الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 137، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يُبين أهمية التمسك بالسنة والتحذير من البدع عند الموت، ويُوضح أن حسن الخاتمة تأتي من العمل الصالح. يُستشهد بموقف ابن عون عند الموت كدليل على ذلك.
الجزاء من جنس العمل، فمن أراد حسن الخاتمة فعليه تعظيم السنة وتطبيقها. الوصية بالدين والسنة واجبة خاصة للأهل والأقارب لضمان الاستمرار على الطريق الصحيح.
يؤكد العلماء على أهمية الوصية بالسنة خاصة في الأوقات التي تنتشر فيها البدع. يُوصى بالابتعاد عن البدع والمخالفات الشرعية في مراسم الدفن والجنائز.
المؤلف رحمه الله تعالى كان يوصي بالتمسك بالسنة والابتعاد عن البدع. أسأل الله أن ينفعنا بما قلنا ويجعلنا متمسكين بالسنة في عقيدتنا ومعاملاتنا.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وكان ابن عون يقول عند الموت: السنة السنة، وإياكم والبدع حتى مات. هذه العبارة وهذه المقالة أوردها المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الفصل، والذي أعده في ذكر الآثار المروية عن سلفنا الصالح. وهذه العبارة التي بين أيدينا فيها هذه المسألة، وفيها التعظيم لأمر السنة ولأمر هذه الشعيرة. قال المؤلف: وكان ابن عون يقول عند الموت: السنة السنة، وإياكم والبدع حتى مات. فيستفاد إخواني في الله ما كان عليه سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى من حرصهم ومن اهتمامهم بالسنة في جميع شؤونهم، وفي جميع أوقاتهم، في ترحالهم وفي إقامتهم، وفي ضعنهم وفي سفرهم، عند أهاليهم وكذلك عند أصحابهم، في حياتهم بل وحتى في مماتهم، في الرمق الأخير من الموت، وهم يتلفظون بهذه العبادة وبهذه الشعيرة العظيمة: السنة السنة. فهكذا الذي ينبغي إخواني في الله من أراد أن ينتسب للسنة حقا وصدقا، فعليه أن يتأسى بأحوال سلفنا الصالح، فليكن همه ومن أولويات دعوته في هذه الدنيا أن يدعو الناس إلى السنة، أن يدعو الناس إلى السنة في كل مقام، في كل ما يستطيع. إذا كان هذا حالهم عند الممات، فهم في حياتهم كان ذلك أجدى وأكثر وأحرى، فهم ما فتئوا حفظ رحمهم الله تعالى بدعوة الناس إلى السنة. وكذلك إخواني في الله، فيه ما يتعلق بحسن الخاتمة، وأن حسن الخاتمة يا عبد الله ليست أمنية تتمناها أو كلمات تحفظ، كحال بعض الناس عندما يسمع أن من حسن الخاتمة وأنك تنطق بلا إله إلا الله، فظن من ظن أن هذه عبارات تحفظ ثم يؤتى بها عند الممات. لا يا عبد الله، كم من الناس حفظوا هذه الكلمة، لكنهم استطاعوا أن ينطقوها لأن العبرة ليس بالحفظ وإنما العبرة بالعمل، من عمر هذه الدنيا بالأعمال الصالحة فإنه يختم بالعمل الصالح، كما قال جل وعلا: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾. فأهل الإيمان يثبتهم الله، أما كان من أهل الضلال ومن أهل الانحراف ومن أهل عصيان فليس له التثبيت وليس له التمكين. وكم لاحظنا وكم سمعنا عن عديد من موتى، منهم من مات على حسن الخاتمة، ومنهم من مات على سوء خاتمة. وإن أردت أن تعرف العمل يا عبد الله لسبب الواقع لإخلاف هذا عن ذاك، انظر إلى سيرة هذا وانظر إلى سيرة ذاك، من كان من المصلين، من كان من عباد الله الصالحين خُتِمت له بالخاتمة الحسنة، ومن كان من أهل السنة، من كان يتواصل بالسنة فإن الله جل وعلا يختم له بالسنة، ومن كان من أهل الانحراف، من أهل الشهوات والمنكرات والرذائل والقبائح والموبقات والحرمات والمحرمات والبدع والضلالات فإنه يختم بها، فالجزاء من جنس العمل. فابن عون إمام من أئمة السنة، فكان واقع أنه على السنة يدافع عنها وينافع عنها، فختم له ربنا جل وعلا بالحسنة، فمات على السنة. فإخواني في الله، فمن أراد أن يموت على حسن خاتمة فعليه أن يكرس حياته في تعظيم السنة، وهكذا في تطبيقها. وكذلك إخواني في الله، مما يستفاد في هذه الفقرة ما يتعلق بالوصية، أن الميت من كان قد قربت منيته وأوشك على الرحيل من الدنيا، أنه لا يقصر في أهله ومع أهله بالوصية. وليست الوصية مقتصرة على أنك توصي بالأمور الدينية الدنيوية البحتة، هذا مطلوب إن كان لك مظالم، كأنك توصي بإرجاع الديون، توصي بتلكم الأعمال، توصي ببعض الأشياء، هذا ليس من العيب، لكن هذا مطلوب إن كان لها مظالم للناس. لكن يا عبد الله، كذلك مع الوصية في الدنيا توصي بالدين، توصي أهلك، توصي أقاربك، توصي من بعدك من الذرية ومن الورثة ومن أهل بيتك خاصة، توصي بدين الله جل وعلا بالاستقامة والصلاح. وعلى هذا كانت الأنبياء والرسل، إذ قاله ربه: «أسلم»، قال: «أسلمت لرب العالمين»، ووصى بها إبراهيم بنيه، إبراهيم عليه السلام لما أوصى لما أسلم لربه جل وعلا بالاستقامة على دين الإسلام، ما الذي فعل؟ وصى بها أهله، وصى أهله وبنيه بالاستمساك بدين الإسلام، ونعم الوصية. وهكذا يا عبد الله، الوصية بالإسلام، وأخص منها الوصية بالسنة، أنك توصي أهلك بالسنة خاصة، وهذا الذي نبه عليه المؤلف رحمه الله تعالى عندما نقل عن ابن عون أنه قال: «السنة السنة حتى مات»، أوصى أهله وأوصى أقاربه بالاستمساك والتمسك بالسنة. وعلى هذا فعل نبينا عليه الصلاة والسلام عندما أوصى بتلكم الوصية العظيمة البليغة حتى ذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله، كأنها وصية ودع، فأوصنا، فقال: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة»، إلى أن قال: «وعليكم بسنتي». فكان نبينا في الوصايا يوصي العامة ويوصي الخاصة، ويوصي كذلك من كان من أقرب الناس إليه بالتمسك بدين الله، وخاصة التمسك إخواني في الله بالسنة. مع التنبيه إخواني في الله، الوصية بالسنة قد تكون وصية على صورتين: وصية عامة، كأنك توصي أهلك بالتمسك بالسنة، بمصاحبة أهل السنة، بالنظر إلى سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، بعقيدة السنة، بالنصائح العامة، هذا الذي ينبغي. وهناك كذلك وهو أخص من ذلك، وهو الوصية بالسنة في الأمر الخاص، وهما يتعلق بأمر الجنائز، وهو بأمر الجنازة، فإن ذلك مما ينبغي أن ينبه عليه. وقد نبه العلماء قديما وحديثا على الوصية بالسنة، وخاصة في الأوقات وفي الأزمان وفي الأماكن التي تفشو فيها البدع، أو أنه يغلب على ظنك يا عبد الله أنت قد تكون مستقيم بالسنة، لكن من بعدك ليس على الجادة، منهم المفرط ومنهم المقصر ومنهم الذي لا يبالي، والذي يماشي ويجاري عادات الناس، فهنا الوصية يتأكد في حقك، بل توجب في حقك بأن توصي بالسنة، توصي بالسنة في الجنائز، أنك تخرج على السنة. وقد أثر ذلك عن كثير من سلفنا الصالح، بل كذلك من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، أنهم كانوا عند احتضارهم وعند موتهم كانوا يوصون بالسنة. فمن ذلك ما رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث عامر بن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه أن أباه لما كان في مرض موته الذي مات فيه قال: «إلحدوا لي لحدا، وانصبوا علي اللبن نصبا كما فعل برسول الله صلى الله عليه وسلم». هذه وصية بتطبيق السنة عند الدفن. وهكذا ما جاء وكما رواه إمام أحمد كذلك في إسناد صحيح عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه أنه لما حضرته الموت، كما قال أبو بردة: «لما أوصى أبو موسى حين حضره الموت قال: إذا انطلقتم بجنازتي فأسرعوا بي المشي»، هذا من باب تطبيق السنة في المشي، قال: «ولا تتبعوني بمجمر»، وهو عدم الإتباع بالنار، وقد جاء النهي الصريح عن نبينا عدم إتباع الجنائز بالنار، قال: «ولا تجعل على قبري بناء»، كل ذلك في أمر ماذا؟ تطبيق السنة، أنك تحذر من أن تقع في البدعة بعد موتك، فعليك أن توصي بالسنة. وقال علماء: إن الأمر قد يصل إلى التأكيد، وهي الوجوب، غالب على ظنك أن هذا سيفعل بك، كحال الرجل يموت في بلدة يعلوها البدع، أو من أهله من لربما يجاري الناس، فإن خشيت من ذلك فالوصية أوصي عبد الله، الوصية العامة بالاستمساك بالسنة، وهكذا الوصية الخاصة بأن يكون مخرجك على مخرج السنة في دفنك وفي جنازتك، وفي سائر كذلك توابع الدفن. وهكذا ما جاء كذلك عن حذيفة أنه قال رضي الله تعالى عنه: «قال إذا أنا مت فلا تؤذنوا بي أحدا، إني أخاف أن يكون نعيا، فإني سمعت رسول الله ينهى عن النعي». ما أراد أن يلشر ويذكر اسمه، وذلك على النهي الذي ظنه حذيفة نعيا رضي الله تعالى عنه. وآثار كثيرة إخواني في الله فيها حال سلفنا الصالح أنهم عند موتهم وعند مماتهم كانوا يوصون بالوصية الخاصة المتعلقة بالسنة. ولهذا يقول الإمام النووي رحمه الله تعالى، ومن أئمة الشافعية، قالوا: «يستحب له استحبابا مؤكدا»، وهذا في حل المحتضر، وفي حل الميت، يستحب له استحبابا مؤكدا أن يوصيهم باجتناب ما جرت العادة به من البدع في الجنائز، ويؤكد العهد عليهم أنك توصي، وهكذا تؤكد العهد عليهم أنهم يلتزموا بترك هذه العادات وبترك هذه البدع، وأن يكون مخرجك يا عبد الله على مخرج السنة. فهذا الذي أراده المؤلف رحمه الله تعالى، ويستفاد من قوله: «السنة السنة وإياكم والبدع حتى مات»، إما السنة بالتوصية العامة بأن تتمسك بالسنة في عقيدتك في معاملاتك، أو كذلك التطبيق السنة في أمر الجنازة خاصة. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.