أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 145

أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 145

الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 145، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

معنى الإيمان بالجنة والنار ودليل وجودهما الآن

يشرح المقطع معنى الإيمان بالجنة والنار متضمناً وجودهما الآن وبقاءهما أبداً، وأن الجنة دار المؤمنين والنار دار الكافرين، مع الإيمان بكل ما ورد من نعيم وعذاب. يستعرض الدليل على وجودهما الآن بالإجماع ويرد على المعتزلة الذين يزعمون أنهما تخلقان يوم القيامة، مبيناً أن قولهم يستلزم التشبيه والتعطيل.

حكمة خلق الجنة والنار قبل يوم القيامة

يؤكد المقطع أن أفعال الله قائمة على حكمة بالغة قد لا تدركها العقول، مستدلاً بتقبيل عمر للحجر الأسود تعبداً. يرد على الاعتراض بذكر فوائد حالية: تنعم أرواح المؤمنين في الجنة وعرض الكفار على النار في البرزخ، وازدياد الجنة بناءً بأعمال المؤمنين.

أدلة وجود الجنة والنار في الوقت الحاضر من القرآن والسنة

يستعرض المؤلف أدلة من القرآن والسنة تثبت أن الجنة والنار مخلوقتان الآن، منها صيغة الماضي في آيات الإعداد، وإسكان آدم في الجنة، وعرض الكفار على النار، وأحاديث الإسراء والمعراج، وفتنة القبر، ونسب الحر والبرد إلى فيح جهنم. ويذكر أن هذا مذهب جمهور أهل الإسلام.

رد قول المعتزلة وختام البحث في مسألة الجنة والنار

يؤكد المقطع أن المخالفين هم الشذاذ من أهل البدع والأهواء وهم المعتزلة، وقد تم تفنيد قولهم والرد عليه سابقاً. ويختتم المؤلف بالاكتفاء بما ذُكر مع تفويض العلم لله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد، يقول العلامة حافظ حكمي رحمه الله تعالى في كتابه "أعلام السنة المنشورة"، الحديث 130، السؤال 130: ما معنى الإيمان بالجنة والنار؟ قال: الجواب: معناه التصديق الجازم بوجودهما، وأنهما مخلوقتان الآن، وأنهما باقيتان بإبقاء الله لهما لا تفنيان أبداً، ويدخل في ذلك كل ما احتوى عليه هذه من النعيم وتلك من العذاب. تقدم معنا في الدرس الماضي أن الإيمان بالجنة والنار يتضمن أربعة أشياء أو أربعة أمور: الأمر الأول: الإيمان بوجودهما وأنهما مخلوقتان الآن. هذا الأمر الأول، وهذا معنى قوله: "التصديق الجازم بوجودهما وأنهما مخلوقتان". الأمر الثاني مما يتضمنه الإيمان بالجنة والنار: أنهما باقيتان بإبقاء الله لهما لا تفنيان أبداً. وهذا سيأتي معنا في سؤال مستقل؛ لأن الجنة دار المتقين إلى أبد الآبدين فلا تفنى، وكذلك النار فإنها دار الكافرين إلى أبد الآبدين، فهما لا تفنيان أبداً بل باقية ودائمة. الأمر الثالث مما يتضمنه الإيمان بالجنة والنار: أن الجنة دار المؤمنين المتقين الطائعين، وأن النار دار الكافرين والمنافقين. الأمر الرابع: ما ذكره المؤلف هاهنا، الإيمان بكل ما ورد من نعيم الجنة وبكل ما ورد من عذاب النار. وهذا معنى قوله: "ويدخل في ذلك كل ما احتوى عليه هذه من النعيم" يعني الجنة، "وتلك من العذاب" يعني النار. فالجنة فيها من الأشجار والأنهار والحور الحسان، وكذلك كل ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين. وأما النار ففيها العذاب من الزقوم ومن الحميم ومن كذلك العذاب الأليم. السؤال مئة وإحدى وثلاثون: ما الدليل على وجودهما الآن؟ اعتقاد أن الجنة والنار مخلوقتان وموجودتان الآن، وليس أنهما تخلقان أو توجدان يوم القيامة. هذا ما اتفق عليه المسلمون قاطبة، ولم يخالف في هذا إلا الشذاذ من أهل البدع والأهواء كالمعتزلة. فإن المعتزلة يقولون: إن الجنة والنار تخلقان يوم القيامة، ما يقولون أن الجنة... إن الجنة والنار مخلوقتان الآن، وإنما تقول المعتزلة: إن الجنة والنار تخلقان يوم القيامة. واتبعوا أهواءهم في هذه المسألة كما اتبعوا أهواءهم في غيرها من المسائل التي ضلوا فيها. وحجتهم في هذا القول: إن خلق الجنة والنار قبل أن يدخل فيها المؤمنون والكفار، وكذلك بقاؤها الآن من غير أن يسكنهما أحد، قالوا: هذا عبث، والله ينزه عن ذلك. تعالى الله عن قولهم. فهؤلاء مشبهون؛ أولاً: شبهوا فعل الله عز وجل بفعل المخلوق. فإن هؤلاء أولاً يقيسون أفعال الله تعالى على أفعال خلقه، على أفعال خلقه. فهم يقولون: لو أن إنساناً بنى قصراً وأغلقه، لا هو سكن فيه ولا أسكن فيه أحد، قالوا: هذا من العبث. فقاسوا هذا الأمر على ذلك، فجمعوا بين الشرين: بين التشبيه والتعطيل. شبهوا أولاً ثم عطلوا، كحالهم في أمر الصفات، كأمرهم، كفعلهم في أمر الصفات. ولا شك أن هذا مذهب رديء باطل، مردود عليهم بعشرات الأدلة كما ستسمع من جواب المؤلف رحمه الله تعالى، ويرد عليهم. وكذلك ينسف باطلهم في هذه المسألة بأمرين اثنين في قولهم: أن هذا عبث، أي أن تخلق الجنة والنار العظيمتان ثم إنهما يبقيان فارغتين دون أن ينتفع بهما. يرد عليهم بأمرين اثنين: الأمر الأول: أن الله سبحانه وتعالى له في خلقه الحكمة البالغة، فهو الحكيم سبحانه وتعالى، ولا شك أن خلقه للجنة والنار الآن فيه حكم عظيمة، فيه حكم عظيمة، علمها من علمها وجهلها من جهلها. فالمؤمن قوي الإيمان هو الذي يؤمن بما أخبر الله به يخبر، أو يؤمن بما أخبر الله به، علم الحكمة أم لم يعلمها. وأما من يربط إيمانه بمعرفة الحكمة فيما أخبر الله أو فيما أمر الله أو فيما نهى الله، فهؤلاء إيمانهم ضعيف مهزوز، وهؤلاء فيهم شبه بالمشركين الذين طلبوا الآيات، كقولهم: "لن نؤمن حتى نرى أو حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله"، أي يريدون أن يوحى إليهم وأن يكون عندهم من العلم مثل علم الملائكة. فهؤلاء ضلال. لا يشترط للمخلوق أن يعلم الحكمة، بل يجب عليه أن يؤمن بتفاصيل حكمة الله عز وجل في كل الأمور، في كل الأمور، وأن الله سبحانه وتعالى لا يخلق شيئاً عبثاً ولا يأمر بشيء كذلك عبثاً. فكل أفعال الله وكل أوامر الله سبحانه وتعالى قائمة على الحكمة، قائمة على الحكمة. فنؤمن إيماناً مجملاً بأن الله حكيم له الحكمة البالغة في كل ما يخلق وما يقدر سبحانه وتعالى، وإن عقولنا أضعف من أن تستوعب جميع حكم الله عز وجل في كل شيء. ولذلك عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه لما قبل الحجر الأسود ماذا قال؟ قال: "والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك". تعبداً وخضوعاً. فكل خلق الله وكل ما أمر الله وكل قدر الله فيه الحكمة، قد نعلمها وقد لا نعلمها، قد نعلم بعضها وتخفى علينا كثير منها. فهؤلاء كأنهم اعترضوا على خلق الله، وكيف أن الله عز وجل يخلق الجنة والنار وهي الآن فارغة من ساكنيها. هذا كالاعتراض على قضاء الله عز وجل، ولا حول ولا قوة إلا بالله. هذا أولاً: يرد عليهم بهذا، أن الله عز وجل ما خلق الآن الجنة والنار إلا لحكم كثيرة قد نعلمها وقد لا نعلمها. ثانياً: أن يقال إن الحكمة في خلق الجنة والنار قبل يوم القيامة لها حكم كثيرة، أظهر الله عز وجل لنا منها الشيء الكثير، وليس كما يقولون أن هذا لا حكمة فيه. فمثلاً بأدنى تأمل: لو قلنا مثلاً إن الجنة والنار لا ينتفع بهما الآن ولا فائدة من خلقهما... فالجنة الآن يتنعم ببعض نعيمها المؤمنون، يتنعم ببعض نعيمها الآن المؤمنون. دليل ذلك: ألم يقل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "إنما نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله تبارك وتعالى إلى جسده يوم القيامة"؟ متى تعلق هذه الأنفس الآن؟ وأين تعلق؟ في شجر الجنة. إذن هل ينتفع الآن بالجنة؟ نعم، ينتفع بالجنة، إذ أن أرواح المؤمنين تعلق في شجر الجنة، وما أدراك ما شجر الجنة؟ بمعنى أنها تنعم. أليس أليس في هذا فائدة؟ بلى. مثال آخر: أليس الجنة تعرض على أهلها يوم يكون الإنسان في قبره، كما مر معنا في نعيم القبر وعذابه، ويفتح له نافذة إلى الجنة فيأتيها من روحها وريحانها؟ أليس هذه فائدة الآن؟ أليست هذه فائدة الآن من وجود الجنة؟ إذا مت يا عبد الله ووضعت في قبرك وأنت من المؤمنين، فإنه تفتح لك نافذة من الجنة وتشم من ريح الجنة وريحانها الطيب. أليس هذا مما ينتفع به؟ أليس هذه فائدة من فوائد وجود الجنة الآن؟ وهكذا النار: النار أخبرنا الله عز وجل أن الكفار ينالهم نصيب من عذابها ومن شدة نارها وهم في البرزخ. ألم يقل الله عز وجل عن آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾؟ فقوله سبحانه وتعالى: ﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾، متى هذا العرض؟ كما مر معنا في أدلة عذاب القبر في حياة البرزخ، في حياة البرزخ، وهم الآن في قبورهم. فإذن أليس هذا أثر من آثار وجود النار الآن؟ فكيف يقال إنه لا فائدة من خلقها قبل يوم القيامة؟ ومر ومر ومر معنا أيضاً في حديث البراء كذلك: أن الكافر أو المنافق يعرض له مقعده من النار، ويفتح له نافذة إلى النار فيأتيه من سمومها وحرها. فكيف يقال إنه لا فائدة من خلقها قبل يوم القيامة؟ ثم إن الله لا يزال يزيد في نعيم الجنة بحسب عمل المؤمن. إذا قال المسلم: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، تغرس له شجر في الجنة. حديث محبيب: "من صل اثنتي عشرة ركعة تطوعاً دون الفريضة في كل يوم، بني له بيت في الجنة، بني له بيت في الجنة". هذا كله من الزيادة، كلما عملت بهذه الأعمال يتم إكرامك بهذا الغرس وبهذا البناء في الجنة. أليس في هذا فائدة في خلق الجنة قبل يوم القيامة؟ إذ هي مهيأة كذلك للازدياد، لا يزال يزاد في نعيم الجنة للمؤمن، للمؤمن. ثم ذكر المؤلف أدلة وجود الجنة والنار الآن. ذكر قول: وأخبرنا الله عز وجل أنهما معدتان. فقال في الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾، وأعدت هنا فعل أمر، وفعل الأمر يدل على المضي في الزمن الماضي. فلم يقل ربنا سبحانه وتعالى: "ستعد للمتقين" في المستقبل وهي الآن غير موجودة، بل قال: ﴿أُعِدَّتْ﴾، أي قد جهزت وقد خلقت. فهذا دليل صريح واضح. وهكذا قال في النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾، يعني خلقت لهم. فهذا أيضاً من أوضح الأدلة على وجود الجنة والنار الآن. وقال: وأخبرنا أنه تعالى أسكن آدم وزوجه الجنة قبل أكلهما من الشجرة. وهذا على قول جمهور أهل العلم: أن الجنة التي كان فيها آدم، كان فيها آدم وزوجته قبل إهباطهما، هي جنة عدن، وهي هذه الجنة المعروفة التي يتنعم بها يوم القيامة المؤمنون. فمتى أسكن الله عز وجل آدم هذه الجنة؟ قبل أن يعني ينزل إلى الأرض. فدل ذلك على أنها مخلوقة من ذاك الزمان، وهي إلى الآن كذلك. وقال: وأخبرنا تعالى بأن الكفار يعرضون على النار غدوا وعشية. إذن النار موجودة، كما سمعت في الآية: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾، غدوا وعشية. إذن هذا دليل على وجودها، دليل على وجودها. وقال: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء». وهذا الحديث في الصحيحين من حديث ابن عباس، وجاء من حديث غيره، وهو ما وقع في ليلة الإسراء والمعراج. فقول: «اطلعت في الجنة»، إذن ما يكون الاطلاع إلا على شيء موجود، أليس كذلك؟ ما يكون الاطلاع إلا على شيء موجود. فهذا دليل أيضاً على وجود الجنة الآن. وقال: وتقدم فيه فتنة وعذاب القبر: «إذا مات أحدكم يعرض عليه مقعده». ولا يعرض إلا الشيء الموجود، لا يعرض إلا الشيء المخلوق الآن. فهذا دليل أيضاً على وجود الجنة والنار الآن. وقال صلى الله عليه وسلم: «أبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم». يعني في صلاة الظهر، السنة إذا اشتد الحر في وقت الصيف، في وقت صلاة أول صلاة الظهر، يكون هناك التأخير للصلاة حتى يبرد الجو، حتى يبرد الجو. لأن كلما تأخر وقت الظهر برد الجو. قيل: الحكم من ذلك حتى يستطيع المصلون أن يأتوا إلى المسجد لأداء الصلاة، وأيضاً حتى يكون المسجد بارداً فلا يعانون من شدة حره، ولا من حرارة كذلك الحصباء التي يسجدون عليها. فجاءت السنة بالإبراد بالصلاة. ثم قال: «فإن شدة الحر من فيح جهنم». إذن هل يمكن أن يكون فيح من غير نار؟ لا يكون فيح من غير نار. فهذا دليل على أن النار موجودة، بدليل أن هذه الحرارة التي يشعر بها الناس بالأرض إنما هي من فيح جهنم. وقال صلى الله عليه وسلم: «اشتكت النار إلى ربها عز وجل، فقالت: ربي أكل بعضي بعضاً، فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف. فأشد ما تجدون من الحر وأشد ما تجدون من الزمهرير». والحديث في الصحيحين من حديث أبي هريرة. أي أن الحر الذي يشعر به الناس في شدة الحر في هذه الأرض إنما هو من نفس جهنم، والعياذ بالله. والنفس لا يكون إلا من شيء مخلوق موجود. وهكذا ما نجد من شدة البرد، من شدة البرد، فإنما هو كذلك من نفس جهنم، والعياذ بالله. فإن أهل النار كما أنهم يعذبون بحرارة النار، كذلك يعذبون ببردها. وقال صلى الله عليه وسلم: «الحمى من فيح جهنم، فأبردوها بالماء». يعني إذا اشتدت الحرارة في جسم الإنسان ما تسمى بالحمى، فإن ذلك من فيح جهنم، كما تقدم معنى أن الفيح إنما يكون من النار التي هي مخلوقة الآن. وقال صلى الله عليه وسلم: «لما خلق الله الجنة والنار، أرسل جبريل إلى الجنة، فقال: اذهب فانظر إليها». وهل النظر يكون إلى شيء غير موجود؟ النظر لا يكون إلى شيء غير موجود. فهذا دليل على أن الجنة موجودة الآن، وكذلك النار. وقال: «وقد عرضت عليه صلى الله عليه وسلم في مقامه يوم كسفت الشمس، وعرضت عليه ليلة الإسراء». وفي ذلك من الأحاديث الصحيحة ما لا يحصى. فهذا مذهب واضح بيّن، وهو ما عليه عامة أهل الإسلام، كما تقدم. وما خالف في هذه المسألة إلا الشذاذ من أهل البدع والأهواء، وهم المعتزلة. وقد تقدم تفنيد قولهم والرد عليه، ونكتفي بهذا. وإلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر.