شرح السنة للإمام البربهاري 149

شرح السنة للإمام البربهاري 149

الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 149، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أهمية بغض أهل البدع والبراءة منهم

يتناول أهمية بغض أهل البدع والبراءة منهم على أساس الدين، وأن معاملتهم تتوقف على درجة بدعتهم. يُبين أن من كانت بدعته كفرية يُتبرأ منه بالكلية، ومن كانت دون ذلك يُعطى من العداء على قدر بدعته.

تحذير السلف من مخالطة أهل البدع

يتناول تحذير السلف الصالح من مخالطة أهل البدع ومجالستهم، ويعتبرون ذلك نفاقًا. يُوضح ضرورة التباين بين أهل السنة والمبتدعين، ويستشهد بقول الأوزاعي حول ألفة المبتدع.

خطورة مجالسة أهل البدع وتأثيرهم

يُنبه إلى خطورة مجالسة أهل البدع والأهواء وتأثيرهم السلبي على أهل السنة. يُحذر من التأثر ببدعهم ويشير إلى أن أهل البدع يظهرون ألفتهم لمن على شاكلتهم.

ختام الدرس وتأجيل البحث في مسائل العبارة

ختم الدرس بالدعاء والصلاة على النبي، وأشار إلى تأجيل البحث في مسائل العبارة حول إهانة أهل البدع إلى درس قادم.

