الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 140، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يبيّن المقطع أن رفض المسلم ليمين أخيه بالله يدل على نقص في تعظيم الله، مستدلاً بحديث ابن عمر الذي يأمر بالرضا باليمين ويحذر من عدم الرضا. كما يذكر تحريم الحلف بغير الله وتقسيم ابن عثيمين للاقتناع باليمين إلى شرعي وحسي.
يعرض المقطع القاعدة الفقهية "البينة على المدعي واليمين على من أنكر"، ثم يفصل أحوال المحلوف له الخمسة مستعرضاً أول حالتين: تيقن الكذب وترجح الكذب، مع عدم وجوب التصديق فيهما. ويستدل للحالة الثانية بقصة عيسى عليه السلام مع السارق الذي حلف كاذباً فآمن عيسى بالله وكذب عينيه تعظيماً لليمين.
يوضح المقطع خمس حالات لحكم تصديق من حلف بالله، فيجب التصديق عند تساوي الاحتمالات أو ترجح الصدق أو علمه، ولا يجب عند ترجح الكذب أو علمه. ويستخلص من حديث «من حلف له بالله فليرض» أربع مسائل: تحريم الحلف بالآباء، وجوب الرضا في الحالات الثلاث الأخيرة، الوعيد على عدم الرضا، ووجوب صدق الحالف.
يختتم المقطع بالتأكيد على أن العلم كله لله تعالى، ويشير إلى أن الترجمة تمت بواسطة نانسي قنقر. وبذلك تنتهي فوائد الدرس المتعلقة بأحكام اليمين والتعظيم.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فيقول شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "كتاب التوحيد"، باب: ما جاء فيمن لم يقنع بالحلف بالله. قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: الحالف أكد ما حلف عليه بالتعظيم باليمين، وهو تعظيم المحلوف به. فقولك: "والله فعلت كذا وكذا"، حلفت بالله عز وجل فهو المحلوف به، والحلف فيه تعظيم لذلكم المحلوف به. فيكون عدم الاقتناع بالحلف بالله فيه شيء من نقص تعظيم الله. إنسان يؤكد لك الكلام بالحلف بالله، فكونك لم تصدق ولم تقبل بهذه اليمين، فهذا ينافي كمال التوحيد بماذا؟ لأن فيه نقصاً في تعظيم الله عز وجل، ما عظمت الله حق تعظيمه، ومن أعظم من الله؟ إذ حلف أخوك المسلم به، فالواجب عليك أن ترضى بهذا الحلف وأن تقنع بهذا الحلف، فتصدق ما حلف عليه أخوك. هذا هو وجه الشاهد من إرادة هذا الباب. ومناسبة ذكر هذا الباب بعد الذي قبله: تقدم معنا أن من الألفاظ الشركية، من الشرك الأصغر، الحلف بغير الله. فإذا الواجب أن يحلف المسلم بالله، وإذا حلف المسلم بالله فيجب على المسلم أن يقنع بهذا الحلف. فهذه هي المناسبة من ذكر هذا الباب بعد الباب الذي قبله. ثم ذكر حديث ابن عمر، قال: عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تحلفوا بآبائكم، من حلف بالله فليصدق، ومن حُلِفَ لَهُ بِاللَّهِ فَلْيَرْضَ، وَمَنْ لَمْ يَرْضَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ». رواه ابن ماجه بسند حسن، والحديث حسنه كذلك العلامة الألباني في "إرواء الغليل". فالحديث حسن إن شاء الله. ووجه الشاهد من هذا الحديث: «وَمَنْ حُلِفَ لَهُ بِاللَّهِ فَلْيَرْضَ»، أي فليقنع بهذا الحالف، وليصدق الحالف. «وَمَنْ لَمْ يَرْضَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ»، يعني هذا العمل ليس من الله، لأن فيه نقصاً، لأن فيه نقصاً في تعظيم الله عز وجل. فلذلك قال: «وَمَنْ لَمْ يَرْضَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ». والحديث أفاد عدة مسائل: منها أولاً: تحريم الحلف بغير الله، في قوله: «لا تحلفوا بآبائكم». وإنما ذكرت الآباء هنا لأن من عادة العرب أنذاك أنهم يحلفون بالآباء، كما جاء في حديث عمر أيضاً. فجاء النهي هنا خاصاً بالآباء لما كان عليه من الحلف بذلك، وإلا فإنه يشمل كل حلف بغير الله، سواء كان بالآباء أو بالأمهات أو بالكعبة أو بالعيش أو بالملح أو بالشرف أو بالرتبة أو بكل مخلوق، لا يجوز أن يحلف به. وقوله: «مَنْ حَلَفَ بِاللَّهِ فَلْيَصْدُقْ»، فيه كذلك تحريم الكذب في الحلف، ولو كان الحالف يحلف بالله، فهذا أيضاً فيه تنقص لتعظيم الله عز وجل، إذ أنه حلف بالله كاذباً، حلف بالله كاذباً كاذباً. الشيخ ابن عثيمين قسم الاقتناع بالحلف بالله إلى قسمين: شرعاً وحساً. وكذلك الحلف حساً قسمه إلى خمسة أقسام. نأخذ هذه الفائدة: قال الشيخ ابن عثيمين: أقسام الاقتناع بالحلف بالله شرعاً وحساً. شرعاً: يجب الرضا بالحلف بالله فيما إذا توجهت اليمين على المدعى عليه، فحلف بمقتضى الحكم الشرعي. لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «البينة على المدعي، واليمين على من أنكر». فإذا وقفت أمام القاضي وأنت المدعى عليك، فلم يأتِ المدعي ببينة، رُدَّت إليك اليمين. البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر. أنت أنكرت ما أدعاه المدعي، ولم يكن عنده بينة، فتُرَدُّ عليك اليمين، فحلفت: "والله إني ما فعلت كذا". فالواجب على المدعي أن يرضى بهذا الحلف، وأن تنتهي هذه القضية، لأنه حكم شرعي. لأن الشرع هو الذي حكم بذلك: البينة على المدعي، واليمين على من أنكر. واليمين على من أنكر، هذا هو الحلف بالله شرعاً. وحساً: أي المحلوف له لا يخلو من أحوال خمسة. ومعنى حساً: أي في غير القضاء، وإنما هو في الإخبار، في الإخبار أو في غير ذلك. فالمحلوف له لا يخلو من أحوال خمسة. المحلوف له يعني الذي سمع الحالف، أنا قلت: "والله فعلت كذا"، وأنت تسمع هذا، فلك في ما حلف به خمسة أحوال: الحال الأولى: أن يعلم كذبه، فلا يلزمه تصديقه. يعني تعلم أنني كاذب في هذا الحلف، فهنا لا يلزمك أن تصدق، لا يلزمك أن تصدق، وليس هذا داخل في هذا الحديث: «وَمَنْ حُلِفَ لَهُ بِاللَّهِ فَلْيَرْضَ»، وإنما قول: «وَمَنْ حُلِفَ لَهُ بِاللَّهِ فَلْيَرْضَ» في المسائل التي بعده. فأما هذه المسألة فلا يلزمك تصديقه إذا كنت متيقناً وتعلم علماً يقيناً أن هذا الحالف كاذب وفاجر في يمينه، في يمينه، فهذا لا يلزمك تصديقه. هذه الحال الأولى. الحال الثانية: أن يترجح كذبه، فكذلك لا يلزم تصديقه. يعني أنت شاك في كونه صادقاً أو كاذباً، لكن ترجح لك كذبه، ترجح لك كذبه. فهنا لا يلزمك تصديقه، لا يلزمك تصديقه. وإن صدقته تعظيماً لله فلا بأس بذلك. واستدلوا له بما جاء في صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «رأى عيسى بن مريم رجلاً يسرق، رجلاً يسرق، فقال له: أسرقت؟ سرقت هذا. فقال: كلا، والله الذي لا إله إلا هو». إذن هنا حلف هذا السارق أنه ما سرق، وعيسى ماذا رآه بعينه؟ رآه بعينه، فقال عيسى: «آمنت بالله وكذبت عيني، آمنت بالله وكذبت عيني». فأهل العلم وجهوا هذا الحديث بتوجيهين: التوجيه الأول: أن عيسى كذب عينه لاحتمال أن يكون الرجل أخذ شيئاً له فيه حق، وظاهره أنه سرق، لكن الرجل هذا له حق في هذا المأخوذ، أو قد أذن له، أي أذن له صاحبه صاحب هذا المال في أخذه، أو أخذه ليقلبه وينظر إليه ولم يقصد السرقة والغصب أو الاستيلاء على هذا المال. ورد بعض أهل العلم هذا القول بقول النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: «رأى رجلاً يسرق»، فأثبت النبي صلى الله عليه وسلم السرقة على هذا الرجل. فقال: هذا التأويل يتعارض مع قول النبي صلى الله عليه وسلم: «رأى رجلاً يسرق». وهذا الذي تقدم هو قول القرطبي رحمه الله. وقلنا: هذا التأويل فيه نظر للتصريح بأن هذا الرجل سرق. وتوجيه آخر: وهو الذي يتوافق مع هذه الحالة الثانية، أن الله تعالى كان في قلب عيسى أجلّ من أن يحلف به كاذباً. يعني يجلّ عيسى عليه السلام هذا الرجل أن يحلف بالله كاذباً. فدار الأمر عند عيسى بين تهمة الحالف وتهمة ماذا؟ عينيه. الآن هو إما أن يتهم هذا السارق أو يتهم ماذا؟ عينيه وبصره. فرد التهمة إلى بصره تعظيماً لله عز وجل. وهكذا إذا ترجح لك كذب هذا الحالف، فاتهم ظنك، قد يكون فهمت غير الفهم الذي فهم هذا الحالف، وقد... فمن تعظيم الله عز وجل لا بأس أن تصدق بهذا الحالف، وإن كان ترجح لك كذب هذا الحالف، لكن لا يلزمك، ليس واجباً عليك، لا يلزمك يعني ليس واجباً عليك أن تصدق بهذا الحالف. هذه الحالة الثانية. الحالة الأولى: أن يعلم كذبه، فهذا لا يلزمه التصديق. والحالة الثانية: أن يترجح كذبه، وهذا أيضاً لا يلزمه تصديقه. الحالة الثالثة: أن يتساوى الأمران عندك، ظن وما ترجح لك شيء، هل هذا صادق أو كاذب؟ فالأصل أنه صادق من باب تعظيم الله عز وجل. فهنا يجب عليك ماذا؟ تصديقه. تساوى الأمران يجب عليك تصديقه. والعلماء يذكرون هذه الحالات لأن بعض الناس لا عند تعظيم لله، مستعد أن يحلف الأيمان المغلظة، ويحلف بالله عز وجل في أمر دنيوي كذباً ليتحصل على مال، أو ليتحصل على جاه، أو ليتحصل على شيء من أغراض هذه الدنيا، وأنت تعلم أنه كاذب، تعلم أنه كاذب ولا يبالي، وهذا من قلة الإيمان وضعف التوحيد، وضعف التوحيد. طيب، هذه الحالة الثالثة: أن يتساوى الأمران، فهذا يجب تصديقه. الحالة الرابعة: أن يترجح صدقه، فيجب أن يصدق. ترجح لك أنه صادق، فهذا يجب عليك أن تصدقه، ولا يجوز لك أن تكذبه. والخامس: أن يعلم صدقه، يتيقن أنه صادق، فهذا أيضاً يجب أن يصدقه. إذن الحالات خمس: إنسان حلف لك على أمر، إذا تيقنت وعلمت أنه كاذب، هذا لا يلزم أن تصدقه. إذا ترجح لك أنه كاذب، هذا لا يلزم أن تصدقه. إذا استوى الأمران، يجب عليك أن تصدقه. إذا ترجح لك صدقه، يجب عليك أن تصدقه. إذا تيقنت صدقه، يجب عليك أن تصدقه. لابد من هذا التفصيل لأن بعض الناس لجهله يقبل أي يمين، هذا خطأ، ولو كان يعلم علم اليقين أن هذا الحالف كاذب. فلا إفراط ولا تفريط، لا إفراط ولا تفريط. يعني بعض قضايا مثلاً تعرف أن فلان كاذب، يأتي المصلحون يقولون لك: خلاص قبل يمينه، خلّه يحلف ويتحملها. طيب، يحلف على كذب، يحلف على كذب وأصدقه على كذب؟ فلا يلزمك ذلك، لا يلزمك أن تصدقه إذا أنت تعلم أنه كاذب. هذا هو التفصيل الذي ذكره أهل العلم في مسألة الاقتناع بالحلف بالله. فإذا يتلخص لنا من هذا أن المسألة الثالثة والرابعة والخامسة، هذا الذي يشملها الحديث: «وَمَنْ حُلِفَ لَهُ بِاللَّهِ فَلْيَرْضَ»، «وَمَنْ حُلِفَ لَهُ بِاللَّهِ فَلْيَرْضَ». إذا تساوى الأمران، أو ترجح صدقه، أو علم صدقه، فهنا يجب الرضا بهذا الحلف. قال: المسائل الأولى: النهي عن الحلف بالآباء، والنهي قلنا للتحريم، لأنه من الشرك الأصغر، والشرك أصغر من الكبائر. قال الثاني: الأمر للمحلوف له بالله أن يرضى، لأنه قال: «فَلْيَرْضَ»، «فَلْيَرْضَ»، اللام هنا لام الأمر، فإذا يجب الرضا لمن حلف له. قال الثالث: وعيد من لم يرضَ، «وَمَنْ لَمْ يَرْضَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ»، أي هذا العمل ليس يحبه ويرضاه الله. الثالث: وعيد من لم... (تكملة الجملة السابقة). المسألة الرابعة: زادها الشيخ ابن عثيمين: أمر الحالف أن يصدق، لأن الصدق واجب في غير اليمين، فكيف بها؟ يعني أنت مأمور أن تصدق ولو بغير يمين، فإذا حلفت بالله عز وجل هنا يتوجب عليك الصدق، يتوجب عليك الصدق. إذا كان الصدق واجباً بغير حلف، فبالحلف يتعين ويتوجب أكثر وأكثر. فهذا معنى ما ذكره الشيخ ابن عثيمين حول شرحه لهذا الباب، وبه نكتفي. وفي الدرس القادم إن شاء الله ندخل في الباب الذي بعده. إلى هنا والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر