن عبيد يقول لطلابه، لمن في مجلسه: قال: إذا أُتي بي يوم القيامة، وقال الله جل وعلا لي: لما قلت إن قاتل النفس في النار؟ أقول: أنت قلت يا رب، فأستدل عليه بقوله جل وعلا: ﴿ومن قتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها﴾. انظر، هكذا عمر يميل أصحابه أنه قائم على دليل، وأن هذا العقيدة في تكفير من قتل النفس أنه كافر خالد في النار، هذا بآية من كتاب الله. وأحاج ربي بهذه الآية. معنى كلامه: قال: أقول لك: أنت قلت يا رب، وأستدل بهذه الآية. فيقول قريش: وكنت أنا من أصغر القوم في المجلس، فقلت له: فإذا قالك الله: ألم أقل: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾؟ فما علمك أني لا أغفر له؟ قال: فسكت عمر. سكت لأن هذا ما قال رد آية محكمة ترد على هذه الآية. إذن كيف تعمل؟ كم يقولوا أن أحد أخذ آية دون آية، فنقع في التناقض. ولهذا، إخواني، فقد سلم الله أهل السنة والجماعة في هذا الباب، فما أخذوا آية دون آية، ولا ضربوا القرآن بعضه ببعض، وإنما جمعوا القرآن. وبماذا يظهر المراد؟ يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، مبينًا حال المبتدعة من هذه الأمة، قائلًا: قال: ومن هنا تتبين ضلالات المبتدعة في هذه الأمة، من حيث الإيمان ببعض ما جاء به الرسول دون بعض. وهذا الذي أوقعهم في التناقض، أن ذاك يأخذ شيئًا فيؤمن به، ويجحد الباقي، ويترك الباقي، بل يضرب على الباقي، يضرب عليه إلغاءً وتأويلًا ونسخًا ونحو ذلك. وأما الأصل، إخواني في الله، أن القرآن لا يضرب بعضه ببعض، وإنما بماذا يجمع ذلك؟ بجمع آياته. قال: ثم قال رحمه الله تعالى: وكان ابن عمر يكره المناظرة، ومالك بن أنس ومن فوقه ومن دونه إلى يومنا هذا. وقول الله جل وعلا أكبر من قول الخلق، قال الله تبارك وتعالى: ﴿ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا﴾. هذه مسألة ثانية، كذلك نبّه عليها المؤلف، وهي من صنيع المبتدعة، وهي المجادلة، الجدال في الدين. وهذا باطل، صحيح. الأدلة، إخوان كثيرة جدًا، من سلفنا الصالح، على ذم المجادلة، وأن من أكثر الخصومات، ومن أكثر المجادلات، قد ضل عن سواء السبيل. وازداد المؤلف رحمه الله تعالى بهذه الآية الدالة على تحريم الجدال، وأن ذلك من صنيع الكفار، قال تعالى: ﴿ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا﴾. فهذا من وصفهم، وهذا من فعلهم، أن الكفار يجادلون في آيات الله. لكن هذا قد يشكل، هذا قد يشكل في مسألة أخرى، وهي: قد يقول قائل: هنا في هذه الآية أمر ربنا بترك الجدال، وأنه من صنيع الكفار. لكن ما تقول في قول تعالى: ﴿جادلهم بالتي هي أحسن﴾؟ هنا حث ربنا على الجدال، وعلى المجادلة. فهنا كما يقول إخوان: لا تناقض، ولا اضطراب. فهنا يعلم من قول أهل السنة والجماعة: على أن الجدال على قسمين اثنين. هناك جدال مذموم يمنع شرعًا، وهناك جدال محمود يحمد صاحبه، ويحمد من دخل فيه. فالجدال على قسمين. فما جاء من التحريم، كهذه الآية التي استدل بها المؤلف، تحمل على الجدال المذموم. وما جاء من الآيات الدالة على حسن الجدال، فإنها على الجدال المحمود. بقي ما هو الضابط؟ ذكر العلماء، أو جماعة من أهل العلم، ذكروا الضابط في معرفة: كيف تعرف أن هذا من الجدال المذموم؟ من ذلك ما ذكر الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى، بيّن أن الجدال المذموم يكون على صورتين اثنتين. الجدال المذموم الذي يذم شرعًا يكون على صورتين اثنتين. الصورة الأولى: قال: الجدال بغير حجة. إذا وقع جدال، وقع نقاش، وقع حوار، ووقعت مناظرة، ووقعت مخاصمة، سميها بما تسميها، وهذا الذي تم من حوار ونقاش وخطاب وجدال، إن تم بغير حجة، فهذا يسمى جدال مذموم، يمنع صاحبه، ويذم عليه، ويحرم عليه أن يخوض فيه. جدال بغير حجة. أنت يا عبد الله، إذا دخلت في مسألة علمية، لابد عندك أدلة من كتاب، من سنة، من أقوال السلف، أدلة شرعية تستدل بها. أما تخيل أنك تدخل فيه نقاشًا يسميه العلماء بنقاش عقيم، ما عندك دليل، وإنما عندك صياح، وعندك صراخ، وعندك إلزام لابد، لابد. هذا ما يجوز، هذا يسمى جدال عقيم، جدال مذموم، نهي عنه شرعًا. وهذا قد يقع لبعض الناس، رب رجل يدخل فيه نقاش وهو خالي الوفاض. معنى خالي الوفاض: ما عنده ولا دليل، لا في قلبه، ولا في رأسه، ولا عنده مسألة شرعية لما سألته، وإنما يناقش ويجادل. طب ما أدلتك على المسألة؟ اطرحها، نحن في مجلس علمي، ما أدلتك؟ يقول: ما عندي أدلة. طب على ماذا يقول: أنا هذا لابد، هذا الذي أقول به، سواء مثلًا عقدية أو منهجية أو سلوكية أو في التعبد. نقاش بهذه الصورة، وهذا كما قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «ما ضل قوم على هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل». الناس كانوا على هدى، ثم ضلوا السبيل، من أسباب ضلالهم عن هذا الخير: أنهم أوتوا الجدل، يجادل هذا، جدال مذموم. يا عبد الله، ما عندك حجة، يا أخي لا تناقش، اسكت، انتهى الموضوع. عندك دليل شرعي، هات الدليل الذي معك. ما يسعفك الدليل، اترك النقاش. كما في الحديث: «قد أحسن إلى من انتهى إلى ما قد سمع». بلغ فيما سمعك، شيء من أدلة شرعية، أترى أي شيء عندك؟ أما ما عندك شيء، فلا تشغل الناس، ولا تشغل بالك، ولا تشغل الأم، أسف، هذا كثير ما يقع فيه المبتدعة، المبتدعة ما عندهم شيء، أدلة شرعية. وكيف تأتيهم الأدلة؟ وهم ماذا؟ قد هدموها، وقد شوهوا الأدلة. القرآن ليس بالقرآن الذي عندهم. وأما السنة، قد أولوها، قد ضعفوها، قد حكموا عليها بالرد. فما عندهم إلا الكلام والجدال الباطل. فالصورة الأولى التي نبه عليها الخطيب من الصور المذمومة: أن يكون جدال بغير حجة. الصورة الثانية من صور الجدال المذموم: أن يكون جدال بعد ظهور الحق. هذه الصورة ثانية، في مسألة علمية، في مسألة عقدية، تتناقش، فإذا بالحق يظهر مع الآخر، ظهر الحق واضحًا جليًا. ما الذي عليه؟ أنك تسكت، تعترف، تدعو للحق الذي ظهر. أمك تشغب، تأتي بالتشغيب، تأتي بالتمويه، تأتي بالتلبيسات، من هنا ومن هنا، وأنت تعب، أن الحق ظهر. هذا جدال ما يسمى، يسمى جدال مذموم. وعلى هذا تتنزل هذه الآيات: ﴿ما يجادل في آياتنا إلا الذين كفروا﴾. هذا الباطل، كفر الكفار في عهد نبينا عليه الصلاة والسلام، علموا أن الحق هو من عند الله، علموا أن الله حق، وأن النبي حق، وأن القرآن حق. لكن ما الذي فعلوا؟ أثاروا شبهات، أثاروا الحجج، أثاروا بعض الشبهات: ما نحن عليه، ما كنا عليه على آبائنا، ماذا؟ كذا؟ فأتوا بكلمات وأتوا بحجج، لكنها تسمى جدال مذموم، لأن ماذا؟ جادلوا، وخاصموا، وتحاوروا، وتناظروا بعد ظهور الحق. فكما قال: بهذا الأمور، بيّن الخطيب رحمه الله تعالى: أن الجدال المذموم يكمن في هاتين الصورتين: أن يكون جدال بغير حجة، فهذا مذموم، أو أن يكون جدال بعد ظهور الحق. فإن لم يكن لا هذا ولا ذاك، كان يكون جدال علمي، جدال فيه أخذ وعطاء في مسائل علمية، جدال فيه نصر للحق، فهذا جدال محمود. وهذا الذي حث عليه الشرع: ﴿جادلهم بالتي هي أحسن﴾. يقول العلماء: من ذلك ما سطره الشوكاني رحمه الله تعالى، وهو يبين مراد هذه الآية في قول تعالى: ﴿وما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا﴾. قال رحمه الله تعالى: قال: المراد الجدال بالباطل، والقصد إلى دحض الحق. قال: عن هذه الآية: هذه الآية التي استدل بها المؤلف، تُحمل على الجدال الباطل. ما هو الجدال الباطل؟ قال: هو القصد إلى دحض الحق. قال: فأما الجدال لاستيضاح الحق، ورفع اللبس، والبحث عن الراجح والمرجوح، وعن المحكم والمتشابه، ودفع ما يتعلق به المبطلون من متشابهات القرآن، وردهم إلى الحق، وهي المحكم. قال: فهو من أعظم ما يتقرب به المتقربون. هذا هو الجدال، هذا نوع الجدال، إذا كان جدالك هذا مآله، هذا مراده، أنك تُظهر الحق، وأنك ترد المبطل إلى الحق، وأنك تُظهر وتبين المحكم والمتشابه بحوار علمي، فهذا قال: من أعظم ما يتقرب به المتقربون. والقرطبي رحمه الله تعالى كذلك في تفسيره، جاء بكلام قريب من هذا الكلام، قال: وهذا من أعظم الجهاد. إذن هي عبادة يتعبد بها العبد لله جل وعلا. وطبعًا يدخل العلماء في باب الجدال، المناظرة، كما يقول: بالضوابط الشرعية. وقد مر معنا ما يتعلق بالمناظرة في حينه. فالحاصل، إخواني في الله، أن الجدال الذي عناه المؤلف بالمنع، وأن هذا يمنع، وأنه ينهى عنه العبد، هو الجدال بالباطل. وصورته: أنك تجادل بباطل، تجادل بغير أدلة، تجادل بعد ظهور الحق، فهذا مذموم. وأما إن كان جدالك لإظهار حق، ورد مبطل، وتعريف الناس بدين الله، فإن هذا مما يشكر عليه العبد. وبقي مسألة متعلقة بما يأتي من أثر عمر، يترك إن شاء الله في درس قادم. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.