  • 10 جمادى الأولى 1446هـ - 11/11/2024مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال مؤلف رحمه الله تعالى: وقال الفضيل بن عياض: «إذا علم الله عز وجل من الرجل أنه مبغض لصاحب بدعة غفر له وإن قل عمله، ولا يكن صاحب سنة يمالئ صاحب بدعة إلا نفاقا، ومن أعرض بوجهه عن صاحب بدعة ملأ الله قلبه إيمانا، ومن انتهر صاحب بدعة أمنه الله يوم الفزع الأكبر، ومن أهان صاحب بدعة رفعه الله في الجنة مئة درجة»، فلا تكن صاحب بدعة في الله أبدا. هذه الفقرة، إخواني في الله، وهي الفقرة الأخيرة من هذه الرسالة، ختمها المؤلف رحمه الله تعالى بعبارة القاضي عياض رحمه الله، وتطرق في هذا الأثر إلى عدة مسائل، يقول في مطلعها: «إذا علم الله عز وجل من الرجل أنه مبغض لصاحب بدعة غفر له وإن قل عمله». وإن قل عمله في هذا الأثر مسألة مهمة، إخواني في الله، وعلى إثر هذه المسألة قام المؤلف وقام القاضي رحمه الله تعالى بالذكر الحكم، وهي مسألة متعلقة بالولاء والبراء. الولاء والبراء، فإن من أصول ديننا، من أصول عقيدة أهل السنة والجماعة، قضية وعقيدة الولاء والبراء، أن يوالى كل من كان وليا لله جل وعلا، ويوالى أهل الإسلام عامة، وهكذا البراء، وهكذا المعادة تكون لأصناف من الناس. ومسألة الولاء والبراء، إخواني في الله، مبنية على مسألة الدين، والناس في هذا الباب قد اختلفت مذاهبهم واختلفت مشاربهم. فمن الناس من يوالي ويعادي على مصالح شخصية، على مال وعلى دنيا، ومن الناس من يعادي ويوالي على أطر حزبية، أطر طائفية، على نزعات قبلية، نزعة جاهلية، يوالي ويعادي، فكل ذلك ليس من دين الله جل وعلا. وإنما الشريعة بيّنت أن الولاء والبراء تكون على الدين، فمن كان من أهل الدين، من أهل الصلاة، من أهل الإسلام الحقيقي، من أهل الإيمان الصادق، من أهل الأعمال الصالحة، فإن هؤلاء يقربون وهؤلاء يوالون، ويعطى لهم حق الإسلام على قدر ما عندهم من الدين. وأما من تخلى عن الدين، إما ترك الدين بالكلية كالكافر والمشرك والمرتد، فهذا له المعادة، وأما من كان مسلما لكن عنده مخالفات، فهذا يوالى من وجه ويعاد من وجه، ومن أمثال هؤلاء كالفسقة وأهل المعاصي وأهل المجون، وكل على رتبته، وكل على قدر بعده من ربه جل وعلا، ويعطى له العداء، ويعطى له كذلك حقهم من البراء. فمن أمثال هؤلاء أهل البدع، فإن أهل البدع يختلفون ويتفاوتون في تديينهم لله جل وعلا، لكن هما هم عليه من البدع والمخالفة، هذا يستوجب منه البراء، أن تتبرأ منه على قدر بدعته، فإن كانت بدعته كفرية فهذا يتبرأ منه بالكلية، وأما إن كانت بدعته لا تخرجه عن الدين، فهذا يعطى من العداء على قدر بدعته. فقول مؤلف رحمه الله تعالى: «إذا علم الله عز وجل من الرجل أنه مبغض لصاحب بدعة غفر له»، وهذا لأن الأعمال الولاء والبراء من الأعمال القلبية، وقد تظهر ذلك على الظاهر وتظهر على السطح، فكونك تبغض أهل البدع يا عبد الله، هذه من المسائل التي يريدها الله جل وعلا من أهل الإيمان، أن نبغض كل من تعدى على دين الله جل وعلا. وهم كما قلنا يتفاوتون وتتفاوت درجاتهم تفاوتا عظيما في هذه المسائل، وهم على درجات وهم على دركات، وهكذا المبتدع، وهم على هذا الحال يختلفون، لكن يعطى للمبتدع حقهم من البغض ومن الكراهية ومن البراء، نتبرأ منه ومن فعله حتى يتوب إلى الله جل وعلا، فهذا الذي يحمل عليه قول مؤلف رحمه الله تعالى: «أن الله غفر له وإن قل