الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 136، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
المقطع يشرح مفهوم غربة السنة وأن أهل السنة هم غرباء حتى بين المسلمين، ويبين أهمية التمسك بالسنة في زمن الغربة. يشير إلى أن السنة في الإسلام أعز من الإسلام في الأديان الأخرى.
يؤكد على أهمية التمسك بالسنة في زمن الاختلاف والغربة، ويشدد على ضرورة الدعوة إليها بأي وسيلة ممكنة، مع التأكيد على الرحمة في التعامل مع أهل السنة.
يجب على أهل السنة في زمن الغربة أن يتعاملوا مع بعضهم بالرحمة والرفق والتأييد والنصرة، وأن يتجنبوا الشدة والقطيعة والهجران، وأن يكتفوا هفوات إخوانهم ويشدوا أزرهم.
أوضح أهمية الدعوة إلى السنة والاستجابة لها مستشهدا بمقولة يونس بن عبيد، ثم اختتم الدرس بالدعاء والصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقال يونس بن عبيد: العجب ممن يدعو اليوم إلى السنة، وأعجب منه من يجيب إلى السنة فيقبل. في هذا الباب، إخواني في الله، لازلنا مع المؤلف رحمه الله تعالى في ذكر الآثار والمقالات المروية عن سلفنا الصالح في باب الحث على السنة، وهكذا التحذير من البدع والمخالفات. وها هنا أورد المؤلف رحمه الله تعالى عبارة عن إمام من أئمة السنة، وهو يونس بن عبيد، حيث قال رحمه الله تعالى: العجب ممن يدعو اليوم إلى السنة، وأعجب منه من يجيب إلى السنة فيقبل. هذه العبارة، إخواني في الله، تدور حول وصف حال أهل الدين وحال أهل الصلاح في زمن غربتهم. فالأدلة من القرآن ومن السنة قد دلت على أنه سيأتي على الناس زمان تتغير فيه الأحداث وتتغير فيه مجريات الأمور، وأن تكون الغلبة وتكون الهيمنة في بعض الأحيان لأهل الفساد وأهل الانحراف والانحلال. وأما أهل الصلاح فهم في قلة، كما قال جل في علاه: ﴿وقليل ما هم﴾، وقال سبحانه: ﴿وقليل من عبادي الشكور﴾. وبخلاف أهل الفساد، فهم الكثرة، وهم الكثرة المتكاثرة في الدنيا، وهكذا في الآخرة، فإنهم حصدوا جهنم، هم لها واردون. والمؤلف رحمه الله تعالى هنا بين ما يتعلق بالغربة، وهي غربة الدين. ولا تظنن، يا عبد الله، أن المقصود بالغربة عندما تسمع بها في الشريعة أن الغربة أن تكون في قرية أو تكون في بلدة لا يعرفك فيها أحد ولا تعرف فيها أحدا، فتكون غريبا بهذه الصورة، أو أن تكون في مكان مقفر ليس فيه أحد من البشر، لا من يآنسك ولا من يجالسك. ليست هذه الغربة، إخواني في الله، المعنية في الشريعة. وإنما الغربة في دين الله أنك قد تكون، يا عبد الله، في بلدة مكتظة بالسكان، قد تكون، يا عبد الله، في بلدك، في بلدك وبين أسرتك وبين أولادك وبين عشيرتك وبين قبيلتك، وأنت كذلك تعد من الغرباء. فليست الغربة غربة المعرفة، وليست الغربة غربة الأجساد، وإنما الغربة المعنية في ديننا سبحانه وتعالى، في شريعتنا، هي غربة الدين. أنك تكون، يا عبد الله، بين أناس هم ليسوا على دينك، ليسوا على منهاجك، ليسوا على طريقتك. ولدل في هذا الباب كثيرا. وهنا المؤلف رحمه الله تعالى ذكر عبارة يونس بن عبيد، الذي فيها غربة هي من أخص غربة الإسلام، ألا وهي غربة السنة. الإسلام والمسلم قد يكون غريبا، لكن أخص من المسلم السني، فإن السني، إخواني في الله، غربته أشد، غربته أشد. وهذه العبارة التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى فيها بيان لذلك. فأول شيء، إخواني في الله، على المسلم أن يعلم أن أهل السنة هم غرباء، هم غرباء في أوطانهم، غرباء بين أهاليهم، غرباء بين جيرانهم وأصحابهم. قال عليه الصلاة والسلام: «بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ». الأوزاعي رحمه الله تعالى، ولله دره، شرح هذا الحديث وعلق على هذا الحديث، قال: أما إنه ما يذهب الإسلام، وسيعود غريبا. قال: أما إنه ما سيذهب الإسلام، ولكن يذهب أهل السنة، حتى لا تجد في البلدة إلا رجلا واحدا. فسر الحديث رحمه الله تعالى ليس على الإسلام، على غربة السنة خاصة. قال: أما إنه لا يذهب الإسلام، ولكن يذهب أهل السنة، حتى إنك لا تجد في البلدة الواحدة إلا رجلا واحدا. تجد بلدة كبيرة عظيمة، فيها ما فيها من الخلائق والبشر، فإذا أردت أن تحصي أهل السنة فيها، فما تجد إلا رجلا واحدا فقط. وأما البقية الباقية، فهم من أهل الشهوات، ومن أهل الشبهات، من الفرق الضالة والمناهج المنحرفة، ومن الفئة التي خرجت عن الجادة، عن الطريق. فهذه الغربة، إخواني في الله، هي أن الرجل يكون غريبا في أهله، وذلك بما تميز به من السنة التي اعتنقها في صدره، وأصبحت في لسانه، وأصبحت في قلبه، بل يعيش عليها ويحيا بها. ويقول أو بكر بن عياش رحمه الله تعالى: قال: السنة في الإسلام أعز من الإسلام في الأديان. وهنا أعز، أي معنى العزة بمعنى الندرة، أي أنه عزيز، قليل جدا. فبين رحمه الله تعالى علاقة أن لو أردنا أن نقارن بين وجود الدين الإسلام مع باقي الملل، فالإسلام لا شيء بالمئات الملايين من الخلال الذين ارتدوا عن دين الله، من اليهود والنصارى والمجوس وهكذا البوذية، واناهيك عن الفرق اللادينية من الملاحدة والشيوعية، واناهيك عن الفرق المرتدة، كثير جدا. المسلم لا شيء أمام الفرق الضالة. ثم بيّن رحمه الله تعالى أن السنة مع المسلم أقل من هذا المضمار. إذا كان المسلم مع الفرق الكافرة هو قليل، فكذلك السنة مع المسلم هي أقل من ذلك. قال: السنة في الإسلام أعز، أي في القلة، من الإسلام عن سائر الأديان والملل. فهذا، إخواني في الله، يدلك على غربة الدين وعلى غربة السنة. والواقع الذي يراه المسلم الصادق في دينه والصادق في استقامته يرى ذلك. يرى أنه لربما يبتلى ببلدة، يبتلى بقرية، ليس إلا هو على الطريقة الوحيدة، بينما قومه إما على شركيات، إما على خزعبلات، إما على إحداث في الدين، وإما على رأي يخرج عن دائرة الإسلام، وإما على بدع وعلى أهواء وعلى أفكار، بينما هو وحيدا فريدا. فماذا يستمسك بدين الله جل وعلا إذا علمنا، إخواني في الله، أن الغربة حاصلة، وأن غربة العبد تكون كذلك في دينه، وكذلك في استقامته وسنته؟ ما الذي يتطلب منه؟ ما الذي ينبغي أن يفعله المسلم إزاء هذه الغربة؟ هناك أمور، إخواني في الله، نقتصر بها المقام. ما هو العمل الذي ينبغي أن يعمله المسلم في أيامي وفي زمن الغربة؟ أهم عمل، يا عبد الله، عليك أن تتعقله وأن تتفهمه وأن تسارع إلى تطبيقه، هو أنك، يا عبد الله، تزداد تمسكا بالسنة. لا تحتج ولا تعتذر بكثرة الملهيات وبكثرة الفرق الضالة، أو أن المجتمع على خلاف طريقتك. لا تحتج بأن هذا أشياء ذريعة في أنك تتنازل عن دينك، أو أنك ذريعة أن تتهاون في شيء من شريعة رب العالمين. كم يفعله بعض الناس ممن ينهزم ويسمى بالغزو الفكري، ينهزم فكريا أمام هذه الجيوش الجرارة من الفرق والضلال والأهواء وهكذا البدع والخزعبلات، ينهزم