شرح السنة للإمام البربهاري 91

شرح السنة للإمام البربهاري 91

الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 91، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

معاملة المسلمين لبعضهم البعض وتوجيهات المؤلف

يشرح كيفية تعامل المسلمين مع بعضهم البعض، حيث الأصل هو الستر ما لم تظهر ريبة أو نفاق. يحذر من أفكار المبتدعة الذين يستحلون دماء وأموال من يخالفهم.

تحذير المؤلف من علم الباطن وادعاءاته

يناقش مفهوم علم الباطن الذي ابتدعته الفرق الباطنية، ويحذر من ادعاء معرفة ما في باطن الناس دون دليل من الكتاب والسنة. يبين أن الأصل في المسلم الستر حتى يظهر ما يناقض ذلك.

الرد على الباطنية وخطورة مذهبهم

يتناول الرد على الباطنية وخطورة مذهبهم على الأمة الإسلامية، حيث يستخدمون ادعاء علم باطني لتأويل أركان الإسلام وتفسير القرآن بغير المعنى المعروف. يبين أن هذا العلم هو بدعة وضلالة.

  • 10 جمادى الأولى 1446هـ - 11/11/2024مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: والمستور من المسلمين من لم تظهر له ريبة، وكل علم ادعاه العباد من علم الباطن لم يوجد في الكتاب والسنة فهو بدعة وضلالة، ولا ينبغي لأحد أن يعمل به ولا يدعو إليه. في هذه الفقرة، وخاصة الأولى، تكلّم المؤلف رحمه الله تعالى عن معاملة المسلم لإخوانه المسلمين بهذه القاعدة الرصينة القوية، والتي عليها عمومات الأدلة، في قوله رحمه الله تعالى: والمستور من المسلمين من لم تظهر له ريبة. الأصل إخواني في الله في المسلم الستر والسلامة، هذا الأصل في المسلم ما لم تظهر منه ريبة أو يظهر منه نفاق أو يظهر منه شرك، فهذا أمر آخر. فمن لم يظهر منه شيء فالأصل فيه السلامة، تعطي المسلمين حقهم. فالمسلم يتعامل مع إخوانه المسلمين بأداء الحقوق لأهلها، يؤدي كل حقه بعضا لبعض دون شرط المعرفة. فلا يأتي مثلا لأحد من الناس لا يتعامل مع هذا ولا يتعامل مع ذاك بحجة أنه لا يعرفه، وبحجة أنه لا يثق فيه مثلا. من أين جاءت النتيجة؟ قال: أنا لا أعرفه، وأنا شاك في هذا الرجل. بماذا الشك؟ هل هناك قرائن قول أو فعل؟ لا، لا هذا ولا ذاك، فهذا لا يجوز. وهذا الذي عليه المبتدعة، فإن أهل البدع لهم مذاهب شتى في تعاملهم مع أهل الإسلام. أفمنهم من يرى أن من لم يكن معهم فهو عدو لهم؟ من لم يكن معهم فهو عدو له، كما فعلت الخوارج في العهد الأول، أن من كان في مذهبهم وفي منهجهم فهو المسلم الصافي، ومن خالفهم فهو عدو له، فهو عدو له يستبيحون دمه وماله وعرضه. كما فعلوا في أواخر عهد الصحابة، حيث خرجوا على المسلمين وخرجوا على سرح المسلمين، يقتلون في الأبرياء ويقتلون في عامة أهل الإسلام. وهكذا ما كان من أمر أفراخهم في هذا الزمن، أنهم كذلك خرجوا على أمة محمد عليه الصلاة والسلام، فمن لم يكن ومن لم ينضم إلى جماعتهم وإلى سلك تيارهم فإنه يعتبرونه عدوا لهم، حتى بلغ بهم الأمر إلى استحلال دماء الصبيان واستحلال دماء النساء، وهذا موجود في فتاواهم. فمن عنده في بعض البلدان التي ظهروا فيها وقاموا وتجمعوا على رؤوس الجبال، فكانوا ينادون بالناس أن من لحق بهم إلى الجبال فهو منهم وإليهم، ومن لا فوعد لهم. فكانوا يخرجون بين فترة وأخرى يخرجون على ديار المسلمين يقتلون ويقتلون في من؟ في أي أحد؟ ربما رجل بريء ليس هو على فكر وليس هو على مذهب من المذاهب المعاصرة، وليس هو حول عداوتهم بعيد عنهم كل البعد، ومع ذلك فإنه ماذا يرمونهم بالكفر؟ لماذا؟ لهذه القاعدة عندهم، ليس الأصل في المسلم الستر، لا الأصل من كان معهم فهو الستر، مستور من كان معهم فهذا المستور، ومن خرج عليهم فهذا الذي بان شره وبان كفره. فاستباحوا الدماء والأموال والأعراض كما قلنا، حتى سمعنا بتلكم الفتاوى الجائرة التي تقشعر منها القلوب، حيث استباحوا قتل النساء وقتل الصبيان، وقد فعلوا ذلك، وهذا موجود مسطر في جرائدهم ومسطر كذلك في ملفات التحقيق، حيث اعترفوا بفعل مجازر على الصبيان والأطفال والنساء بحجة أنهم ليس معهم، وهذا من أبطل الباطل. وهناك جماعة أخف من هذه الجماعة، إذ أنهم ما قالوا من ليس معنا فهو عدو لنا، بل قالوا من ليس معنا فهذا نتوقف فيه. وهم كما خرج الفكر الجديد كالجماعة الجديدة، وهي جماعة التوقف والتبين، حيث أتى بقاعدة من لم يكن معهم فهذا نتوقف فيه، نتوقف في أمره، لا نعامل معاملة المسلم ولا الكافر. هذا كذلك باطل، هذا كذلك باطل. وأهل السنة يقولون الأصل في المسلم الستر والسلامة، أنه لا زال على سلك الإسلام ومع المسلمين. والأدلة الدالة على ذلك، قال عليه الصلاة والسلام: «كل المسلم على المسلمين حرام دمه وماله وعرضه»، بما أنه دخل في الإسلام ويقوم بإظهار الإسلام وأتى بلا إله إلا الله، فهذا ماذا يبقى له؟ إسلامه وتبقى له حقوقه، فلا ينتقص ولا ينتقض إلا إذا ظهر منه ناقض، حتى يظهر منه ناقض. أما هكذا تقوم يا عبد الله بمزاجك تستبيح دمه وماله وعرضه من غير شيء، فهذا لا يجوز. وهذا كما قلنا عليه المبتدع، فلهذا المؤلف رحمه الله تعالى نبه وقال: والمستور من المسلمين من لم تظهر له ريبة. هذا المستور، فتؤدي حقه تؤدي حقه كاملا موفى، لأنه من عامة المسلمين، من الزيارة، من العيادة، من المعاونة، من المعانة، إلى ذلك، حتى الصلاة خلفه. وقد جاء ذلك معنا، قلنا عند أهل السنة والجماعة أن من كان حاله مستورا فإنه يصلى خلفه. حتى ذكر شيخ الإسلام عبارة شديدة في هذا الباب، وذكر في هذا أن هذا مذهب أهل السنة. قال رحمه الله تعالى: قول من قال أني لا أصلي إلا خلف من أعلم باطنه، قال فهو مبتدع. من قال أنا لا أصلي إلا خلف من أعلم ما في باطنه، مثل بعضنا يدخل في المسجد يقول: ما الإمام ينظر في هيئته، ما ظهر له شيء، يقول: لا ما أصلي. لماذا؟ قال: ما أدري إيش في باطن هذا الرجل. ما ينبغي، الأصل في المسلم الإمام الستر، أنه السلامة. ظهر منه شيء هذا أمر آخر، ظهر من أفعال مبتدعة، أفعال شركية هذا أمر آخر، أو قول شركي هذا أمر آخر، أو شيء سمعت عنه. أما لا هذا ولا ذاك، إنما تحكم بهذا القاعدة بأنه لا أصلي إلا خلف من أعرف باطنه. قال: من قال بهذا فإنه مبتدع، فإنه مبتدع مخالف للمذاهب الأربعة ولسلف الأمة. لأن الأصل أن الأصل في المسلم أنه مستور الحال، يعطى حقه من الصلاة ومن الدعوة ومن المعانة والاستعانة وغير ذلك من حقوق المسلمين بعضهم لبعض. ثم قال رحمه الله تعالى: وكل علم ادعاه العباد من علم الباطن لم يوجد في الكتاب والسنة فهو بدعة وضلالة، ولا ينبغي لأحد أن يعمل به ولا يدعو إليه. هذا العلم الباطن من العلوم الملفقة التي أتت بها الفرق الباطنية، أتت بها الفرق الباطنية ادعوا بما يسمى بعلم الباطن، كالإسماعيلية والقاديانية وهكذا من غلاة الصوفية الذي يدعون بهذا العلم. فعندهم أن العلوم على قسمين اثنين، العلوم على قسمين اثنين: علم الباطن أو قل علم الظاهر، علم الظاهر، وهذا ما يسمى بعلم المعاملة، ويسمى من اشتغل بهذا العلم بعلماء الظاهر. وعلم الثاني ما هو؟ يسمى بالعلم الباطن، وله ألقاب، يسمى بالعلم اللدني ويسمى أيضا بالعلم الخفي. فهذا العلم الباطن ويعني به علم المكاشفة، وأهله يسمون بعلماء الحقيقة. فهؤلاء الباطنية على هذا التقسيم أن العلم على قسمين اثنين: علم ظاهر وعلم باطن لدني. العلم الظاهر هو المتعلق بعلم المعاملة، ويسمى أصحابه بعلماء الظاهر. والعلم الآخر هو علم الباطني، وعلم اللدني، مقصود به علم المكاشفة، ويسمى أصحابه ويسمى المشتغلون به بعلماء الحقيقة. وعند هؤلاء أن من اشتغل بعلم الباطن أرفع درجة، أرفع درجة من علماء الظاهر ومن الفقهاء. ولهم أدلة، أدلة ساقطة، كحديث المكذوب الموضوع، كحديث: «إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا أهل المعرفة بالله». هذا الحديث: «إن من العلوم كهيئة المكنون»، هذا حديث مكذوب موضوع على نبينا عليه الصلاة والسلام. ويستدلون كذلك، وأعظم ما يستدلون به من الأدلة الصحيحة -يعني من حيث الصحة- أي من الاستدلال فلا ينتهض، يستدلون بقصة موسى مع الخضر عليهما السلام، إذ يقولون: أنظر إلى موسى، وأنظر إلى الخضر، فإن الخضر عنده علم الباطن، لأنه يفعل أشياء أن تراها بشكل، لكن الخضر رآها بشيء آخر، بشيء آخر، فهذا علم باطني بخلاف موسى عليه السلام. فيستدلون بقصة موسى والخضر على ثبوت هذا العلم، على ثبوت العلم الباطني. فرد العلماء عليهم بردود كثيرة. من هذه الردود، هم طبعا يستدلون أولا بقاعدة على أن الخضر ولي من أولياء الله، وأن الله أعطاه العلم الباطني، فعرف بأشياء عظيمة وكثيرة. فرد العلماء أولا بأن من قال بأن الخضر ولي، بل الخضر القول الصحيح، وقال جماهير العلماء على أنه نبي من أنبياء الله، الخضر نبي من أنبياء الله. ودليل قوله تعالى: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾، إذن هو وحي السماء يتنزل على الخضر عليه السلام، ففعل هذه الأشياء، فلا يأتي بعد ذلك رجل يدعي العبادة ويدعي الزهد ثم يتباهى على العامة ويقول: أن الله علمني بأشياء لم تعلمها لا أنت ولا أنت، لا أحد يدعي ذلك، ولا أحد يدعي نزول وحي عليه. فعلم الباطن هذا لا يكون إلا لأولياء الأنبياء، الله عز وجل. والأمر الآخر كذلك ما يتعلق بالرد على هذه القصة، قصة موسى مع الخضر، يقول علماء: أن الخضر لم ينكر على موسى الإنكار، وإنما أنكر على موسى سرعة الإنكار، فهذا الذي كان ينكر الخضر على موسى. ففيه رد على هؤلاء الصوفية من الغلاة، حيث أن الأساتذة هؤلاء إذا فعلوا أمرا منكرا مثل فعل الفواحش والمبيقات بحجة أنه علم لدني، فإذا قام المريد على مصطلحهم فأنكر على شيخه وأنكر على سيده هذه الفعلة، أنكروا عليه: لا تنكر علينا. وهذا غلط، فإن موسى أنكر على الخضر تلكم الأشياء التي فعلها، فإنما أنكر الخضر على موسى ليس الإنكار