شرح السنة للإمام البربهاري 142

شرح السنة للإمام البربهاري 142

الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 142، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تحذير السلف من مجالسة أهل البدع

السلف حذروا من مجالسة أهل البدع لأنها تحرم الإنسان من الحكمة والعلم الشرعي. هذا التحذير يأتي بسبب بعد المبتدع عن طريق الله المستقيم.

أثر الابتداع على الحكمة والعلم

الابتداع يؤدي إلى الحرمان من الحكمة والعلم بسبب المنهج الخاطئ. أهل السنة يحظون بالحكمة والعلم لتمسكهم بالمنهج الصحيح.

أهمية ملازمة أهل السنة والابتعاد عن المبتدعة

يجب الابتعاد عن مخالطة المبتدعة لأنهم يحرمون الحكمة، وملازمة أهل السنة تنمي العقل وتؤدي إلى الحصول على الفقه والعلم. يُشدد على أهمية اتباع منهج أهل السنة.

ختام بالدعاء والصلاة على النبي

المقطع ينتهي بالدعاء بأن ينفع الله بما قيل، والصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه. يُظهر أهمية الدعاء والصلاة في الختام.

  • 10 جمادى الأولى 1446هـ - 11/11/2024مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقال الفضيل بن عياض: من جالس صاحب بدعة لم يعطى الحكمة. قال الفضيل: من جالس صاحب بدعة لم يعطى الحكمة. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الفقرة في هذا الفصل في ذكر عبارات السلف رحمهم الله تعالى في التحذير من البدع ومن أهلها. فقال الفضيل رحمه الله تعالى: من جالس صاحب بدعة، إذن الكلام على من جالسهم، ومن لازمهم، ومن مكث معهم، ومن يسير على دربهم. قال: من جالس صاحب بدعة لم يعطى الحكمة. الحكمة تفتقد وتمنع عن أصناف من الناس، ومن هؤلاء من كان هذا حاله، ومن والاه أنه يجالس أهل البدع. والحكمة إخوانا في الله من أعظم صور الحكمة التفقه في دين الله جل وعلا، ومعرفة أحكام الدين، ومعرفة أحكام الشريعة. فمما يؤخذ على من جالس أصحاب البدع، ومن مساوئهم: أن من جالسهم لا تعطى الحكمة. والسبب في ذلك لأن الذي أنت تجالسهم ليس من أهل الحكمة أصلا، فمن أين وكيف ستأتيك الحكمة وأنت لم تأتها من بابها؟ أهل البدع قد حرموا من الحكمة، ليس عندهم شيء من العلم الشرعي الذي يؤهلهم ويجعلهم من الحكماء. فإذا كانوا هم على هذا الوصف، فكيف ستأتيك الحكمة؟ ستحرم منها كما هم حرموا منها. وقد ذكر العلماء أن السبب في حرمان المبتدع من الحكمة وحرمانهم العلم الشرعي يرجع ذلك إلى أمرين اثنين: إما أن ذلك يرجع لأنها عقوبة من الله، أو أن ذلك مما يستلزم من بدعتهم. فعلى القول الأول: أن عقوبة من الله جل وعلا، وجه ذلك: قال العلماء إن الحكمة ومعرفة الدين ومعرفة أحكام الشريعة هذه نعمة من الله، نعمة من الله وهبة من الله جل وعلا، يقذفها جل في قلوب من شاء من عباده. قال سبحانه: ﴿يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا﴾، خيرا كثيرا وعظيما في حق من أتته الحكمة. وحكمة الله ما يتأتى لأي عاص أو أي مذنب أو أي مسرف على نفسه. ولهذا أجمع العلماء على أن أكمل الناس عقولا هم الأنبياء والرسل، لعظم مكانتهم عند الله جل وعلا. فمدى ارتباط العبد بربه سبحانه وتعالى يعطيه ربنا جل وعلا من الحكمة. فهذا في حق من أقبل على دين الله، ومن تمرس في العلم الشرعي. فكيف بمن يحارب دين الله، كحال المبتدعة ممن يبارز الله جل وعلا بالتعدي على دينه وعلى شريعته؟ فهذا لا يستحق مثل هذه النعمة، ومثل هذه المنة أن الله يمن عليها، إنما يحرمون من الحكمة. والحكمة والعلم الشرعي والتفقه في الدين من أعظم النعم التي يقذفها الله لمن شاء من عباده، ولا يقذفها ربنا جل وعلا إلا إلى أصناف يرتضيهم في دينهم، وهكذا يرتضيهم في علمهم. ومن هنا إخواني في الله نرى أن المبتدعة حرموا العلم الكثير، نعم قد تجد بعض المبتدعة قد يوفق في جانب من جوانب العلم، إلا أنه يحرم في جوانب أخرى، بل في جوانب كثيرة يحرم منها. وأما الوجه الثاني: أن المبتدع لا تعطى له الحكمة لأن بدعته، ولأن طريقته تستلزم منه عدم العلم وعدم التفقه وعدم الحكمة. وجه ذلك أيضا يقول العلماء: لأن طريقة البدعة ومنهاج البدعة هو منهاج متناقض، منهاج متناقض لأنه ليس هو الطريق المستقيم. وليس هو الطريق الذي أراده الله جل وعلا لعباده الصالحين، وليس هو الدين الإسلامي الحق الذي ارتضاه الله جل وعلا لعباده، إنما طريق ملفق، يأتي مبتدع من المبتدعة فيبتكر طريقة ويبتكر فرقة، ويأمر الناس بأن يجتمعوا تحت لوائه وتحت أفكاره. وما هي أفكاره؟ عبارة عن تناقضات، عبارة عن أغاليط، عبارة عن أفكار البشر الذي عرضه للخطأ والصواب، بل خطأه أعظم من صوابه. فيأمر الناس بأن يلتزموا منهجه، فيقع فيها التناقض، ويقع فيها الاضطراب. ولهذا يكثر في المبتدعة بلادة الحس وبلادة الطبع، لأنهم يسيرون على منهج متناقض. تجد من كان في مذهب الخوارج، من كان في مذهب الروافض، من كان في مذهب المعتزلة، هم فيما بينهم قد ينصدم بعضهم ببعض، إما الواحد مع الآخر أو هو مع منهجه، لوجود التناقضات، لوجود الاضطرابات، لوجود أمور لا يمكن أن تجمع. وكم حكى السلف، وكم حكى، بل ذكر ذلك في كتب التاريخ عن مسائل كثيرة، هم المبتدعة استشكلوها. وهذا الإشكال يقدح في عقولهم، لماذا؟ لأنهم لا يمكن إن حاسب نفسه سيضطر هذه المحاسبة، وأن يراجع عقله يأمره أن يترك هذا المنهج، هو سيستميت على منهجه، إذن سيستمر على الغلط. وكونك تجعل العقل يتربى على الغلط، على الغلط، هذا يفسد العقل، ومن ثم لا تأتيك الحكمة البتة. ولهذا ما ترى أحدا من المبتدعة حكمة أبدا، ما ترى أحدا من المبتدعة حكمة، إنما تراهم جهلة من أجهل الناس بالدين. فلا تأتيهم الحكمة لا من قريب ولا من بعيد، بخلاف أهل السنة، أهل السنة ممن استقام على دين الله جل وعلا، واعتصم بمنهج السنة الرباني، فإن الله جل وعلا يقذف في قلوبهم العلم والحكمة، تجدهم الحكماء، تجدهم العلماء، تجدهم ماذا؟ إذا أمروا بأمر أو أفتوا بفُتيا تجد البركة تدور معهم. وإن فتشت في حكماء الدنيا وفي علماء الدنيا لا ترىهم يخرجون عن دائرة أهل السنة والجماعة. اسأل يا عبد الله عن سادات التابعين، مع أن في عهد التابعين وجدت بعض الفرق الضالة، الخوارج والروافض وجدوا، هل هناك أحد من سادات التابعين من الخوارج؟ حاشا، هل هناك أحد من سادات التابعين من الروافض؟ مع أن الروافض ظهروا في زمن علي رضي الله عنه، في أواخر زمن علي، وهكذا يقول القدرية ظهروا في زمن ابن عمر رضي الله عنه، ظهروا في عهد التابعين، ظهروا، لكن هل منهم سادة؟ هل منهم حكماء؟ هل منهم علماء؟ أبدا، لن تجد أحدا مبتدعا رأسا في الدين في العلم والحكمة. لكن ما تجد إلا أهل السنة، سعيد بن جبير، الحسن البصري، عطاء بن أبي رباح، وهكذا قصار الزمن التابعين والأتباع التابعين، هي المذاهب الأربعة، انظر فتش منهم تراهم كذلك من أهل السنة إلى هذا الزمن المعاصر. ما تجد أحدا يعتصم الناس بفتواه وتدور الفتوى عليه إلا تراهم من أهل السنة والجماعة، وذلك لأن ربنا جل وعلا مكنهم من العلم، فأعطاهم الحكمة، ولأن اعتصامهم بهذا المنهج، من اعتصم بمنهج السلف يعطيه الله جل وعلا من حكمة ما شاء. بخلاف من خرج، ومن داعد عن دائرة السنة، فإن الله جل وعلا يحرم عنه الحكمة. ومن تأمل في رؤوس المبتدعة تجد منهم الجهل العميم، بل هو كذلك ممن يجعل المبتدعة يبتعدون عن الحكمة ويبتعدون عن الفقه. لأن عقيدتهم ومنهجهم يأمرهم بترك العلم، يأمرهم بترك العلم. ظهر من ظهر من الخوارج وكانوا على جهل عظيم بدين الله، لا يعرفون التفسير، لا يعرفون التأويل، لماذا؟ لأنهم هم الذين ابتعدوا عن الصحابة، ابتعدوا عن أهل العلم. ولهذا لما ناقشهم ابن عباس رضي الله تعالى عنهم، وجاء إلى وكرهم وكانوا ستة آلاف خارجي، انظر ستة آلاف خارجي، وكان فيهم من التابعين من الصحابة، ومع ذلك يقول ابن عباس في حقهم لما رآهم: «وليس فيكم أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم»، جهلة، ما في صحابي واحد دخل بين صفوفهم، وهم ستة آلاف رجل، وما أحد من الصحابة معهم، إذن حرموا العلم. وهكذا سأل يا عبد الله عن المعتزلة، كانوا بداية كما يذكر الكثير من العلماء من أهل التاريخ أنهم كانوا في حلقة الحسن البصري، كانوا حول العلم، ثم لما ظهرت البدعة، ما الذي فعلوا؟ اعتزلوا، ومن هنا قالوا: إنهم سموا معتزلة لأنهم اعتزلوا حلقة الحسن البصري، تركوا العلم. فمنهاج المبتدعة يأمرهم بترك العلم أصلا، هذا منهاج المبتدعة، المبتدعة حتى في زماننا، بل حتى إلى المتصوفة، وهي الحزبيين ممن يهمشون العلم الشرعي، يرون أن هذه العلوم علم العقيدة والفقه أن من القشور، وأن هؤلاء أهل السنة يجعلون الناس يتقوقعون في المساجد، وأمور في الحيض وفي النفاس. حتى قال من قال من زعماء في هذا الزمن المعاصر: قال إن مثل هذه الكتب، كتب الحيض والطهارة والنجاسات، قالها: تعطى للنساء، ما يربع عليها الرجال، سبحان الله، ليس هذا علم، وهذا كما نقذ ذكر وحكي عن الزهري رحمه الله تعالى. أن بعض المبتدعة أراد أن يستهزئ به بهذا العلم، بهذا الجبل من أساطين العلم رحمه الله تعالى، قال بعض المبتدعة في حق الزهري: أن الزهري لا يعرف إلا ما تحت سراويل امرأته، ما الذي يعنى؟ أن الزهري متخصص بأمر الحيض. فهكذا دأب المبتدعة أنهم يرون يجعلون منظار العلم عندهم، ومقياس العلم عندهم الحقارة، يحتقرون العلم، يذلون العلم، يهمشون العلم، يرون أن العلم لا يؤبه له، وليس له وزن في شريعة الله. فإذا كانت مبتدعة كلهم على هذا المنوال، إذا كان المبتدعة هكذا يعاملون العلم، فبالله عليك كيف تأتيهم الحكمة؟ من أين تأتيهم الحكمة وهم رضوا بالدنية، رضوا بالجهل، رضوا بأن يتكلوا على عقولهم وعلى أفكارهم، ويحرمون الحكمة؟ وهذا إخواني، ومن نظر إلى حال مبتدع ترى ذلك واضحا جليلا، محمد بن الكرام السجستاني، رئيس وزعيم الكرامية، ما عنده شيء، كما قال الشهرستاني رحمه الله تعالى: «وكان قليل العلم»، قليل العلم. وقد حكينا في فترة طويلة أن هذا الرجل ورئيس جماعة واحتف حوله الكثير من أتباعه، حتى إنه لا يحسن التشهد، حتى إنه لا يحسن قراءة التشهد، يقول: «أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا»، عندما قرأ عند بعض العلماء، فقال: «قم، لعنك الله، لا تبقى في مجلسي»، هذا رئيس جماعة ولا يحسن التشهد. قال: «قم، لعنك الله، وأنت الرئيس فرقة كاملة، وأنت على هذا الجهل العميم»، حتى نفي وحرق من كان أقطع، نفي من بلدته وأخرج من بلاد المسلمين. فهكذا الرؤوس المبتدعة ما عندهم شيء من العلم، لأن منهجهم يستلزم ترك العلم واحتقار العلم. إذن فمن أين تأتيهم الحكمة؟ فإذا كان المبتدعة على هذا الحال، ليس عندهم علم، ومن ثم ليست عندهم حكمة، إذن من جالسهم هل سيتحصل على شيء من الحكمة أبدا؟ ولهذا يقول الفضيل رحمه الله تعالى: «من جالس صاحب بدعة لم يعطى الحكمة»، لا تعطى الحكمة، ولا تحلم، ولن تضفر بها. إن أردت الحكمة يا عبد الله، اذهب إلى من أكمل الناس عقولا. وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وجماعة من أهل السنة: على أن عقول أهل السنة أكمل من عقول المبتدعة، أن عقول أهل السنة أكمل من عقول المبتدعة. فالمبتدع إخوانا في الله، هذا ما أمن نظر إلى، إذا كان هذا كلام في أصحاب القيادة وأصحاب الرئاسة: أنهم ماذا؟ قد ذهبت عقولهم. حتى قال من قال في حق الكرابيسي رحمه الله تعالى: «كان الكرابيسي على الجادة، وكان كما قال الإمام ابن الحبان: قد صنف وقد جمع، لكن أفسده عقله، دخل في بدعة اللفظ، لفظ القرآن»، حتى ذهب ما عنده من العلم. فماذا؟ فأصبح في ضحالة من العلم، وهذا بسبب ماذا؟ ترك السنة وعدم ملازمة السنة، والدخول في البدعة يحرم بها العبد ماذا؟ من الفقه، ومن العلم، وهكذا من الحكمة. وحتى قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في العبارة المشهورة. إذن قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى، وجماعات بإسناد صحيح عن الشافعي أنه قال: «من تصوف في أول النهار، رجع آخر النهار أبله»، ما معنى هذا الكلام؟ أن الدخول مع المبتدعة يذهب العقل، تدخل بكامل عقلك فترجع ماذا؟ لا شيء من العقل. أمور كثيرة إخواني في الله، حتى ذكر من ذكر: أن ذاك الذي أراد يتعبد ويسير مع المتصوفة في تعبدهم، قاله قائل: يا إمام التلمساني، أنا أريد أن أكون معكم من أهل الصفوة، قال: «إن أردت أن تكون معنا فافعل التالي»، قال: «ما الذي أفعل؟ سأفعل كل شيء»، قال: «اذهب يا الحلاق فاحلق شعار رأسك واحلق شنبك واحلق لحيتك، ثم اجعل قصعة في رقبتك واجعل عليها جوزة، وقل ودر بين الصبيان والأطفال والغلمان، وقل: خذ مني جوزة واعطيني صفعة». فقال: «والله ما فعل ذلك»، قال: «إذا نستمنا ننظر لهذه البلادة، هذه البلادة الطبع، بلادة الحس»، من دخل مع هذه الفرق يرجع كما قال: جاهل، أحمق، أبله. فإخواني، في الدوران مع السنة عزة، عزة في نفسك، عزة في أهلك، وحتى عزة كذلك في عقلك، ينمي الله جل وعلا عقلك. وما تجد الأذكياء، وما تجد الأصفياء إلا من أهل السنة، وذلك ببركة هذا العلم الذي ماذا؟ الذي هم قد اعتكفوا عليه وأقبلوا عليه، وكيف له منهج رباني لا يأتيه الباطل لا من بين يديه ولا من خلفه. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.