الدرس في شرح كتاب الحج من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 14، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح كيفية الاضطباع بوضع الرداء تحت العاتق الأيمن وعلى الأيسر، ويبين أن الاضطباع والرمل خاصان بطواف القدوم فقط. كما يذكر شروط السعي الثلاثة: النية، إكمال سبعة أشواط، والابتداء من الصفا، مع التأكيد على الإكثار من ذكر الله والدعاء أثناء الطواف والسعي ورمي الجمار.
يؤكد أن مناسك الحج ك الطواف والسعي ورمي الجمرات شرعت لإقامة ذكر الله، وينبه على وجوب انشغال الحاج بالذكر والدعاء وتجنب اللهو والتصوير. كما يبين حرمة مكة وأن القتال فيها محرم إلا دفاعاً عن النفس، مستدلاً بحديث الفتح وآية البقرة.
يبيّن حرمة مكة وأن القتال فيها لا يجوز الابتداء به بل يكون دفاعاً فقط، ويوضح أحكام الحرم من تحريم تنفير الصيد وقطع شجره النابت ذاتياً مع استثناء ما زرعه الآدمي، ويذكر حكم اللقطة في الحرم بأنها لا تملك بل تُعرف مدى الحياة أو تُسلم لمكاتب الضائعات، ويستثني النبي صلى الله عليه وسلم الإذخر للانتفاع به في البيوت والقبور.
يوضح أن الدفاع عن النفس مشروع حتى لو أدى إلى قتل المعتدي إذا كان كافراً أو يهدد الحياة، ويُعتبر من مات مدافعاً عن نفسه شهيداً. ويؤكد على وجوب استخدام أخف الوسائل أولاً كضرب الرجل أو التخويف، ثم التدرج في القوة حسب الحاجة.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد: قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى في كتابه "منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين": قال: "وسنة أولا أن يطبع في طواف القدوم، بأن يجعل وسط ردائه تحت عاتقه الأيمن وطرفه على عاتقه الأيسر". عندك يا عبد الرحمن، اطبع، اطبع. كيف الاطباع بالعمامة؟ تطبيق عملي. كيف الاطباع؟ قال: "أن يجعل وسط ردائه تحت عاتقه الأيمن". أين عاتقك الأيمن أيها؟ ضع هذا تحت الرداء، ضعه تحت. وين تحت؟ تحت أيها؟ تحت أيها؟ أولئك. قال: "وطرفه على عاتقه الأيسر". هذا الطرف وهذا الطرف، الطرفان، الطرفان. ضع الطرف هذا أيضًا، أخرج هذا، ضعه هناك. لا، وين الأيمن؟ تمام. هكذا الاطباع، تمام هكذا الاطباع. عندك قد ذهبت عمرة؟ ها، هكذا. نعم، هذا فقط عند الطواف، وليس كل طواف. عند طواف القدوم، طواف القدوم سواء كان للقارن أو المفرد أو المتمتع، أول ما يقدم إلى البيت. تمام. ودليله ما ورد في حجة، في عمرة القضاء. ففي العام الثاني، لما منع النبي صلى الله عليه وسلم في العام الأول، في العام الثاني لما اعتمر كان من بنود الصلح، فكان المشركون ينظرون إلى الصحابة ويقولون: إن الصحابة أوهنتهم حمى يثرب، يعني أضعفتهم وصاروا ضعفاء لا قوة فيهم. فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يظهر قوة الصحابة، فأول ما قدموا أظهر الصحابة أيمانهم حتى ينظروا القوة، وكذلك رملوا. ولذلك قال: "وأن يرمل للثلاثة أشواط الأول منه، ويمشي في الباقي". والرمل قلنا هو: تقارب الخطى مع السرعة مع الإسراع، هذا يسمى الرمل. وهذا كله دليل أن الصحابة في عافية وفي صحة وفي خير، ما مرضتهم حمى يثرب. واضح؟ نعم. لكن بعد ما ينتهي من الطواف ما يظل يعني مفتوح الكتف الأيمن، بعضهم حتى هو يصلي ركعتين، هذا في نهي: «لا يصلي أحدكم وليس على عاتقه شيء من ثوبه». شيء فيغطي عاتقه بعد ما ينتهي من الطواف، رأس الشوط الأخير يرد الرداء على ما هو عليه، يكون على كتفه. تمام، يكون على كتفه. نعم. فمن الخطأ ما يفعله كثير من المعتمرين أو من الحجاج، تجده دائمًا هو متطبع، حتى ربما أحيانًا في صلاة الفريضة تجده متطبع، يعني مظهر عاتقه الأيمن. هذا خطأ، وهذا خطأ. هذا الاطباع فقط في طواف القدوم، بعد طواف القدوم لا يشرع، خلاص، لا في طواف آخر، ولا في سعي، ولا في صلاة، ولا في جلوس، ولا في شيء. واضح. قال: "وكل طواف سوى هذا لا يسن فيه رمل ولا اطباع". يعني هذا الاطباع والرمل يكون في طواف القدوم فقط. أما طواف الإفاضة فلا يشرع فيه، بل طواف الإفاضة يمكن أن تلبس المخيط إذا أتيت بإثنين من ثلاثة، يعني إذا مثلا رميت وكذلك ذبحت، فهنا تتحلل التحلل الأصغر. قولنا صح؟ أو طواف التطوع، تريد أن تطوف تطوعًا ولو كان فيك إحرام، فهنا لا تتطبع. واضح، لا تتطبع، إنما تطوف ورداء على كتفيك. قال: "وشروط السعي". تقدم معنا شروط الطواف أيضًا السعي، حتى يكون صحيحًا، لأن السعي من أركان العمرة وكذلك من أركان الحج. طيب، فلا بد أن يكون صحيحًا. والطواف أيضًا له ثلاثة شروط. الشرط الأول: قال: "النية". لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات». فمن طلع إلى الصفا يبحث عن صديق له، ما وجده، خرج وراح إلى المروة، طلع المروة يدور عليه، ما وجده، ثم رجع إلى الصفا، قال: الآن قدنا الشوطين، الله سيجعله سعيًا؟ وعمل خمسة أشواط أخرى، وقال: أنا سعيت. لا، السعي الأول والثاني الذي بغير نية غير صحيح، لأنه ما نوى السعي، وإنما نوى البحث عن صديقه أو عن زميله. واضح هذا الآن؟ فلا بد من استصحاب النية من أول السعي، من أول السعي. قال: "ثانيًا: وتكميل السبعة". فلو يعني سعى خمسًا أو ستًا ثم لم يأت بالسابع، فسعيه غير صحيح، سعيه غير صحيح. فلا بد من سبعة، من سبعة أشواط. يعني الشوط الواحد من الصفا إلى المروة هذا شوط، ومن المروة إلى الصفا هذا شوط ثانٍ. فتبتدئ بالصفا وتنتهي بالمروة. تمام. هذه الصفا وهذه المروة: هذا الأول، وهذا الثاني، وهذا الثالث، وهذا الرابع، وهذا الخامس، وهذا السادس، وهذا السابع. وين تهينا بالسابع؟ في المروة. إن هذا المروة وهذا الصفا. واضح؟ نعم. قال: "والابتداء من الصفا". مثل ما مر معنا في الطواف الابتداء من الركن الحجر الأسود، وهكذا في السعي يكون الابتداء من الصفا. فمن بدأ من المروة وانتهى بالصفا، فسعيه غير صحيح. قال: "لو أتيت بسبع". قلنا: لو، لو عشرة، أنت ما ابتدأت مما بدأ الله به ومما بدأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالنبي صلى الله عليه وسلم لما طاف وجاء إلى الصفا قال: ﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ ﴾ [البقرة: 158]، أبدأ بما بدأ الله به. والله بدأ في القرآن بالصفا، قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ ﴾، ذكر أولا ماذا؟ الصفا. فبهذا استدل العلماء على أن الابتداء من الصفا ركن أو شرط من شروط السعي، من شروط السعي. قال: "والمشروع" يعني السنة والمستحب، "أن يكثر الإنسان في طوافه وسعيه وجميع مناسكه من ذكر الله ودعائه". لقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما جعل الطواف بالبيت وبالصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله». أخرجه بعض أصحاب السنن، وصححه العلامة الألباني في صحيح الترمذي والترمذي وغيره. فإذا لا ينبغي للطائف أو الساعي أن يشتغل بغير الذكر من القيل والقال، أو من السكوت. هذا ما يليق. فأنت عند طوافك بالبيت، أو عند سعيك بين الصفا والمروة، أو عند رميك للجمار، يكون لسانك رطبًا من ذكر الله. وما هو ذكر الله؟ ذكر الله سواء كان الخاص أو العام. الخاص: مثلا في الطواف التسمية في أول الطواف، هذا ذكر خاص. التكبير عند الحجر الأسود في كل طواف، هذا أيضًا خاص. قول: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار» بين الركن اليماني والحجر الأسود، هذا أيضًا ذكر خاص. والذكر العام: ما تيسر لك من قراءة القرآن فهو ذكر. لو كنت تحفظ، ولو كان معك مصحف أيضًا، لا، بس أنت تطوف تقرأ، لا، بس هذا من ذكر الله. والأفضل أن يكون حفظك أو قراءتك عن ظهر غيب، لا عن مصحف، أن هذا ربما يشغلك عن التدبر، وربما هذا يؤدي إلى أن تصطدم بالناس. كيف تقرأ والناس أمامك وعن يمينك وعن شمالك مع الزحام؟ هذا ما ينبغي، ما يليق. لكن تقرأ من حفظك، تدعو الله، تكثر من الدعاء، فإن الدعاء في هذه المواطن مستجاب. ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان يطيل الدعاء في بعض تلك المواطن، كدعائه عند صعوده للصفا في كل طوافة، في كل سعي يدعو، ليس مرة واحدة، ثلاث مرات، ويطيل في الدعاء كما مر معنا في حديث جابر. كذلك عند رمي الجمرة الصغرى والجمرة الوسطى. مر معنا في الرمي أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد ما يرمي اليوم الثاني، اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر، قلنا يكون الرمي للجمار الثلاث. فأولا يرمي الصغرى، ثم الوسطى، ثم الكبرى. فلما يرمي الصغرى، بعد ما يرمي يستقبل القبلة، يأخذ قليلا جهة اليمين أو يهت اليسار، ثم يستقبل القبلة، ويدعو دعاء طويلا، يدعو دعاء طويلا. هذا من ذكر الله، هذا من ماذا؟ من ذكر الله. كذلك عند الرمي جاء من الذكر الخاص: ماذا؟ التكبير في كل حصاة. تقول: أيش؟ سبع حصيات، في كل واحدة تقول: أيش؟ الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر. هذا ذكر لله عز وجل. فإذا ما شرع الطواف والسعي والرمي إلا من أجل إقامة ماذا؟ ذكر الله. فلو كلمك واحد من زملائك، لا، لا يعني تكلمه، بل تنصحه، قل له: اشتغل بذكر الله. لا تضحك. بعض الناس يضحك عند الطواف وعند السعي. وبعض الناس يتصور، هذا مصيبة عظيمة، يطوف وهو يتصور، وغير ذلك من العجائب والغرائب التي يراها من وفقه الله للعلم والهدي النبوي فيه مثل تلك العبادات. فإذن ما ينبغي للمسلم أن يشغل نفسه في مثل هذه المواطن بغير الذكر، بغير الذكر. بل يكثر من ذكر الله عز وجل، لا يسكت، ولا يتكلم كلام ليس فيه ذكر، وإنما يشغل نفسه بذلك. أنت لما تطوف هذه الأيام، ربما أحيانًا الطواف استقر منك ساعة كاملة على حسب الزحمة، وبعدك من البيت وقربك منه، قد أحيانًا ساعة ونصف. الذي يطوفون في الأدوار الثانية أو الثالث أو السطح، هذا يتأخرون. فأنت تذكر الله ساعة، ساعة ونصف، ما شاء الله، هذا يعني عبادة عظيمة. نعم، والقلب في ذلك الموضع الحي لا يعني يشتغل بغير الذكر، لما يرى من الطائفين الداعين الخاشعين الباكين، ذاك يبكي، وذاك يتضرع، وذاك يسأل، وذاك يقرأ، وذاك... فكيف أنت يعني نفسك يعني تجعلك تتكلم بغير الذكر وأنت في ذلك الموضع والموطن العظيم؟ فمن أجل ذلك شرعت هذه المناسك. ولذلك قال: "وجميع مناسكي". يعني مثلا في منى، بعضهم كذلك يشتغل بغير الذكر، مع أن الله عز وجل قال: ﴿ وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ ﴾ [البقرة: 203]. قالوا: الأيام المعدودات هي أيام منى، أيام التشريق، أيام التشريق. ولذلك كان عمار وأبو هريرة يكبرون في مثل هذه الأيام. وكذلك في منى يحاول أن الحاج أن يشتغل بالذكر ويكثر من ذكر الله سبحانه وتعالى. قال: "وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما فتح الله على رسوله مكة، قام في الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «إن الله حبس عن مكة الفيل، وصلط عليها رسوله والمؤمنين، وإنها لم تحل لأحد كان قبلي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار، وإنما لن تحل لأحد بعدي، فلا ينفر صيدها، ولا يختلى شوكها، ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد، ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين». فقال العباس: إلا الإذخر يا رسول الله، فإنا نجعله في قبورنا وبيوتنا. فقال: إلا الإذخر». متفق عليه. يريد من هذا الحديث أن يبين حرمة مكة، فمما ينبغي أن يعلمه الحاج أو المعتمر حرمة مكة، وأن مكة تختلف عن غيرها من البقاع، فلها حرم، يعني حدود، هذا الحرم لا يجوز فيه فعل بعض الأعمال التي تفعل في غيره. من ذلك ما جاء في أول هذا الحديث: وهو لا يجوز القتال فيها، لا يجوز القتال فيها. قال في أول حديث: «إن الله حبس عن مكة الفيل، وصلط عليها رسوله والمؤمنين». يعني ماذا أراد أبرهة لما جاء بذلك الفيل العظيم؟ أراد أن يهدم الكعبة وأن يسفك دماء أهلها من اعترضوا له، صح؟ فمنعه الله عز وجل، كما في سورة الفيل: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ﴾ [الفيل: 1] إلى آخر السورة. فالله عز وجل حرمها، لكن أحلت للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ساعة من نهار، يعني حتى الأنبياء، أو حتى من كان قبل النبي صلى الله عليه وسلم لم تحل له، يعني لم يقع فيها قتال، لم يقع فيها قتال قبل النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما وقع فيها قتال يسير في فتح مكة في السنة الثامنة. وهذا معنى قوله عليه الصلاة والسلام: «وإنما أحلت لي ساعة من نهار». أي أن الله عز وجل أحلها لنبيه عليه الصلاة والسلام ساعة، والساعة المراد بها هنا اللحظة من الزمن. قال العلماء: والمراد هنا ساعة الفتح، من طلوع الشمس إلى صلاة العصر، هذا فقط الوقت الذي أباح الله عز وجل لنبيه فيه، فيه مكة، بمعنى أن يقاتل من اعترضه، أن يقاتل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من اعترضه. فإذا نستفيد من هذا أن مكة لا يجوز فيها القتال لأنها بلد آمن، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ﴾ [آل عمران: 97]، ومن دخلها كان آمنا. ويستثنى في القتال فيها، يستثنى من قوتل فيها. أنت الآن في مكة، جاء أحد اعتدى عليك، فهل تجلس مكتف اليدين وتقول: ما يجوز القتال فيها؟ لا، هنا يجوز أن تقاتل، لكن قتال مدافعة. تمام. ودليل ذلك قوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ﴾ [البقرة: 191]. يعني أنتم لا تبتدئوا بالقتال، لا تقاتلوا عند المسجد الحرام، لكن إذا هم ابتدأوا فلا تجلسوا مكتفي الأيدي، وإنما قاتلوهم، قاتلوهم. هذا معنى الآية. فهذا يستثنى إذا كان القتال من أجل المدافعة. فهذا حكم من أحكام الحرم، حكم من أحكام الحرم أنه لا يجوز القتال فيه. وما وقعت من معارك في مكة، فهذا إما أنها وقعت ممن لم يعظم البيت، كما وقعت في تاريخ الملوك والسلاطين في الدولة الأموية وفي غيرها من الدول، ودولة القرامطة ونحو ذلك، وقع فيها قتال. لكن هذا القتال إنما هو لجهل من ابتدأ القتال فيها. وأما ما وقع من بعض الصحابة من قتال، كعبد الله بن الزبير وغيره، فهذا من باب المدافعة، من باب المدافعة، كما مر معنا في قول الله عز وجل: ﴿ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ﴾، ﴿ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ﴾. وأما قوله هنا: «وإنما لن تحل لأحد بعدي»، يعني ما أحل الله لأحد من الأنبياء ولا الأمم السابقة أن يدخل مكة بقتال أبدًا. لماذا؟ لأن مكة معظمة، لأن مكة ماذا؟ معظمة. قال: «فلا ينفر صيدها». التنفير هو الإزعاج لها، يعني هي جالسة، أن تأتي وتزعجها حتى تنقلها من أماكنها، أو حتى تطير من مواقعها. ومن هنا تعلم خطأ بعض الناس، يريد أن يصور الحمام، حمام الحرم، يأتي ويدخل بينها، وتطير الحمام، يصور هذا. هذا من التنفير، حمام الحرم هذا من الصيد الذي نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن ينفر. والتنفير هو الإزعاج، الإزعاج عن موضعه. وحمل العلماء هذا النهي على التحريم. وذكر العلماء أيضًا أنه يستفاد من ذلك تحريم الإتلاف بالأولى، يعني كما أنه لا يجوز تنفيرها، لا يجوز قتلها، ولا يجوز ضربها أبدًا، لا يجوز أن يفعل بها أي شيء من ذلك، التي هي موجودة في الحرم. هذا معنى: «لا ينفر صيدها». «ولا يختلى شوكها». ومعنى «لا يختلى» يعني لا يقطع. وفي لفظ: «لا يختلى خلاها»، خلاها يعني أو شوكها، يعني شجرها، شجر الحرم الذي ينبت بنفسه. هذا هو الضابط: الذي ينبت بنفسه. ولذلك جمهور أهل العلم استثنوا ما أنبته الآدمي من البقول والزروع. مثلا إنسان يسكن في الحرم، عنده حوش، عمل بقل وجرجير وبعض الأشيار التي تؤكل، هل نقول: لأنك في الحرم ما يجوز لك أن تأخذ هذا؟ لا، جمهور أهل العلم يرون أن هذا مما يستثنى، لأن المراد: «لا يختلى شوكها» مما ينبت وحده دون عمل الآدمي، دون عمل الآدمي. فهذه الأشيار لا تقطع، هذه الأشيار لا تقطع. هذا أيضًا من أحكامها. «ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد». الساقطة هو الشيء الضائع. إنسان سقط عليه مال، أو سقط عليه جوال في الحرم، فأنت جئت ورأيته هنا، لا يجوز لك أن تأخذ هذا الجوال أو هذا المال إلا بشرط، ما هو هذا الشرط؟ هذا الشرط أن تعرفه طول حياتك، ما يجوز لك أن تمتلكه. بخلاف اللقطة، هذا تسمى لقطة. بخلاف اللقطة خارج الحرم: إذا وجدت جوال في السوق، في الشحر، أو في إندونيسيا، وجدت جوال، ما تدري حق من، تعرفه سنة، إن جاء صاحبه أعطيته إياه، وإن ما جاء، خلاص تمتلكه. صح؟ لكن لقطة الحرم: إما أنك تتركها لا تأخذها، تتركها، أو أنك تعرفها مدى حياتك. والآن الحمد لله في الحرم وجدت هناك أماكن خاصة للضائعات، تذهب بهذا الضائع إلى المكتب، والناس يعرفون من ضاع عليه شيء يذهب إلى هذا المكتب ويسأل عن الضائعات التي ضاعت عليه. هذا الآن موجود. لكن ما يجوز تقول: هذا فرصة، جوال، أنا سأخذه. لا، هذا لا يجوز في الحرم. ولو قلت: أعرفه، أسأل لي حوالي، هل حضاعه عليه جوال، بجلسنا في الحرم؟ لا، ما فيه. لا بد إما أن تعرفه مدى الحياة، وإما أن تتركه. لكن الآن تذهب به أين؟ إلى مواضع الضائعات، إلى مواضع الضائعات. هذا أيضًا حكم خاص بمكة، أو بالحرم خاصة. وحدود الحرم الآن معروف، حرم المكي حدوده معروفة. نعم، وعملوا علامات، تجد علامات: هنا ينتهي، نهاية الحرم، هنا بداية الحرم، هنا كذا، معروف. فمثلا إلى نهاية منى هذا الحرم، إلى المزدلفة هذا الحرم، بعد مزدلفة خلاص ينتهي الحرم. عرفة ليست من الحرم، مسجد التنعيم ليس من الحرم. وأن تذهب إلى جدة، قبل النقطة تجد يعني لوحة كبيرة: نهاية الحرم، خلاص انتهى الحرم. في قرب خروجك من مكة، وهكذا. فحرم له علامات، فهذا كله يشمله هذه الأحكام، يشمله هذه الأحكام. قال: «ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين». يعني أنه لا يقتله في الحرم، وإنما هو بخير النظرين، يعني إما أن يأخذ الدية، وإما أن يقتص منه، وإما أن يقتص منه. واختلف العلماء: هل يجوز القصاص في مكة؟ والصحيح أنه يجوز، يعني في الحرم، الصحيح أنه يجوز. لكن هذا لولي الأمر، ليس لأي أحد، ليس لأي أحد. هذا يكون لولي الأمر. ليس معنا إذا وجدت غريمك تقتله كما يفعل أهل الجاهلية، لا. وإنما القصد: يعني «من قتل له قتيل فهو بخير النظرين»، يعني إما أن يقبل الدية، وإما أن يرضى بالقصاص. قال: «فقال العباس». يعني لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ولا يختلى شوكها، ولا يختلى خلاها»، يعني شجرها. فالعباس هنا أورد يعني إشكال، فقال: «إلا الإذخر يا رسول الله». الإذخر هذا نبت، يقول بعض العلماء: نبت معروف عند أهل مكة، طيب الريح، قطبانه دقيقة، يعني سيقانه دقيقة، تجتمع في أصل مندفن في الأرض، يعني أصله يكون في الأرض، وفيه يعني سيقان دقيقة، يعني خفيفة أو صغيرة. طيب، هذا يسمى الإذخر. لماذا هنا استثناه العباس؟ قال: «فإنا نجعله في قبورنا وبيوتنا». يعني قيل أنه يخلط مع التراب الذي يعني يوضع له الماء فيشد الطين، يشد الطين، حيث أن الطين تكون قوية في الجدران، راضح تكون قوية. فهذا هو الإذخر، يعني نبت معروف في مكة. فالعباس قال: طيب، لو ما يعني لو نهينا عن قطع هذه الأشجار، من أين نبني البيوت، ومن أين ندفن الموتى؟ ما سننتفع بهذا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إلا الإذخر». يعني مستثنى، فيجوز قطع الإذخر الذي ينبت في الحرم، لكن بشرط أن يستفاد منه، بشرط أن يستفاد منه. أما إذا لم يستفد منه، فلا يجوز قطعه، لأن هنا الرخصة جاءت معللة، معللة بإيش؟ «فإنا نجعله في قبورنا وبيوتنا»، في قبورنا وبيوتنا. واضح؟ نعم. طيب، نكتفي إن شاء الله بهذا اليوم، لانتهى الوقت. وإلى هنا والله. طيب، ما ها؟ عن إيش القتال؟ أيوه، لا تبتدئ أنت القتال، ما يجوز الابتداء بالقتال، لكن إن اعتدى عليك فأنت تدافع عن نفسك. والله، إن احتاج الأمر إلى أن تقتله ويريد يقتلك، إذا كان كافرًا أو إذا كان يعني تدافع عن نفسك، من مات دون نفسه فهو شهيد، ومن مات دون... أنت تدافع بالأخف، أنت لا تقتله مباشرة، المدافعة تكون بالأخف، تضربه في رجله مثلا، أو تخوفه، فإذا ان دفع تتدرج معه. فاكرة؟ نعم.