عمله»، وذلك لأن مسألة الولاء والبراء من دين الله عز وجل. ثم قال رحمه الله تعالى: «ولا يكن صاحب سنة يمالئ صاحب بدعة إلا نفاقا»، الأصل هجران المبتدعة، وقد جاءت في هذه الرسالة المباركة الأدلة الكثيرة من أقوال سلفنا الصالح، وهي مؤيدة بآيات قرآنية ومؤيدة بسنة الرسول عليه الصلاة والسلام القولية، من تحذيره من أهل البدع، كما في قوله لعائشة عليه الصلاة والسلام: «فأولئك الذين سمى الله فإياك وإياهم، أولئك الذين سمى الله فإياك وإياهم»، فحذر نبينا من مجالسة أهل البدع، وعلى ذلك إجماع السلف. فإن عثر على أن رجلا ما يماشي أهل البدع ويلاطفهم ويجالسهم ويؤانسهم ويمال معهم ويظهر أنه معهم، ثم يقول: أنا لست منهم، فهذا نفاق، هذا يعد منه نفاقا، ما ينبغي أصلا، ولا يتوقع بحال أن رجل يفعل هذه الأفعال من المؤانسة والملاطفة والمجالسة، ثم يقول: أنا لست معهم، لا أنت معهم، إن لم تكن معهم فأنت في نفاق، فأنت في نفاق، لا يلتقيان المسلم السني مع كذلك مع المبتدع، فإن لابد من الفيصة، ولا بد من التباين، ولا بد من البون. وكان السلف الصالح يجعلون مسألة المجالسة مع الأهواء مقياسا ومعيارا في أن هذا الرجل يلحق أو لا يلحق، فبعض العلماء كان يتخذ من مسألة المجالسة أن هذا الطريق لمعرفة أن هذا أن ذاك، وهذا من الناس ممن يجالسون المبتدعة أنهم يلحقون بأهل بدع، حتى قال الأوزاعي رحمه الله تعالى: «من ستر عنا بدعته لم تخفى عنا ألفته»، من ستر عنا بدعته لم تخفى علينا ألفته. صحيح يوجد أن بعض الناس قد يتستر ببدعته، يظهر في مجتمع تكون الكلمة العليا لأهل السنة، أو يظهر في مجتمعات أو في بلدة أو في قرية، فلا يستطيع أن يتبجح ببدعته، لكن تجد أن هواه وتجد أن فؤاده وتجد أن ألفته يجنح بها إلى أناس من المخالفين، فهذا يعتبر العلماء هذا قياسا ومعيارا في أن هذا الرجل يلحق بالقوم ولا كرامة، يلحق بهم ولا كرامة. قال الأوزاعي: «من ستر عنا بدعته لم تخفى عنا ألفته»، يعني ألفته وكونه يذهب إلى أولئك، مثاله في قريب القرى توجد جماعة من أهل الرفض، مثاله قرية فيها أهل الرفض لهم جلسة خاصة، لهم مكان يقعدون فيه، لهم مكان يتزاورون فيه ويجتمعون فيه، فتجد هذا الذي في مجتمع يظهر السنة وأنه من أهل السنة، إذ به يميل إليهم، يكثر من المكث عندهم، يكثر من زيارتهم، يأنس بهم، فهذا يخشى منه، فهذا يخشى منه. بل كما قلنا سلفنا يلحقون به، يلحقونه به، حتى قيل أن سفيان الثوري رحمه الله تعالى لما قدم البصرة سئل عن رجل اسمه الربيع بن صبيح، الربيع بن صبيح وكان له شأن وله وجاه عند أهل البصرة، فسألوا عن هذا الرجل، فقال لهم سفيان: قال: «ما مذهبه؟ ماذا أنتم تعرفون عن هذا الرجل؟»، قالوا: «ما مذهبه إلا السنة»، ما مذهبه إلا السنة، هذا الذي ظاهر منه ومن خلال كلماته ومن خلال اعتقاده الذي يظهر للناس، قالوا: «ما مذهبه إلا السنة»، قال: «فمن ينزل عنده؟ أين يأوي؟ أين يذهب؟ عند من ينزل؟»، قالوا: «ينزل عند القدرية»، قال: «هو قدري»، قال: «هو قدري»، ولو كان أظهر السنة، لكن إذا كان مأواه ومدخله ومخرجه وممشاه ومكثر عند هؤلاء، فلن يلحقهم، هذا فيه شيء. فكان هكذا سلفنا الصالح يلحقون الرجل بصاحبه، كما قال المسعود رضي الله تعالى عنه: «اعتبروا الناس بأخدانهم»، ثم قال: «الصاحب بالصاحب، الصاحب بالصاحب، كل يلحق بصاحبه، كل يلحق بصاحبه». وهذا فيه بيان، إخواني في الله، على ضرورة أن الرجل ينعزل ويعتزل من أمثال هؤلاء ممن قد عرفوا بالبدعة وعرفوا بمناوأة ومحاربة السنة، وأنه يماشي أو كذلك ولو كان ذلك على حد زعمه أنها جلسة ودية وليس فيها نقاش ديني ولا جدال. ولو فإن هؤلاء، عبد الله، كما قال بعض السلف: «إياك وأهل البدع، فإنهم ألصق كالأجرب»، أنهم ألصق كالجرب، أي أنهم يلتصقون بك التصاقا عظيما، وذلك متى ما تمكنوا منك. ولهذا كذلك يقول محمد بن عبد الله الغلابي رحمه الله تعالى: «يتكاتم أهل الأهواء كل شيء إلا التآلف والصحبة»، يتكاتم أهل الأهواء كل شيء إلا التآلف والصحبة. فأهل الأهواء قد يتمكن في فترة من فترات أنه ماذا؟ أنه يدس بدعته، يدسها، يدفنها في وقت من الأوقات، لا يظهر ما يعتقده من الباطل، لكن يستطيع أن يتكاتم ذلك، لكنه في أمر التآلف والود والصفاء والمحبة لمن كان على شاكلته، لا يمكن أن يخفيه، لا يمكن أن يخفيه. تجد رجلا مثلا من المعتزلة في هذه البلدة، عنده الاعتزال، عنده الأصول الخمسة التي يعتقدها، لكن ما استطاع أن يتبجح بها في هذا المجتمع، فيه تكاتم، يتكاتم، أو ما عليها الرافضة ما يسمى بالتقية، وهكذا بعض أهل البدع مما يخفون العقائد الفاسدة، يرى أن الكفة ليست لصالحه، فيخفيها، يستطيع أن يخفي بدعته لمدة ما. لكن إذا رأى أحدا على مذهبه، أحدا على شاكلته، فإنه ما يستطيع مثلا يتكاتم، يتكاتم، فإذا جاء رأس من رؤوس أهل بدع ممن هو يعتقد باعتقاده وظهر، فإنه يظهر حبه ويظهر كذلك وده، يتصل به: كيف حالك؟ عند اليوم؟ عند الغذاء؟ عند العشاء؟ أين أنت في الغد؟ يظهر وده وألفته، ما يستطيع يتكاتم هذا الأمر، كما قال السلف: «يتكاتم أهل الأهواء كل شيء إلا التآلف والمحبة». فكان أهل السنة يجعلون هذه الألفة وهذه المقربة والقربة إلى أهل الأهواء أن هذا مقياس في أن هذا الرجل يلحق يلحق بالقوم ولا كرامة، بل مرة معنا، عن عبد بن عون رحمه الله تعالى، أنه كان، بل إن أهل السنة يحكمون ويجعلون هذا الذي يجالس أهل البدع أنه أضر على الناس من المبتدع، كما يقول ابن عون رحمه الله تعالى: «من يجالس أهل البدع أشد علينا من أهل البدع»، من يجالس أهل البدع أشد علينا من أهل البدع. لأن عندك هذا المبتدع هذا ظاهر، قد أظهر بدعته، فأمره واضح، لكن من يجالسه الناس يستخفون به، يقول: هذا مسكين، جلس يستفيد فائدة أو جلسة عابرة، أو هو ليس حولهم وإنما يحب أن يقضي وقته بالخير، وما درى أن هذا قد تفعم قد تشرّب البدع، وأخذ يدعو في مجالسه الخاصة، في عمله، في ميدانه، في بحره، في بره، فيغتر لعدم دراية الناس بحاله ولعدم تفطن الناس لأمره، فأصبح هذا شره أعظم من شر المبتدع بنفسه. فإخواني في الله، فما يمكن لأحد، فالأصل أن المسلم، إخواني في الله، كما قال القاضي عياض رحمه الله: «لا يمكن لمسلم سني أنه يمالئ مبتدعا إلا عن نفاق»، تكون منافقا، فهذا كما قال: «أنت بين مفسدين أدنياء هما شر، إما تكون منهم وتلحق بهم ولا كرامة، أو تكون منافقا»، أما يقول: مدارة، المدارة أمر آخر، المدارة تدرأ عنك لمصلحة، أما أنك تجعل دائما ديدنك مع أهل بدع والأهواء مجالسة وملاطفة ومؤانسة، فهذا لا يتأتى. ثم بقيت العبارة في قوله: «ومن أعرض بوجهه عن صاحب بدعة ملأ الله قلبه إيمانا»، تحتها مسائل وإشكالات، إن شاء الله، ويترك هذا في درس غد، لأنه مسائل متعلقة بموضوع إهانة أهل البدع، وهذه لها مباحث ومسائل ترجى إلى درس غد. فأسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.