الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 127، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول بداية الأحداث التي أدت إلى فتنة قتل عثمان بن عفان ودور عبدالله بن سبأ في إثارة الفتنة. يُبرز كيفية استخدام ابن سبأ للكذب والتزوير لنشر فتنته.
يُناقش أسباب الفتنة في عهد عثمان، بما في ذلك دور عبدالله بن سبأ، وسعة الرزق التي أدت إلى الجحود، واختلاف سياسة عثمان عن عمر، وعدم اتباع الطرق الشرعية في النصيحة.
يُشير إلى أن الصحابة لم يشاركوا في قتل عثمان، بل كانوا يدافعون عنه، بينما الذين قتلوه كانوا من المفسدين وأوباش القبائل وأهل الفتن.
يتضمن دعاء بأن ينفع الله تعالى بما قيل، ويذكر الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويُظهر الاعتراف بقدرة الله تعالى وولايته على كل شيء.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال وتعلم أن عثمان قتل مظلوما ومن قتله كان ظالما. لما تطرق المؤلف رحمه الله تعالى إلى بعض المسائل المتعلقة بالصحبة، ناسب أن يعرج على بعض المسائل تنبيها لها وتنويها لشأنها، وخاصة لها متعلق بهذا الباب، فناسب أن يذكر المؤلف رحمه الله تعالى ما يتعلق بالخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، فقال: وتعلم أن عثمان قتل مظلوما ومن قتله كان ظالما. لا يخفى لمن تتبع في السيرة الخلفاء ما يتعلق بوفاة عثمان رضي الله تعالى عنه، فقد قتل رضي الله تعالى عنه شهيدا قتيلا في بيته، وذلك بعدما هاجت تلكم الفتنة وتطاول عليه جماعة من الناس فحاصروه في بيته رضي الله تعالى عنه، وسفكوا دمه واستحلوه، فقتلوه رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وما يتعلق بقضية عثمان رضي الله تعالى فهي من القضايا العظيمة التي ينبغي أن يتنبه لها المسلمون، لأن ما يتعلق بأمر عثمان أصبحت من الطرق التي يتدرج ويتسلل إليها المبتدعة في طعنهم بالصحابة رضي الله تعالى عنهم، فإنهم أول ما يبدأون في طعنهم بالصحابة يبدأون بعثمان رضي الله تعالى عنه، ثم بعد ذلك يتسللون إلى غيره من الصحابة. فينبغي للمسلم أن يعرف حقيقة الفتنة التي وقعت في ذلكم الزمن، وكيف استطاع هؤلاء أن يشوهوا سمعة عثمان رضي الله تعالى عنه. هذه الفتنة هي الأصل، وقعت في تاريخ الرابع والثلاثين من الهجرة، عندما خرج أناس ونقموا على عثمان سياسته في الحكم. فقام عثمان رضي الله تعالى عنه وألقى القبض عليهم، وحذرهم، ثم أطلقهم. فلما أطلقهم لم يكفوا عن فتنتهم، وإنما لا زالوا يبثون الأخبار والدعايات المضللة حول سياسة عثمان وأنه قد ظلم وأنه قد جار في حكمه وأنه قد خرج عن شرع الله عز وجل. فلا زالوا يبثون هنا وهناك الأخبار حتى تجمعت حولهم الجماعات والجموع، فحاصروه مرة ثانية، وذلك في التاريخ الخامس والثلاثين من الهجرة، فحاصروه في بيته رضي الله تعالى عنه، ودام الحصار أربعين يوما حتى استطاعوا بعدها أن يتسللوا إلى بيته ثم قتل فيه رضي الله تعالى عنه. هؤلاء الذين خرجوا على عثمان وفعلوا فعلتهم الشنعاء احتاجوا إلى أسباب، فما الذي أدى إلى بزوغ وإلى ظهور هذه الفتنة في عهده وفي عصره رضي الله تعالى عنه؟ الذي أدى إلى خروج وظهور هذه الفتنة يرجع إلى أسباب كثيرة نلخصها في بعضها. من أهم الأسباب التي أدت إلى ظهور هذه الفتنة في زمن عثمان رضي الله تعالى عنه وجود ذلك المدسوس الخبيث وهو اليهودي عبدالله بن سبأ. عبدالله بن سبأ هو رجل يهودي من يهود اليمن، كان في قلبه ولا زال الكفر والحقد الدفين على الإسلام والمسلمين، فتستر باسم الإسلام ودخل بين المسلمين وأخذ يبث الدعايات التي يراد منها التفريق للصف. فاستطاع بذهائه وبذكائه أن يزرع الفتنة بين الوالي والرعية، بين عثمان رضي الله تعالى عنه وبين المسلمين، فأخذ واستغل الجهل من الناس. ولهذا من قرأ في سيرته هذا الخبيث اليهودي أن من اتبعه كان من الغوغاء، ما كان من أهل العلم وما كان من أهل الصحبة وما كان من خيار الناس أبدا، بل كان من أهل الجهل. فبدأ بالبوادي وبدأ كذلك عند الأعراب يبث لهم الأخبار المضللة، فأخذ يتكلم في عرض عثمان يبدي ويعيد وأنه فعل وأنه ترك، وانظر ماذا فعل وانظر ماذا قال، وانظر وهكذا يهيج ويهيج ويهيج حتى أثار الكثير من الدهماء، أثار الكثير من الدهماء من أصحاب البوادي من أصحاب القرى والأعراب، خاصة ممن لا يتفطنوا لشيء من دين الله والذين هم أتباع كل زاعق وناعق، يصدقون كل خبر، ما عندهم تثبت في الأخبار. فاستغل اليهودي وجهل الناس، وأدخل في أتباعه الكثير من عقائد اليهود، الكثير من عقائد اليهود التي كانت في نفسه، استطاع أن يوجدها في الشريعة الإسلامية لكن بصبغة إسلامية، من ذلكم الإمامة ومن ذلكم الرجعة وكذلك الوصي، فهذه عقائد عند اليهود استطاع أن يجعلها عند المسلمين كمسائل شرعية. وهذا الرجل ما فتئ لنشر مذهبه ولنشر فتنته أن يستخدم كل طريقة شرعية وغير شرعية، من الكذب والخديعة والتدليس وكذلك التزوير لإضلال الناس، حتى أنه من خبثه أنه كان يستخدم الكذب حتى على الغير، فكان من فعله يأتي برسائل ويكتبها ويرسل إلى الأقاليم وإلى المدن لا باسمه ولكن باسم بعض الصحابة. مثل ذلك ما كان يفعله باسم عائشة رضي الله تعالى عنها، كان يكتب كتبا ورسائل مزورة ثم يختم بختم كأن هذا الختم خرج من عائشة رضي الله تعالى عنها. حتى مما ذكر العلماء أن عائشة رضي الله تعالى عنها نقمت وعاتبت من كان عند عثمان: كيف ما دافعتم عنه؟ وكيف تركتمه يقتل؟ حتى قالت: تركتموه يذبح كذبح الكباش، وما فعلتم شيئا. غضبت عائشة لمواقع العثمان، فقيل لها: من قال ذلك؟ قالت: مسروق، قال: ماذا نعمل وأنت التي أمرت بخروج الناس على عثمان؟ وأنت التي كتبت تأمرين الناس بالخروج على عثمان؟ فاستحيت عائشة من هذا الكلام، وقالت: والله والذي آمن به المؤمنون وكفر به الكافرون، والله ما كتبت السوداء على بيضاء قط، ما كتبت شيئا. فقال الأعمش: فكان يرى أنه قد كتبت عنها أو كتب عليها، أي أن هناك رسالة كتبت باسمها وهي ما كتبت ذلك، لكن تكتب باسمها ثم تزور. فكان هذا الخبيث يستخدم الكذب والتزوير، يكتب باسم صحابي معين فيوقع، يأتي بختمه أو شبيه بختمه، ثم يرسل إلى تلك الأنحاء ويأمر الناس بالخروج على عثمان باسم فلان وباسم فلان، وهكذا يزور الكتب باسم الصحابة وينشرها شرقا وغربا حتى هيج الدهماء وهيج الناس. فكان هذا الخبيث اليهودي من أعظم أسباب الفتنة، وهذا اليهودي هو حقيقي، ونشير لهذا إشارة، وهذا ليس مبحثنا في هذا المقام، لكن لنعلم أن بعض المتأخرين من بعض الكتاب ذهب إلى إنكار هذه الشخصية، وأن ابن سبأ هذا الرجل وهمي وأنه أسطورة وأنه خيال وأنه من نسج بعض المتأخرين، لا يصح هذا، بل هذا مما ثبت عنه، وقد جاء في كتب السير بأسانيد صحيحة. وقد ألف المؤرخون قديما وحديثا ما يتعلق بحقيقة هذا الرجل، بل حتى عند المخالفين، حتى عند الشيعة، في كتبهم سطروا وبيّنوا أن هناك رجلا اسمه ابن سبأ وله فرقة تنتمي إليه تسمى السبائية، كما ذكر ذلك المجلسي وغير واحد من كبار الشيعة، أثبت أن هذا رجل حقيقي. فقول ما قال: أن ابن سبأ أسطورة خرافية، هذا ليس بإنصاف، بل هذا مما قد أبعد النجعة في هذا الباب، فهو رجل حقيقي، وهو من أعظم أسباب الفتنة التي أدت إلى إخراج الناس على عثمان رضي الله تعالى عنه. كذلك من أسباب التي أدت للفتنة، ما يتعلق بسعة الحال وسعة الأرزاق والأموال. فمن نظر أو من قارن أزمان الناس في زمن الصديق وفي زمن عمر الفاروق وفي زمن عثمان رضي الله تعالى عنه، يعلم أن زمن عثمان من أفضل الأزمان رغدا ورزقا وسعة على الناس. فتح الله جل وعلا في عهد عثمان على الناس ما لم يفتح لغيره من الأزمان، زاد الرزق وزاد المال، ويرجع سبب ذلك إلى كثرة الفتوحات، فتوحات الأمصار، فتحت في زمن عثمان فتحا عظيما، ما يتعلق بآسيا من أذربيجان وتلك المحاق، فتحت لعثمان رضي الله تعالى عنه، حتى البحار، فقد وقعت في زمنه أول المعارك البحرية وانتصر فيها عثمان رضي الله تعالى عنه، ومن إثرها بني ذلك الأسطول البحري الكبير. بل كذلك أفريقيا فتحت في زمن عثمان رضي الله تعالى عنه، لكثرة الفتوحات ودخول هذه الأمصار إلى بلاد المسلمين وزيادة رقعة المسلمين، فإن الخراج والجزية والغنائم كله يرجع إلى خزانة الدولة، فأصبح الناس في بحبوحة من عيشهم، ما كانوا يظنوا أن يصلوا بهم الحال إلى هذا الحال. فكم ذكر العلماء وكم ذكر المؤرخون عن حال الرغد الذي وقع للناس في زمن عثمان: أن الأمر يخرج إلى بيت المال فتخرج مملأة مليئة بالنعم وبالخيرات من أسفله إلى رأسه، وهي محملة بالخيرات الكثيرة التي وزعت على الناس. بل يقول الحسن البصري: قل ما يأتي يوم إلا وينادى على الناس أنغدوا على نصيبكم من المال، ما يأتي يوم إلا يأتي النداء: تجمع على بيت المال، خذوا غنائمكم، خذوا أموالكم، أموال تقسم. بل حتى قال الحسن: قد يأتي أي يوم وينادى: خذوا نصيبكم من العسل، حتى العسل يوزع لجماهير الناس. انظر للرغد والترف الذي وقع به الناس، فكان هذا من الأسباب لأن تعرف أن بعض الناس إذا ابتلوا بالرغد، ماذا يزداد عندهم؟ الكفر والجحود. فهذا الذي يدب في الناس، ما عادت الرغد والانبساط في العيش إلا أن أصبحوا ماذا يلتفتون هنا وهنالك؟ لماذا فعل ذلك؟ ولماذا فعل ذلك؟ بدل أن يشكروا نعمة الله عليهم، إذ جحدوها، بتتبع الأخطاء وهكذا بجحد نعمة الله عليهم، أيضا مما أدى لظهور الفتنة في عهد عثمان رضي الله تعالى عنه، كما قال علماء الفرق بين سياسة عمر وبين سياسة عثمان رضي الله تعالى عنه. عمر رضي الله تعالى عنه تعلم عن عمر أنه الصارم على الحق، لا تأخذه في الله لومة لائم، هكذا رده عمر، وقد مر معنا ما فعله مع المخالفين، كصديق ضربه ضربا مبرحا، وهكذا حال عثمان. عمر رضي الله تعالى كان ماذا؟ صارما في الحق، لا يتسامح، بخلاف عثمان، عثمان لا نقول أنه ضعيف كما يزعم بعضهم، ما كان ضعيفا، بل كان حليما يتجاوز، يعفو، يصفح، يترك هذه المرة، عل وعسى أن هذا المخالف يرجع. فكان كله بسياسته هذا له وجه من الحق، وهذا وجه للحق، فلما رأى الناس الفرق بين سياسة عمر فيها الصرامة على الحق، وبين سياسة عثمان الذي فيها مسامحة والمعافاة، هنا في كفة عثمان ظهر الخلاف، ورأى الناس أن عثمان عنده نوع من سعة الصدر، فاستغلوا هذه السعة وهذه المسامحة في ماذا؟ في أن يتطاولوا عليه. لهذا عثمان رضي الله تعالى عنه عندما وقع ما وقع من هؤلاء الشرذمة، عندما قفزوا على بيته وتجرأوا على محاصرته، ماذا قال عثمان؟ قال: أتدرون ما الذي جرأكم عليه؟ قال: ما جرأكم عليه إلا حلمي، حلمي لأنه حلم معكم، هذا الذي جرأكم عليه. ولهذا يقول ابن عمر رضي الله تعالى معنا: عبد الله بن عمر يقول: قال: ما نقم على عثمان، لو نقم على عمر ما تكلموا معه، أي هذه الأشياء المأخوذة على عثمان، لو أنا أخذت على عمر ما استطاع أحد أن يتكلم بها، بخوفه من عمر، ما أحد يستطيع أبدا، لكن ماذا وجدوا أن عثمان عندهم نعم الحلم والمعافاة، استغلوا هذه الطيبة فما فتئوا يتطاولوا عليه رضي الله تعالى عنه. فقال: أتدرون ما جرأكم علي؟ ما جرأكم علي إلا حلمي، فهذا فيه أخواني في الله: أن هؤلاء ما بالوا بأخلاق عثمان الكريمة النبيلة، وإنما استغلوها لهذا المقصد الخبيث، وهو الخروج عليه. كذلك مما أدى إلى خروج الناس، خروج هذه الظاهرة في زمن عثمان، وما مقع فيها من فتن، عدم الأخذ بالطرق الشرعية، الذي أخذ على من يقول بهذا أن عليه مآخذ، لكن هذه المآخذ على حد زعمهم، عندما طالبوا بها، طالبوا بتغييرها، ما اتخذوا الطرق الشرعية، وإنما أخذوا الطرق غير الشرعية. الطرق الشرعية التي أمر شرع بها فيمن أراد أن يناصح، فيمن أراد أن يذكر ولاة الأمور بأخطائهم أو بتغيير بعض الأمور، فلك عبد الله طريقة وحيدة، جاء الشرع بذكرها، وهو المناصحة سرا، من كانت له نصيحة لذي السلطان فلا يبده علانية، ولينصحه سرا، أحاديث كثيرة في هذا المعنى، وقد مر ذلك معنا في أول دروسنا. أن الوالي ينصح سرا، فيما بينك وبينه، هذا الذي ينفع، فهو يذكر بالله، ليس أمام العامة، ليس أمام الدهماء. فمن اتخذ هذه الطريقة، هذا الذي يصل إلى شيء محمود، لكن الناس في عهد عثمان هل وصلوا إلى هذا الطريق المحمود؟ النصيحة بينهم وبينه، ولا تمورهم لا، وإنما فتح الباب على مصراعيه. أصبح ما كان من أمثال ذاك اليهودي ابن سبأ ومن أتباعه أنهم كانوا يقفزون ويتسلقون المنابر والخطب، وهكذا المجالس العامة والخطب، بالثور أمام من؟ أمام العلماء، أمام الدعاة، أمام الدهماء، أمام الغوغاء، أمام الحثالة، أمام السقطة، أمام الفساق، أمام كل أحد. فأخذوا يثيرون، يثيرون، يثيرون، فيدخل في الفتنة كل من هب ودب، ولهذا لما قيل لزيد رضي الله تعالى عنه: ألا ترى إلى ما يفعل عثمان؟ بعض الناس خرج، قال زيد: أنصح عثمان، عثمان عليه أشياء، فقال: ألا ترون أني أنصحه؟ إني والله لأنصح فيما بيني وبينه، نصيحة موجودة بيني وبين عثمان. قال: وما كنت لأفتتح باب ضلالة، أي أنتم تظنون أني ما أنصح؟ أنا مناصح، لكن ليست مناصحتي كما تريدون أنتم، الجهر والإشهار والتعيير، هذا ليس من سلوكي، وإنما أنصح فيما بيني وبينه، إيه، كأن هناك ملاحظات بيني وبين عثمان سرا، أنصحه، وأوجه بعض الأشياء، هذا الذي يكون. فلما كان الصحابة على هذا المنوال، كان الخير يعم، لكن لما فتح المجال إلى هذه الطرق غير الشرعية، من التعيير، ما الذي وقع؟ وقعت الفتن، وقعت الفتن التي بعد مقتل عثمان، ليس فقط فتن عثمان، بل بعد مقتله دبت الفتنة في أنحاء البلاد. وها نحن أخوان في الله نرى نرى جراء هذا المسلك الخاطئ في التغيير، نرى في واقعنا كم نرى من هذه الأمور، لذي ظهرت من التشهير والتعيير، أدخل فيها الرجال وأدخل فيها النساء وأدخل فيها الصغار وأدخل فيها الكبار وأدخل فيها القادة وأدخل فيها الدهماء والغوغاء، وذبت الفتن هنا يصيح وذاك يفجر وذاك يرمي. وما بعد التغيير، ثم الذي وقع هناك ما تم تغييره، وهناك ما لم يتم تغييره، والذي تم تغييره، ما الذي تغير؟ إما الحال نفس الحال، وإما الحال أسوأ من الحال، وعض الحال أحسن، لكن ما هو الحسن في هذا التغيير؟ حسن ضئيل جدا، ما يقارن بما وقع من قتل وقتال وتدمير وتخريب للبلاد والعباد، فهذه مآسي. فنعتبر بما وقع لعثمان رضي الله عنه، فإن الناس عندما اتخذوا الطرق غير الشرعية، أدى ذلك إلى فتنة ومقتل عثمان رضي الله عنه، هذه خلاصة بعض الأسباب التي أدت إلى خروج الناس على عثمان. هؤلاء خرجوا على عثمان، ما الذي نقموا عليه؟ هم ظنوا أن عنده أخطاء، أنه عندهم أخطاء على عثمان. ومن نظر إلى الأخطاء على قول أنها أخطاء، من نظر إلى أخطاء هؤلاء لنقموها على عثمان، تجد أن ما تتعلق بدين أصلا، ما عبارات، أشياء اجتهادية يراها عثمان رضي الله تعالى عنه، أو مسألة فقهية ترجحت عند عثمان رضي الله تعالى عنه. مثاله: قال: لماذا أتم أعراف السفر؟ لماذا نفى فلانا؟ لماذا ضرب فلانا؟ ما لكم علاقة بهذه؟ هذه مسألة ما تتعلق بدين إسلامي، ما غير شريعة في الدين، ما غير شيء، فهي كذلك، أشياء ليست أخطاء. ومن هذه الأخطاء ونبع عليها، وهذا الذي يدندن بها المبتدعة: أن عثمان حابى، كيف حابى؟ أنه جعل الولاية والسياسة والسلطة إلى بني أمية، لأنه أموي، جعل الولايات جعلها لأقاربه ولأتباعه، وجعلهم يتمتعون في هذه الدنيا. وهذا الذي يتبجح به الكثير من المبتدعة، بل الأسف حتى بعض المعاصرين الذي فيه نزعة وعنده جهل بحقيقة الفتنة، أصبح يدندن ويكرر هذه العبارات: أن من أخطاء عثمان أنه حابى وأنه أعطى السلطة لبعض أقاربه وأنه أبعد بعضهم وهم أهل ذلك، فأخطئ، يدندن على هذه المسألة. مع أن مسألة هذا هو إمام له حق السلطة فيها، ومع ذلك ما يقال عن عثمان في هذا الأمر بهذه الصورة، هذا خطأ في خطأ. عثمان رضي الله تعالى عنه الذي مسك زمام الدولة التي بلغت في آسيا وأفريقيا وفي بلاد الجزيرة العربية وأنحاء كذلك من أشقاء أوروبا في بلاد الروم والشام، هذه الإمارات كلها عليها عثمان رضي الله تعالى عنه عشرين واليا. ولا عليها عشرين واليا، وهذا مسطر في كتب السيرة، ما تظنون وكم تظنون عدد الولاة من بني أمية الذين لهم السلطة من هذا العدد؟ تدرون كم؟ خمسة فقط، خمس ولاة من عشرين والي هم من بني أمية، هل تسمون هذا محاباة أخواني في الله؟ منهم معاوية رضي الله تعالى عنه، والوليد، وعبد الله بن سرح، وهو ليس جبان، وهو ليس أثبات، وهو ليس ثقات، وهو ليس أبطال، ليس بضغط أعطاهم هذا، بل كما يقال: هم رجال ومع ذلك خمسة رجال من مقابل خمسة عشر من بني أمية. فكيف يقال محاباة؟ مع العلم أن نبينا عليه الصلاة والسلام في عهده كان يعطي من بني أمية بعض السلطات، تدرون كم والي مات نبينا وهم على الأمصار من بني أمية؟ خمسة ولاة: أبو سعيد، وخالد بن سعيد، وأبو سفيان رضي الله تعالى عنهم، خمسة من بني أمية في عهد نبينا ولهم الإمارة على بعض الأمصار، خمسة هم نفس العدد الذي ولاهم عثمان رضي الله تعالى عنهم. إذا ما فيه محاباة، والأسف نجد الناس يطيرون ويدندنون حول هذه الشبه وهذه الفتنة، وأن هذا من أعظم ما ينقم على عثمان، وما هي نقمته؟ فإن دل دل على تواضعه وعلى تحريه رضي الله تعالى عنه. فشاهد أخواني في الله: أن عثمان رضي الله تعالى عنه كانت هذه فتنته، وكما قال مؤلف رحمه الله تعالى: قال وتعلم أن عثمان قتل مظلوما ومن قتله كان ظالما، وهذه فقرة مهمة نبه عليها مؤلف رحمه الله تعالى: أن من قتله كان ظالما. إياك يا عبد الله أن تظن أن بعض الصحابة شارك في قتل عثمان أبدا، ما من أحد ما يعرف أحد من الصحابة أنه كان مع أهل الفتنة، ما كان أحد من أهل فتنة من من قفز على عثمان أو شارك في دم عثمان، بل إن الصحابة قد برأهم الله من دم عثمان، وعلى هذا أقوال العلماء رحمهم الله تعالى. فمن ذلك ما قال ابن العربي رحمه الله تعالى، القاضي، قال: فالذي ينخلص من ذلك: أن عثمان مظلوم، محجوج بغير حجة، وأن الصحابة برآ من دمه بأجمعهم، وأن الصحابة برآ من دمهم بأجمعهم، وهذه لفتة على خطأ من يدندن ويقول: أن بعض الصحابة شارك في دم عثمان أبدا، الصحابة برآ من دم عثمان، ما أحد منهم ماذا تطاول؟ بل الصحابة على كثير كان في صف عثمان يدافعون وينافعون عنه، أما الذي قتل عثمان فكانوا من السوق، كانوا من الهمج، كانوا من المفسدين في الأرض، يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: كان في منهاج السنة، قال: إن خيار المسلمين، إن خيار المسلمين لم يدخل واحد منهم في دم عثمان، لا قتله ولا أمر بقتله. وإنما قتله طائفة من المفسدين في الأرض، من أوباش القبائل وأهل الفتن، أوباش القبائل، أهل الفتن، من المفسدين في الأرض، هؤلاء ماذا تطاولوا على دم عثمان فقتلوه مظلوما رضي الله تعالى عنه. وأما من قتلوا فكان من الظلمة، ما كان أحد منهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.