فقط، وإنما سرعة الإنكار، أنكر عليه. فالحاصل إخواني في الله، فليست في قصة موسى مع الخضر شيء من الدلالة في علم الباطن. وهؤلاء كم يقول علماء: لو ترك الأمر للباطنية بفتح هذا المجال لعامة الناس، لدب الفساد في أرض الله، إذ أن أهل علم الباطن يدعون بأنهم يرون أشياء لا يعلمها الناس، وبهذا تسلطوا على كتاب الله وعلى أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام، وفسروها بغير التفسير المعهود المعروف بحجة أنه علم باطني. فمثلا الباطنية يدعون أن أركان الإسلام، بل يقول: الدين كله، الدين والشريعة والأحكام والأركان، كل هذه الأشياء لها ظاهر يعلمها عامة الناس، ولها باطن ما يعلمه إلا الخواص. فمثال أركان الإسلام الصلاة مثلا، يفسرون عندهم بأن الصلاة هي الدعاء، ما معنى الدعاء؟ أي أنك تدعو وتهتف بأسماء ساداتهم وأوليائهم، هذا هو الصلاة عندهم، أنك تستنجد، أنك تستغيث، أنك تدعو بأسماء، هذه الصلاة. فكل لفظة صلاة في القرآن والسنة تحمل على هذا التأويل الباطني عندهم. كذلك الزكاة، ما معنى الزكاة عندهم؟ معنى الزكاة تزكية النفوس، ليس معناها زكاة المال، زكاة المال هذا فهم يفهمه العامة، أعامة المسلمين، أما الخواص والسادة، فيقصوب بالزكاة عندهم هي تزكية النفوس. وعندهم كذلك الصيام، الصيام الذي يعرفه عامة الناس، والإمساك على المفطرات، أما عندهم فالإمساك عندهم أو الصيام عندهم هو الإمساك عن أسرار عقيدتهم ومنهجهم، تكف لا تبث هذه الحقائق وهذه الأسرار عند كل أحد، بل تجعلها بينك وبين منهجك، هذا هو الصيام عندهم. وأما الحج فعندهم والذهاب إلى معابدهم، لأن الحج لغة هو القصد، فعامة الناس يفسرون الحج والقصد إلى مكة لتأدية شعائر الله، أما عند الباطنية فمعنى الحج والقصد إلى معابدهم، إلى مزاراتهم، إلى مساجدهم، ولماذا؟ لكي تطوف حول قبورهم وتهتف بأسمائهم. فهكذا أول أركان الإسلام الظاهرة إلى علم على حد زعمهم علم باطني. ومن نظر في تفسيرهم لكتاب الله جل وعلا يرى الطامات العظيمة، يرى الطامات العظيمة والطوام، وهم يدعون بأن علم المكاشفة إن هذا ليس خاصا بأنبياء الله، بل يدخل فيها عباد الله، ويرون أن الكشف يكون لمن بلغ من الإيمان مبلغا. فيشبهون القلب بالمرأة، القلب كالمرأة يكون عليه درن، يكون عليه الوسخ، فيقول الولي: متى ما صفى قلبه، صفاه وصفاه وصفاه، فإنه يرى علم الله جل وعلا. وهذا كما قلنا بدعة ضلالة. ولهذا قال المؤلف رحمه الله تعالى: وكل علم ادعاه العباد من علم الباطن لم يوجد في الكتاب والسنة فهو بدعة وضلالة، ولا ينبغي لأحد أن يعمل به ولا يدعو إليه، لأنه بدعة، ولأنه كما قلنا أمره لا يؤول إلى خير. من دخل في علم الباطن فقد هدم الشريعة. وقد ذكرنا في دروس سابقة مآل أصحاب هذا المذهب، أنهم سوغوا لأنفسهم ارتكاب الفواحش وارتكاب الموبقات وإتيان بالمعاصي والموبقات وهكذا، بالمقابل ترك الواجبات وترك ما أمر الله جل وعلا، بحجة هذا العلم المسمى بالعلم اللدني وبالعلم الباطني. ومن نظر في كتبهم يرى عظم وخطورة هذا المذهب الخبيث على الأمة الإسلامية، بل وعلى شريعة جمعاء، إذ أنه أتى على أصول الدين بالتهديم وهكذا بالتكسير وبالتخريب. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.