التعليق على كتاب الداء والدواء 67

التعليق على كتاب الداء والدواء 67

الدرس في التعليق على كتاب الداء والدواء 67، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

أهمية القلب السليم والصراط المستقيم وعقوبات الذنوب

يشرح المحور ارتباط القلب السليم بالصراط المستقيم في الدنيا والبرزخ واليوم الآخر، مبيناً أن الانحراف عنه يؤدي إلى البدع والمعاصي والنار. كما يستعرض تفاوت عقوبات الذنوب بحسب درجاتها ومفاسدها وحال الناس على الصراط المنصوب على جهنم.

أصول الذنوب وتقسيمها إلى ترك المأمور وفعل المحظور

يبين المحور أن كل ذنب ينبع من أصلين: ترك مأمور أو فعل محظور، وينقسمان إلى ظاهر وباطن وحق لله وحق للخلق. ثم يصنف الذنوب إلى أربعة أقسام مستعرضاً بالتفصيل الذنوب الملكية كالكبر والعظمة والشرك في الربوبية والمعاملة محذراً من إحباطها للأعمال.

تصنيف الذنوب إلى شيطانية وسبعية وبهيمية وخطورتها

يستعرض المحور تقسيم الذنوب إلى ثلاثة أنواع: الشيطانية كالحسد والبدع، والسبعية كعدوان وسفك الدماء، والبهيمية كشهوات البطن والفرج. ويوضح أن الذنوب البهيمية هي الأكثر شيوعاً لعجز الناس عن غيرها، وأن جميعها تُعد دهليزاً يوصل إلى الشرك ومنازعة الربوبية.

معنى الدهليز والبرد كوسائل للوقوع في المحظورات

يوضح المحور أن الدهليز هو الطريق الموصل، والبرد هو ما ينقل الشخص ليرتكب الكبائر التي حذر الله منها. وتشير هذه الوسائل إلى أنها تؤدي حتمياً إلى الوقوع في المحرمات العظيمة والعياذ بالله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمةً للعالمين بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه، وسراجًا منيرًا. أما بعد: قال شيخ الإسلام الإمام أبو عبد الله محمد ابن أبي بكر الزرعي، المشهور بابن القيم، ويقال ابن قيم الجوزية، رحمه الله تعالى، وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين، في كتابه القيم ورسالته النافعة الماتعة الموسومة بـ «الداء والدواء»، وهي «الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي». وذكر رحمه الله تعالى فيما مضى الكلام حول القلب السليم، وكيف يكون عيش من رزقه الله عز وجل قلبًا سليمًا، وأنه يعيش في راحةٍ وسعادةٍ في الدنيا، وهكذا في البرزخ، وهكذا في يوم المعاد يوم القيامة. كما أن من حرم سلامة القلب، وهكذا حرم التوفيق إلى الطاعة والخير، فإنه يعيش في جحيم، وهكذا يعيش في حياةٍ ضنكة، سواءً في الدنيا، أو كان ذلك في البرزخ، أو كان في يوم المعاد. وأصحاب القلوب السليمة يوفقهم ربنا عز وجل في الدنيا للصراط المستقيم الذي أمر ربنا عز وجل بلزومه، ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾. رسم النبي صلى الله عليه وسلم خطًا مستقيماً، ورسم على جانبي هذا الخط خطوطًا، ثم قال عليه الصلاة والسلام: «هذا صراط الله، وهذه السبل»، أي الطرق، «على كل سبيل منها شيطان يدعو إليها». ثم تلا الآية: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾. ومر معنا أن أعظم أو من أعظم الأدعية وأنفعها هو الدعاء بالهداية إلى الصراط المستقيم الذي ورد في سورة الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. هذا يعتبر أعظم الأدعية، فقد أمرنا ربنا عز وجل أن ندعو به في كل ركعة من ركعات صلاتنا، فلا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. ثم بينا ما هو هذا الصراط والطريق الذي ندعو ربنا عز وجل أن يهدينا له، قال: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾. من هم الذين أنعم الله عليهم؟ هم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون، ﴿وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا﴾. فمن هدي إلى طريق هؤلاء فهو على الصراط المستقيم، يوشك أن يصل إلى الله عز وجل. وقوله سبحانه: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، أي غير طريقي أولئك الذين غضب الله عليهم ممن انحرفوا عن الصراط المستقيم، وأخذوا بصراط أصحاب الجحيم، وهم اليهود، وهكذا الضالون من النصارى. فاستعاذ العبد بربه تبارك وتعالى في أن يجنبه سبيل المجرمين، وهكذا صراط المغضوب عليهم، وهكذا معهم الضالون. وذكر رحمه الله تعالى أيضًا ما يتعلق بالصراط العظيم الذي يمد على متن جهنم، وأن ذلكم الصراط خطر جدًا، أحدّ من السيف وأدقّ من الشعر، وعلى جانبيه كلاليب وخطاطيف. والناس يجوزون هذا الصراط الذي يمد على متن جهنم على حسب أعمالهم التي عملوها في الدنيا، فمنهم من يجوزه كالبريق، ومنهم من يجوزه كالريح، ومنهم كأجواد الخيل، ومنهم من يمشي، ومنهم من يحبو، إلى غير ذلك. فهم متفاوتون على حسب تفاوتهم اليوم في لزوم هذا الصراط المستقيم وهكذا سلوكه الذي يوصل إلى الله تبارك وتعالى. قال رحمه الله تعالى في آخر ما ذكر في الفصل الماضي: «فمن أعظم عقوبات الذنوب الخروج عن الصراط المستقيم في الدنيا والآخرة. في الدنيا: من خرج عن الصراط المستقيم وقع في مستنقعات البدع والشركيات وبؤر المعاصي والشر والفساد. ومن خرج عن الصراط في الآخرة فإنه يقع في النار، أعاذني الله وإياكم من ذلك». قال رحمه الله تعالى: «فصل: ولما كانت الذنوب متفاوتة في درجاتها ومفاسدها، تفاوتت عقوباتها في الدنيا والآخرة بحسب تفاوتها. وكلما كان الذنب أعظم كانت العقوبة أعظم، وكلما كان الذنب أخف كانت العقوبة كذلك». قال رحمه الله تعالى: «ونحن نذكر فيها بعون الله وتوفيقه فصلًا وجيزًا جامعًا، فنقول: أصلها نوعان، أي أصل الذنوب التي تقع في الدنيا التي يترتب على فعلها العقوبة في الدنيا، وهكذا في الآخرة. قال: أصلها نوعان: ترك مأمور، وفعل محظور». قال: «وهما الذنبان اللذان ابتل الله سبحانه بهما أبوي الجن والإنس». فمن هو أبو الجن؟ ومن هو أبو الإنس؟ أبو الجن: إبليس، كنيته أبو مرة. وأبو الإنس: آدم. فالشيطان في الجن كآدم في الإنس. بماذا ابتلي الشيطان؟ بفعل المأمور أو بترك المأمور؟ بإبليس، أمره الله أن يسجد لآدم فلم يمتثل، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾، أي لم يسجد، لم يمتثل، وإنما ترك المأمور. وآدم ابتلي بفعل المحظور الممنوع، الله عز وجل نهى آدم أن يأكل من شجرة واحدة، وأباح له أن يأكل من جميع أشجار الجنة، فما وقع من آدم؟ أنه أكل من هذه الشجرة. قال: «وكلاهما ينقسم باعتبار محله إلى ظاهر على الجوارح وباطن في القلب»، أي ترك المأمور وفعل المحظور كلاهما ينقسم إلى قسمين باعتبار محله: إلى ظاهر على الجوارح، وإلى باطن في القلب. قال رحمه الله تعالى: «وباعتبار متعلقه إلى حق لله وحق لخلقه، وإن كان كل حق لخلقه فهو متضمن لحقه، لكن سمي حقًا للخلق لأنه يجب بمطالبتهم ويسقط بإسقاطهم. وحقوق العباد كما هو معلوم مبنية على المشاحة، أي عدم المسامحة، لكن إذا سامح أحدهم وتنازل عن حقه سقط، بخلاف حق الله عز وجل، فإن حقوق الله الأصل فيها أنها مبنية على المسامحة، إلا أن الله عز وجل قد يأخذ العبد بجرمه وذنبه». قال رحمه الله تعالى: «ثم هذه الذنوب تنقسم إلى أربعة أقسام: ملكية، وشيطانية، وسبعية، وبهيمية، ولا تخرج عن ذلك، أي لا بد أن هذه الذنوب تكون ضمن أحد هذه الأقسام الأربعة، وسيبين رحمه الله تعالى هذه الأقسام الأربعة». قال: «فالذنوب الملكية، يعني التي تدور حول الملك والرياسة». قال: «فالذنوب الملكية: أن يتعاطى العبد ما لا يصلح له من صفات الربوبية، كالعظمة والكبرياء والجبروت والقهر والعلو واستعباد الخلق ونحو ذلك». ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾، هذا من الذنوب الملكية. قال: «ويدخل في هذا الشرك بالرب تعالى، وهو نوعان: شرك به في أسمائه وصفاته، وجعلوا آلهة أخرى معه. والنوع الثاني: شرك به في معاملته». قال: «وهذا الثاني قد لا يوجب دخول النار، وإن أحبط العمل الذي أشرك فيه مع الله غيره. هذا شرك به في معاملته، وهو دون الأول، فقد يحبط العمل نفسه، كحال المرائي، وهكذا المعجب بعمله، وهكذا الذي يسعى إلى الشهرة بعمله، إلى غير ذلك». قال رحمه الله تعالى: «وهذا القسم يعني أعظم أنواع الذنوب، ويدخل فيه القول على الله بلا علم في خلقه وأمره، كما في قوله عز وجل: ﴿أَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. قال: فمن كان من أهل هذه الذنوب فقد نازع الله سبحانه في ربوبيته وملكه، وجعل له ندًّا، والمثيل والنظير والمثل. قال: وجعل له ندًّا، وهذا أعظم الذنوب عند الله، ولا ينفع معه عمل، ولا ينفع معه عمل. ولهذا أخبر ربنا عز وجل عن خطر الشرك به تبارك وتعالى، وأنه يحبط الأعمال: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾. وحاشى نبينا صلى الله عليه وسلم أن يشرك، لكن هو تنبيه أنه لو وقع منه الشرك لحبط عمله، فما ظنك بمن هو دونه؟ فإحباط عمله من باب أولى». قال رحمه الله تعالى: «فصل: وأما الشيطانية، أي الذنوب الشيطانية، فالتشبه بالشيطان في الحسد والبغي والغش والغل والخداع والمكر، والأمر بمعاصي الله وتحسينها، والنهي عن طاعته وتهجينها، والابتداع في دينه، والدعوة إلى البدع والضلال». لاحظ هذه أعمال الشياطين، فإذا وقع فيها العبد كان متشبهاً بهم. قال: «وهذا النوع يلي النوع الأول في المفسدة، وإن كانت مفسدته دونه». قال: «فصل: وأما السبعية، أي الذنوب السبعية، والسبعية نسبة إلى السباع، وطبيعة السباع: البطش والشراسة والفتك والقتل والعدوان، إلى غير ذلك». قال: «وأما السبعية: فذنوب العدوان، وفي بعض النسخ: فذنوب العداوات، وكلاهما يصلح، العدوان والعداوات، ومعناه الاعتداء على الآخرين». قال: «فذنوب العدوان والغضب وسفك الدماء والوثوب على الخلق من الضعفاء والعاجزين، فلربما تسفك دماؤهم وتنتهك أعراضهم، وهكذا تسلب أموالهم، وهكذا ينال منهم وتؤخذ حقوقهم، إلى غير ذلك من الذنوب السبعية». قال: «ويتولد منها أنواع أذى النوع الإنساني، والجرأة على الظلم والعدوان». ومن الأمور المتقررة في شريعتنا ما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام: «كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه». وهذه تعتبر من الضرورات الخمس التي أمر الشرع بالمحافظة عليها: المحافظة على الدين، والمحافظة على النفس، والمحافظة على العرض، والمحافظة على العقل، والمحافظة على المال. ولهذا حرم ربنا عز وجل لأجل ذلك ذنوبًا كثيرة لأجل المحافظة على هذه الخمس الضرورات. قال رحمه الله تعالى: «وأما الذنوب البهيمية، والبهيمية نسبة إلى البهيمة، والبهيم من الحيوان الذي لا ينطق، وغالبًا الذنوب البهيمية تدور حول شهوات البطون والفروج وغيرهما». قال رحمه الله تعالى: «وأما الذنوب البهيمية: فمثل الشره، والمقصود بالشره: شدة الرغبة في الشيء، عنده شره يعني حرص على الشيء ورغبة شديدة فيه. والحرص على قضاء شهوة البطن والفرج». وهذا يا إخوان من أعظم ما خافه النبي صلى الله عليه وسلم علينا: شهوات البطون والفروج، ومضلات الأهواء، من أعظم ما خافه النبي صلى الله عليه وسلم على أمته. قال: «ومنها يتولد الزنا واللواط، وهذا ينطوي تحت شهوة الفرج». والسرقة، وأكل أموال اليتامى، والبخل، والشح، والشح كما سبق معنا: شدة البخل. والجبن، والهلع، والجزع، والجزع: شدة الخوف. وغير ذلك. قال: «وهذا القسم أكثر ذنوب الخلق لعجزهم عن الذنوب السبعية والملكية، فالذنوب السبعية تحتاج إلى قوة يا إخوان، وقد لا توجد عند الكثير من الناس، وهكذا الملكية تحتاج إلى رئاسة وسلطان ووجاهة وغيرها، وهذا أيضًا قد لا يوجد لدى الكثير من الناس، فكانت الذنوب البهيمية هذه التي يقع فيها الكثير من الناس». قال رحمه الله تعالى: «ومنها يدخلون إلى سائر الأقسام، قال: فهو يجرهم إليها بالزمام، والزمام هو ما تربط به البهيمة فتقاد به. فقد يقع في الذنوب البهيمية باهتبال، حتى يصل به الحال إلى أن يشعر بقوة فيقع في السبعية، أو ينال وجاهة أو غيرها فيقع في الذنوب الملكية». قال رحمه الله تعالى: «فيدخلون إلى السبعية والملكية والشيطانية، وإلى منازعة الربوبية، وإلى الشرك والوحدانية. وقد تجتمع كلها في الرجل الواحد فيكون أشقى الخلقي، وقد يجتمع في العبد بعضها، وقد يجتمع في العبد بعضها». قال: «ومن تأمل هذا حق التأمل تبين له أن الذنوب دهليز الشرك والكفر ومنازعة الله ربوبيته، أي أن الذنوب هي توصل وتؤدي وتنقل العبد إلى هذه الأمور العظام من الشرك بالله عز وجل والكفر بالله عز وجل، وهكذا أن ينازع الله تبارك وتعالى في الربوبية. فالدهليز المقصود به الطريق الذي يوصل، وهكذا البرد الذي ينقل الشخص إلى أن يقع في هذه الأمور العظيمة التي حذرنا ربنا تبارك وتعالى منها». والشي