الدرس في شرح بواعث الخلاص من الذنوب 3، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يراجع الدرس البواعث الخمسة للخلاص من الذنوب المذكورة في كتاب عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين لابن القيم، وقد ذُكر منها أربعة: إجلال الله وتعظيمه، محبة الله، استشعار نعمة الله وإحسانه، واستشعار غضب الله وانتقامه، كما أُشير إلى الباعث الخامس وهو فوات الخير بارتكاب الذنوب، مع تأكيد أهمية المذاكرة والسؤال وتدوين العلم لحفظه.
يبيّن المقطع أن ارتكاب الذنوب يجلب ألقاباً مذمومة، بينما قهر الشهوة والانتصار على الشيطان يمنح حلاوة وفرحة أعظم من الظفر بالأعداء البشر، ويذكر دعاء الصباح والمساء للاستعاذة من شر النفس والشيطان.
يشرح المقطع معنى الاستعاذة بأنها الالتجاء والاحتماء بالله من الشيطان الرجيم وشر النفس الأمارة بالسوء، مستشهداً بخطبة الحاجة. ثم يبين "مشهد العوض" بأن المؤمن يترك المعاصي والشهوات طلباً لعوض الله من الجنة والرضوان، مستدلاً بقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾، وبحديث: «من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه».
يختتم المتحدث كلامه بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله، والحمد لله رب العالمين، كخاتمة تقليدية للمجالس والدروس العلمية.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فتكلمنا في الدرس الماضي حول بعض بواعث الخلاص من الذنوب، وإلى الآن مر معنا من هذه البواعث خمس. من هذه البواعث خمس. هذه الرسالة من مؤلفها؟ نعم، عندك من مؤلفها؟ نعم يا باحمد، الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، ابن قيم الجوزية. وقلنا هي عبارة عن فصل من كتاب لابن القيم، فما هو هذا الكتاب؟ فما هو هذا الكتاب عندك؟ أحسنت: عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين. الباعث الأول الذي مر معنا هو عبارة عن ماذا؟ نعم: إجلال الله عز وجل وتعظيمه. الباعث الثاني عندك؟ أنت تجيب، تفضل. لا بأس، ما شاء الله تبارك الله. نعم، أجبت وأصبت. تدرون ماذا قال؟ قال: محبة الله. محبة الله عز وجل هي تعتبر من هذه الدوافع التي تدفع العبد إلى أن يتخلص من الذنوب والمعاصي. يا أبا سعد، طيب، لا بأس. الباعث الثالث؟ نعم، أحسنت: أن يستشعر نعمة الله عليه وإحسانه عليه، فهذا يعتبر دافعاً للبعد عن معصية الله عز وجل. فضل الله وإحسانه نازل عليه، والفواحش والخطايا والذنوب من العبد صاعدة إلى الله عز وجل. هل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ الباعث الرابع... الباعث الرابع، لماذا أسأل يا إخوان؟ تدرون لماذا أسأل؟ لأن حياة العلم المذاكرة والسؤال يجعل الطالب يركز في الدرس. طالب معه قلم وعنده دفتر يسجل، لماذا؟ لكي يقيد العلم. أنت اليوم قد تذكر الفائدة، لكن قد تنساها في الغد، إذا لم تنساها في الغد قد تنساها بعد أسبوع، بعد شهر. فالسؤال والجواب يعتبر من الوسائل التعليمية المعروفة، ومما يدل على ذلك حديث عمر: جبريل يسأل، وأن النبي صلى الله عليه وسلم يجيب عن الإسلام، وعن الإيمان، وعن الإحسان، ثم عن الساعة، فالسؤال عن إماراتها. آخر الحديث، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: يا عمر، أتدري من السائل؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: إنه جبريل، أتاكم يعلمكم دينكم. إذا تعليم لأمر هذا الدين، لأمر هذا الدين. المشهد والباعث الرابع؟ نعم، أحسنت: هو ماذا؟ استشعار غضب الله عز وجل وانتقامه، وانتقامه. إن بطش ربك لشديد. انظر هذه الآية عظيمة جداً، وهكذا هو شديد العقاب وسريع الحساب، وينتقم من الظالمين إلى غير ذلك، فهذا يجعل العبد ماذا؟ يبتعد ويترك الذنوب والمعاصي. مر معنا أيضاً الباعث الخامس. الباعث الخامس؟ نعم يا بي، أحسنت: هو أن يستشعر أنه إذا وقع في هذه الذنوب سيفوته ماذا؟ سيفوته خير. وهذا الخير الذي سيفوت قد يكون خيراً دنيوياً، وقد يكون خيراً أخروياً. وكذلك أيضاً يستشعر أنه إذا وقع في الذنب فإنه سيطلق عليه أسماء مذمومة: الذي يقع في الزنا سيقال له زانٍ، والذي يسرق سيقال له سارق، وهكذا غيرها من هذه الذنوب التي متى ما وقع فيها العبد استحق أن يطلق عليه هذه الأسماء والألقاب المذمومة. قال رحمه الله تعالى: قال السادس: مشهد القهر والظفر. قال: فإن قهر الشهوة والظفر بالشيطان له حلاوة ومسرة وفرحة عند من ذاق ذلك، أعظم من الظفر بعدوك من الآدميين، وأحلى موقعاً، وأتم فرحة. وأما عاقبته فأحمد عاقبة، وهو كعاقبة شرب الدواء النافع الذي أزال داء الجسد وعاده إلى صحته واعتداله. ومما ينبغي أن يعلم أن هذا الشيطان له أعداء، أو أن هذا الإنسان له أعداء، وفي مقدمتهم الشيطان الرجيم. إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً. إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير. وهكذا قوله عز وجل: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا﴾. الشيطان عدو. وهكذا النفس الأمارة بالسوء: ﴿وَإِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾. وربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾. النفس يا إخوان قد تميل بصاحبها إلى شهوات محرمة، وإلى شبهات مضلة، فالواجب على الإنسان ألا يتبع نفسه هواها. قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي مالك الأشعري: «كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها، فمعتقها أو موبقها». وهكذا أيضاً من هؤلاء الأعداء الهوى. والهوى يا إخوان، الله عز وجل جعله إلهاً: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ﴾. من اتخذ إلهه هواه، فما يهواه يميل إليه ويفعله وينقاد له، ولو كان مما يغضب الله تبارك وتعالى. إذن هذا المشهد يا إخوان، وهذا الباعث، هو أن الإنسان يقهر الشهوة المحرمة الموجودة عنده، وهكذا يرغم الشيطان الرجيم، فلا يستجيب له ولا ينقاد له. وهذا يا إخوان، كما ذكر رحمه الله تعالى، له لذة عظيمة في قلب المؤمن، في قلب المؤمن، أعظم من لذة الظفر بالعدو من الناس، من البشر. ولهذا كان من الأدعية التي علمنا إياها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأننا نأتي بها في كل صباح ومساء، أن تقول: «اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، رب كل شيء ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر نفسي، ومن شر الشيطان وشركه، ومن شر الشيطان وشركه». فهذه من الأذكار التي يؤتى بها عند الصباح، وهكذا أيضاً عند المساء. وأن الإنسان يعوذ بالله عز وجل. وما معنى الاستعاذ يا إخوان؟ لما تقول: أعوذ بالله، ما معنى الاستعاذ يا إخوان؟ طايع. لما تقول: أعوذ بالله، ما معنى أعوذ بالله؟ أه، ألجأ من عندك أو من عند الجيران؟ الإجابة: من عندك. أحسنت، لله درك. إذن ماذا معنى أعوذ؟ أي ألجأ، وهكذا أحتمي، وهكذا أعتصم. إذن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أي أنك تطلب الاحتماء من الله، وهكذا الالتجاء إلى الله والاعتصام بالله، من ماذا؟ من هذا الشيطان الرجيم، من هذا الشيطان الرجيم. وهكذا أيضاً من شر نفسك. ولهذا في خطبة النبي صلى الله عليه وسلم التي هي خطبة الحاجة، ماذا نقول؟ ونعوذ بالله من ماذا؟ من شرور أنفسنا، من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من سيئات أعمالنا. فهذا الباعث يعتبر باعثاً عظيماً ينبغي على المسلم أن يهتم به، وأن يحرص عليه، وأن لا يكون ضحية الشيطان الرجيم، أو النفس الأمارة بالسوء. قال رحمه الله تعالى: قال السابع: مشهد العوض. مشهد العوض. قال: وهو ما وعد الله سبحانه به من تعويض من ترك المحارم لأجله، ونهى نفسه عن هواها، ونهى نفسه عن هواها. وليوازن بين العوض والمعوض، فأيهما كان أولى بالإيثار اختاره وارتضاه لنفسه، وارتضاه لنفسه. ولهذا يا إخوان، المؤمن يترك المعصية مع أن نفسه قد تشتهيها وتميل إليها، لماذا يترك المعصية؟ ماذا يطلب؟ أما يبحث عن شيء عظيم، ألا وهو ما عند الله تبارك وتعالى؟ ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾. فإن الجنة هي المأوى. وهكذا غيرها من ماذا؟ من المحرمات والذنوب، يبتعد عنها المؤمن ويجتنبها طلباً لما عند الله عز وجل من النعيم المقيم والثواب الجزيل. وهكذا أيضاً: رضوان من الله أكبر. رضوان من الله أكبر. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنك لن تدع شيئاً اتقاء الله إلا أعطاك الله خيراً منه، إلا أعطاك الله خيراً منه». هكذا يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وماذا ممكن أن يطبق هذا المؤمن في جميع الأمور التي تترك وهي مما يغضب الله عز وجل، طلباً لما عند الله سبحانه وتعالى؟ فالعاقل يا إخوان، والمؤمن اللبيب، لا يضيع جنة عرضها السماوات والأرض، ويضيع محبة الله سبحانه ورضوان الله، من أجل لذة فانية وشهوة عابرة، وشهوة عابرة. فهذا يعتبر من أعظم البواعث التي تجعل المؤمن يبتعد ويترك هذه الذنوب وهذه المعاصي، وهذه المعاصي. إذن هذا المشهد وهذا الباعث هو مشهد العوض، أي يترك المعاصي والذنوب ويطلب العوض من الله عز وجل. ومن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه. طيب، نكتفي بهذا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.