أمامه. فترى يذوب ويذوب ويذوب حتى يتنازل الكثير من مضمار السنة، إن يتنازل في منهاجه، وإن يتنازل في معاملته، وإن يتنازل في تعبده، وإن يتنازل في عقيدته. كل ذلك، يا عبد الله، خروج عن السنة التي أمر نبينا بتطبيقها وبالتزام بها. **قال عليه الصلاة والسلام: «القابض على سنتي عند اختلاف أمتي كالقابض على الجمر»**. والحديث يحسنه الألباني رحمه الله تعالى في صحيح الجامع. فهذا الحديث، إخواني في الله، من الأحاديث التي فيها الأمر على أنك، يا عبد الله، لا تجعل هذه الاختلافات الموجودة وهذه الأهواء المتضاربة وهذه الفرق المتناحرة أنها ذريعة ووسية لك، يا عبد الله، أن تفلت شيئا، تفلت الكثير والكثير من السنة. لا، يا عبد الله، بل عكس ذلك، أنك تزداد تمسكا، ويكون حالك كحال القابض على الجمر. الجمر الذي لا أحد يقبض عليه. كن قابضا عليه. لماذا؟ لأنك تريد النجاح، وتريد كذلك الفوز بما عند الله جل وعلا. فهذه الطريقة الأولى، يا عبد الله، التمسك بالسنة، أيام الفتن، وخاصة في أيام الغربة. وكذلك، يا عبد الله، من الذي ينبغي أن يكون على أهل الغربة؟ الدعوة، الدعوة إلى السنة. كما قال المؤلف رحمه الله تعالى: ها هو عن يونس بن عبيد قال: قال: والعجب ممن يدعو اليوم إلى السنة. هذا محل إعجاب، محل إعجاب الناس. ما طبقوا السنة، وأنت زدت فوق هذا، أنك تدعو للسنة. تدعو للسنة. وقد مر معنا، إخواني، في دروس قديمة، أن الدعوة للسنة أو الدعوة بشكل عام، ليس بلازم أن تكون عبر المنابر أو عبر المكبرات. هذا ليس بلازم. هناك الدعوة الفردية، هناك باللسان، هناك بالنصيحة، هناك بالإرشاد، هناك بالتوجيه، هناك بالتوزيع، هناك بالزيارة. دعوة شاملة عامة تشمل جميع مضامين الحياة. فبعض الناس، إخواني في الله، من أهل السنة، ظن أن باب الدعوة قد أغلق عليه. يظن أن الدعوة قد أغلقت عليه. لماذا؟ لأن حصرت دعوة أنها تكمن في مكبرات الصوت، وفي القيام أمام الخلق. هذا ليس هذا، يا عبد الله، كل الدعوة. هذا بعض الدعوة، لكن ليست كل الدعوة. يا الله جل وعلا، يا عبد الله، الخطب بعض الدعوة، المحاضرات بعض الدعوة، الدروس بعض الدعوة، الدروس الخاصة بعض من دعوة. حتى حلقات الأطفال تعتبر دعوة. تمسك حلقة من حلقات الأطفال، تربي الناس على السنة، هذه دعوة. وكذلك الزيارات، وكذلك التوزيعات. ما عندك قدرة على الكلام، عندك قدرة في المال، أن توزع المنشورات، مطويات تدعو للسنة، مطويات لكلام العلماء في هذه الفرق الحادثة، في هذه النوازل النازلة على الأمة والداهمة على المجتمعات. توزع مثل هذه الأشياء. ما عندك قدرة على المال، عندك قدرة على التوزيع، وزع هنا وهناك. هذا دعوة. كل ذلك دعوة. نبيك قد أرشد إلى الدعوة. **قال عليه الصلاة والسلام: «من سمع منا مقالة فوعاها فأداها كما سمعها، نظر الله إليه»**. مقالة واحدة، وليس يشتط في الدعوة أن تكون، يا طالب علم، مبرزا، أو عندك إلمام بالعلوم الشرعية. حديث واحد أتقنته وتعلمت حكمه، وخاصة من أحكام السنة، فتدعو الناس، يا عبد الله، إليه. **قال عليه الصلاة والسلام: «نظر الله إلى امرئ سمع منا مقالة فوعاها فأداها كما سمعها»**. وهكذا، يا عبد الله، هذا الذي ينبغي أن يهتم به أهل السنة في زمن الغربة. فهي غربة، فلا تزيد الغربة غربة، يا عبد الله، بنيازك. لا، لابد أن يخرج المجتمع من هذه الغربة، ومن هذه الكربة التي ألمت به. أصبح الكثير من الناس يغفل عن السنة. وأنتم ترون، إخواني في الله، من ذهب إلى شرق الدنيا وإلى البلاد والأنحاء والقرى ودعا الناس، يرى انبهار الكثير من الخلق من الأحكام الشرعية. تأتي بمحاضرة، تأتي بمجالسة، تأتي بزيارة، تأتي بأحكام شرعية من أمور السنة، تجمع الناس، ربما يحكوا رأسه، ومن ينظر لذلك متعجبا لعجبه مما يسمع من أخبار السنة. فهل يحرم الناس، إخواني في الله، منها الدعوة بحجة أننا في زمن غربة؟ لا، يا عبد الله، لا نحتج. بل هذه الغربة تكون من أعظم الدوافع لأهل السنة في الانتشار، انتشار إما بأفكاره، إما بأقواله، إما بآرائه، مما بماله. كل ينشر دعوة دعوة السنة، يا عبد الله، بأي شيء. وهذا كما قال من نصر الدين، الله. وهذا محل إعجاب، كما قال المؤلف رحمه الله تعالى: العجب ممن يدعو إلى السنة. وكذلك، يا عبد الله، ممن ينبغي في زمن غربة أن تتقبل السنة، أنك تتقبل السنة. وهذا كذلك ما ذكر المؤلف، محل إعجاب. قال رحمه الله تعالى عنه: قالوا: أعجب منه من يجيب إلى السنة فيقبل. هذا محل عجوبة، في أيام هذه الأزمان خاصة، التي تتوالى شبهات والشهوات والفرق الضالة. تأمل عجب أنك تعرض السنة، تعرضها على أحد من البشر، فإذا به يتقبلها. هذا عجوبة، يعني هذا من توفيق الله، من توفيق الله بعباده، أنه يأخذ بنواصيهم في زمن الغربة إلى أهل السنة. يقول أيب باستختيان رحمه الله تعالى: ونقل هذا كذلك عن شوذب، وعن جماعة من أهل السنة، قالوا: من سعادة الحدث والأعجمي أن يوفق إلى صاحب سنة ليحملهم عليها. هذا من سعادة الله، من سعادة العبد، من سعادة الربع للعبد، أنه يسعده بهذه العجوبة، أن الله جل جلاله يجعل الحدث الصغير، وهكذا الأعجمي، ممن دخل في الإسلام لتوه، أن يوفق إلى السنة مباشرة، يذهب إلى السنة. وهذا من فضل الله على العباد. وإلا كم من أناس، إخواني في الله، سمعنا أنهم كانوا كفارا، وكانوا على غير ذي الإسلام، فدخلوا إلى الدين، لكن ليس على طريق السنة، وإنما على فرق ضالة. بل الأسف منهم من دخل إلى الدين عن طريق الفرق المرتدة، من القديانية، من البهائية، ممن هم من أهل النار، هم كفار، خرجوا من كفر ودخلوا إلى كفر. ويذكر من الطرائف أن رجلا من العلماء رأى رجلا فتعرف عليه، فسأله: ممن أنت؟ فأخبر أنه كان كافرا وأنه لم يكن مسلما وأنه دخل في الدين. فقام هذا العالم، وحمد الله على إسلامه، قال: لكن من أي دين؟ من أي فرقة؟ فأخبر أنه من أحد الفرق المرتدة. فقال: ما فعلت شيئا، وما صنعت شيئا، سوى أنك خرجت نفسك من زاوية من جهنم إلى زاوية أخرى. هذا حاله. كنت في جهنم في زاوية، ثم أصبحت في زاوية أخرى من جهنم، لأنك من الكفار لازلت. فأخبر من الشقاء ومن التعاسة. ولهذا، إخواني في الله، فينبغي للمسلم الحصيف، من أراد النجاة، أنه يكمل إسلامه بتطبيق السنة، يحرص على تطبيق السنة. لا يتكلم، يا عبد الله، بالإسلام العام، بالأحكام الشرعية بالفراد، بل عليك، يا عبد الله، أن تعرف ما هي السنة، تتمسك بها، تعتصم بها. سنة المصطفى عليه الصلاة والسلام في أقواله، في أعماله، في عقائده. وهكذا، يا عبد الله، هذا من توفيق الله، من توفيق الله لعباده، أن يوفقهم إلى السنة، وماذا؟ وإلى عالم من علماء السنة، يحملهم عليها. وهكذا، يا عبد الله، من الأمور التي ينبغي أن تراعى في زمن الغربة، الرحمة، الرحمة في التعامل. كيف تتعامل، يا عبد الله، مع أهل السنة؟ كيف يتعامل الغريب مع الغريب؟ كيف يتعامل الغرباء مع الغرباء؟ لابد، إخواني في الله، أن تكون السمة البارزة في أهل الغربة، فيما بينهم، الرحمة. لا يكون الغرباء، يكفيهم غربة الخارج، يكفيهم غربة الأهل، غربة الزمان، غربة المكان، غربة الأحوال، غربة الأفكار. ثم تأتي إلى غربة الغرباء، ما يمكن أن يكون غريب مع غريب. فالغرباء، إخواني في الله، بأمس الحاجة بعضهم لبعض إلى هذا. كان السلف رحمه الله تعالى يظهرون مدى قوة تماسكهم، وخاصة في زمن غربتهم. يقول أيب السختياني رحمه الله تعالى: قال: إنه لا يبلغني خبر موت رجل من أهل السنة، فكأنما أفقد بعض أعضائي. يأتي خبر عن رجل من أهل السنة أنه مات، هل يفرح؟ هل يطرب؟ لا، يحزن. بل من شدة حزنه، يرى أنه عضو قد فقد، شيء من أعضائه. أنت، يا عبد الله، تخيل لو قدر لك بحادث، فأصبحت بالصباح وقد أبتر عضو من أعضائك، أصيب البتر، قطع يدك أو رجلك أو شيء من أعضائك. كيف يكون حالك؟ الأسى والحزن يعلوك. وهكذا حال سلفنا الصالح، إذا بلاغهم عن موت رجل من أهل السنة. قال: يبلغني عن موت رجل من أهل السنة، فكأنما أفقد بعض أعضائي. فإخواني في الله، فلابد أن يظهر مثل هذا الأسى على فقد رجل من أهل السنة، ولو لم تعرفه، ولو لم تعرفه، لكنه كان على السنة. يا أجد، رجل من أهل السنة حزين. لماذا حزين؟ قل: ما أتى رجل أخ لي في القرية الفلانية، في شرق الدنيا، على السنة. أنت تحزن كذلك تحزن لذهابه، لأن بذهاب هؤلاء هو الذهاب للسنة، ذهاب للسنة. والعكس بالعكس، فإن بلاغك عن رجل من أهل السنة، وهو بعيد، وهو حي، فإذا أمكنك، يا عبد الله، أن تلقي عليه السلام، فالقي عليه السلام. يقول سفيان رحمه الله تعالى: إذا بلغك عن رجل من أهل السنة بالمشرق، وآخر بالمغرب، فابعث إليهما بالسلام. ما أقل أهل السنة. رحمة الله على السلف، ما أقل أهل السنة. هذا الواجب في زمن الغربة. لما تسمع ما نسمع من بعض الناس في هذه الأزمان، مما انتكست أفكاره. إذا سمع الرجل من أهل السنة في قرية، بل بعضهم يتهكم، يوجد سنة. صحيح أهل السنة، وأهل السنة يختلفون. أهل السنة الذين هم في بلاد الإسلام ليسوا كأهل السنة في بلاد الغرب. تأتي من الملهيات، من الضيق، كذلك من الأمور، من الكروب، ما يأتيهم، فيقع فيهم، يضيق ما يقع بهم، بحيث ما يمكنهم أن يأتوا بالسنة بكمالها وتمامها. فلا تجعل هذا السني المضيق عليه محلا للسخرية، أنك تستهزئ بهم أو تتهكم بهم. انظر لهؤلاء ما من السنة معهم. لا، يا عبد الله، ابعث إليهم بالسلام. احمد الله أن لك أنصارا لك، أعوانا لك، إخوانا من أهل السنة، ولو كانوا على تقصير، هم على السنة، لا زالوا. فليس من شرط السنة أن يكون معصوما، أو يكون سالما من الخلل. وقد مر معنا عبارة شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، قال: وليس من شرط أولياء الله إلا أن يكونوا معصومين. هذا ليس شرطا، فضلا أن يكون كذلك. أهل السنة يقع منهم القصور والتفريط، لكنهم على الجادة. فإن كانوا على الجادة، وهم كانوا على خط السنة، وإن حصل منهم ما حصل، فلا يأتي منك، يا عبد الله، إلا النصرة، إلا التأييد، إلا أن تبعث إليهم بالسلام. **قال رحمه الله تعالى: فابعث إليهما بالسلام**. ما أقل أهل السنة. فهذا، إخواني في الله، فيه الواجب، تواصل الغرباء مع الغرباء في زمن غربة، بمعاملة علوها الرحمة، الشفقة، التأييد، النصرة. يقول الحسن رحمه الله تعالى: يا أهل السنة، ترفقوا، رحمكم الله. فإنكم من أقل الناس. الرفق لازم. ترفقوا، رحمكم الله. فإنكم من أقل الناس. لكن أين هذه الوصايا؟ السلف في زمن غربة بحق. إذا كان الحسن البصري، وهو من هو، رحمه الله تعالى، البصري في زمن البصرة، الذي كان يعلوها العلماء والطلاب والمحدثون، فيها من الخير ما فيها. ومع ذلك يوصي أهل زمانه: يا أهل السنة، ترفقوا، رحمكم الله. فإنكم من أقل الناس. فما بالك، يا عبد الله، ونحن في هذا الزمن؟ لا معين، لا ناصر، قلة العلم، قلة الدين. ما نقول حسين في أنفسنا، لكن هل المعاملة فيها رفق؟ بالعكس، نرى الكثير من من ينتمي إلى السنة، وينتسب إلى السنة، ما يرفع العداوة. أول ما يرفع الإخوانه، ما يرفع العداوة. لربما إذا تصدى لأهل البدع، الذي قد ظهرت بدعتهم، لربما فيه اللين في أسلوب الدعوة، وفيه كم يقال اللين معهم، والعطف عليهم. لكن إذا كان مع إخوانه، ترى الشدة، الشدة. بل ربما تصل الشدة للقطيعة والهجران، على ما سأل، ما تنبغي، يا عبد الله، ترفق، رحمك الله. هذا سني منك وإليك، دينكم واحد، عقيدة واحدة، أنتم على السنة، في مجال واحد، عقيدة سنية، ومنهج سني، وسلوك سني. إذا ما الذي بقي؟ ما الذي بقي حتى تأتي هذه الفرقة والاختلافات والتناصر والهجران؟ على ماذا؟ أين الرفق، يا عبد الله؟ وهكذا يقول سفيان الثوري رحمه الله تعالى: عبارات كثيرة، إخواني في الله، يقول سفيان الثوري: استوصوا بأهل السنة خيرا، فإنهم غرباء. وما اندر، يا عبد الله، على عبارات السلف، أن كل قد تواتر على وجوب التعامل بالرفق والنصرة والتأييد والرفق والرحمة. استوصوا بأهل السنة خيرا، فإنهم غرباء. زل في زلة، لا تدفعه دفا تخرجه من السنة. هذا كبيع بعض الناس. لا أقول أنه يجد هفوة من أخي، بل يبحث، يبحث، ينظر: هل أخي هفوة؟ فإن وجد هفوة، وعثر عليها، يرمي بها، وينشرها، ثم يدفعه دفا، دفا، دفا، حتى يخرجه من السنة. يقول: ارتحنا منه. أين الثاني من الفي؟ الحلبة الثاني يبع من الإخوانه. وهكذا يصفي، يصفي، حتى لا يبقى إلا هو، ومن كان في جماعته. لا، يا عبد الله، هذا ليس من دين الله، هذا ليس من إيصائه لأهل السنة بعضهم لبعض. الرفق، يا عبد الله، إن عثرتنا على هفوة، اكتمها. إن وقع في زلة، امسك بيده، شده لك، شد. أسأل الله السنة. يقول: نحن في غربة، ماذا تفارق؟ تجمع، تكاثر، من سوادنا، في هذا زمن غربة، لأننا ندف بعضنا بعضا. إخواني في الله، وهذا واجب. فإخواني في الله، من تأمل عبارات سلفنا الصالح، يرى مثل هذه الوصايا العظيمة، التي لم يتفطنها الكثير والكثير من أهل السنة. أصبحت المعاملة هي الشدة، هي السمة البارزة. لا، يا عبد الله، بل الرفق هو السمة البارزة في تعامل أهل السنة بعضهم لبعض. لا نقول أن الشدة معدومة، الشدة في محلها، وفي مضانها، وهي قليلة، وهي قليلة. وأما الأصل، كما قال جل في علاه: **﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾**. محمد عليه الصلاة والسلام، صاحب السنة، ما أقام دينه إلا على الرحمة. **﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾**. هذا، إخواني في الله، فيما يتعلق بعبارة المؤلف رحمه الله تعالى، حيث قال يونس بن عبيد: العجب ممن يدعو اليوم إلى السنة، وأعجب منه من يجيب إلى السنة فيقبل. أسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.