الدرس في كتاب الصلاة 12، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش المقطع حديث بلال وابن أم مكتوم رضي الله عنهما في أذان الفجر، مبيناً أن الجمهور على أذانين واختلفوا في المسافة بينهما فمنهم من قدرها بنصف الليل ومنهم من قال إنها متقاربة نحو ربع أو ثلث ساعة استدلالاً بقوله صلى الله عليه وسلم: «لم يكن بينهما إلا أن يرقى هذا وينزل هذا». واختار المحققون القول بالتقارب لمراعاة معنى «ليوقظ نائمكم ويرجع قائمكم».
يبين المقطع أن الأذان الأول قبل الفجر شرع لإيقاظ النائم وإرجاع القائم عن صلاة الليل وليس لإعلام بدخول الوقت، ويناقش خلاف العلماء في جواز الأكل والشرب بعد طلوع الفجر بناءً على حديث ابن أم مكتوم مع ترجيح أن قول الكوفيين بالجواز قول شاذ مخالف للآية. ويذكر أن في الحديث دليلاً على جواز اتخاذ مؤذنين في مسجد واحد.
يناقش المقطع جواز تعدد المؤذنين في المسجد الواحد بشرط عدم التشويش مبيناً أن السنة أذان واحد، كما يوضح ضعف حديث أمر النبي صلى الله عليه وسلم بلالاً بالرجوع والنطق بـ «ألا إن العبد نام» مستدلاً بتضعيف أئمة الحديث له، ومؤكداً مشروعية أذان الفجر الأول الثابت بالمتفق عليه.
الأذان الأول ثابت في الصحيحين برواية عدة من الصحابة وقد تم ذكره سابقاً، ويختتم المتحدث الحديث مكتفياً بما ذُكر.
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فقالوا: عن ابن عمر وعائشة رضي الله تعالى عنهما، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم». وكان رجلاً أعمى لا ينادي حتى يقال له: أصبحت، أصبحت. متفق عليه، وفي آخره إدراج. قال رحمه الله الشارح: قد بينت رواية البخاري أن المراد به قبيل الفجر، فإن فيها: «ولم يكن بينهما إلا أن يرقى هذا وينزل هذا»، وعند الطحاوي بلفظ: «إلا أن يصعد هذا وينزل هذا». إنما يريد المسألة: أنه متى يؤذن الأذان الأول؟ أولا شك أن هذا صُنع عن النبي عليه الصلاة والسلام أن يؤذن للفجر أذاناً، وهذا قول جمهور العلماء: أن يؤذن للفجر أذانان. وبعض العلماء قال: يجوز أن يكتفى بالأذان الأول، وهو قول أيضاً أكثر العلماء: يجوز أن يكتفى بالأذان الأول دون أن يؤذن للأذان الثاني. وبعضهم قال: لا بد من الأذان الثاني، وهذا هو الأحوط. وهذه المسألة الأخرى: عن كم المسافة التي بينهما؟ فعند جمهور العلماء أن الأذان الأول يؤذن بعد نصف الليل. نصف الليل هو أن يؤذن لأنه خرج وقت العشاء المختار. وذهب جماعة من العلماء، وهو قول بعض الحنابلة، واختاره أيضاً شيخ الإسلام والشوكاني وغيرهم: أن هذا الأذان يكون متقارباً مع الأول، لا يكون بعيداً، يكون متقارباً، لقوله في الحديث: «ولم يكن بينهما إلا أن يرقى هذا وينزل هذا». لكن لا يدل هذا على أنه متقارب جداً، أن يؤذن هذا وبعده يؤذن للثاني، لأنه كما قال في الحديث: «وكان ابن أم مكتوم رجلاً أعمى لا ينادي حتى يقال له: أصبحت، أصبحت». لكن بعض العلماء يقول: أن هذه الزيادة مدرجة من كلام الزهري، من كلام الزهري، فلذا فالصحيح أنه متقارب. لو جعل مثلاً ربع ساعة، ثلث ساعة، هذا متقارب يعتبر. وقد جاء في حديث، في حديث ابن عمر: «إن بلالاً يؤذن بليل ليوقظ نائمكم ويرجع قائمكم». يوقظ نائمكم ويرجع قائمكم. وهذا يدل على أن هناك مسافة، لأنه لو كان مثلاً بعده بشيء أو بدقائق أو كذا، ما سيلحق النائم، وما يكفي أيضاً للقائم أن ينام، أو النائم القائم أن ينام. فلذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يقوم نصف الليل، ويصلي ثلثه، وينام سدسه. فلو قلنا أن الأذان يكون في سدس الليل، سدس الليل كم غالباً يكون؟ ساعتين ونصف، ساعتين. سدس الليل سيكون هذا بعيداً، لكن يكون هناك مسافة بينهما لتجعل القائم يرقد ويستريح قليلاً، والنائم يستيقظ ويصلي. قال: «ليوقظ نائمكم ويرجع قائمكم». فلذا فهو أقرب، هذا القول أنه يكون متقارباً. ومعنى متقارب ليس أنه في نفس الوقت، أو يؤذن ثم يجلس مثلاً دقائق ويؤذن، الأول أنه يكون بينهما فرق يسير، مثل الآن عندنا يجلسون نصف ساعة أو أقل أو أكثر، لا بأس. قال: «وقوله: وكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم». اسمه عمرو، وقيل عبد الله، وكان ابن أم مكتوم رجلاً أعمى لا ينادي حتى يقال له: أصبحت، أصبحت، أي: دخلت في الصباح. متفق عليه، في آخره إدراج، أي: كلام ليس من كلامه صلى الله عليه وسلم، يريد به قوله: «وكان رجلاً أعمى» إلى آخره. ولفظ البخاري: «وكان رجلاً أعمى» بزيادة ألف. قال: وبين شارح بلوغ المرام أنه ابن عمر، وقيل: الزهري، وهو كلام مدرج من كلام أحد الرجلين. جاءت بعض الروايات تبين أنه من كلام الزهري، رواه عن سالم عن أبيه، أو كلام الزهري، والحديث رواه الزهري عن سالم عن أبيه. قالوا: في الحديث شرعية الأذان قبل الفجر. لما شرع له الأذان، تقدم هذه المسألة، فإن الأذان شرع كما سلف للإعلام بدخول الوقت، ولدعوة المصلين لحضور الصلاة. وهذا الأذان الذي قبل الفجر قد أخبر صلى الله عليه وسلم بوجه شرعيته بقوله: «ليوقظ نائمكم ويرجع قائمكم». رواه الجماعة إلا الترمذي. والقائم هو الذي يصلي صلاة الليل، ورجوعه: عوده إلى نومه، أو قعوده عن صلاته إذا سمع الأذان. فليس للإعلام بدخول الوقت، ولا لحضور صلاة، وإنما هو كالتسبيحة الأخيرة التي تفعل في هذه الأعصار. غايته أنه كان بألفاظ الأذان، كالتسبيحة الأخيرة. يعني يقولون عندنا هنا: التراحيم. قال: مثل النداء الذي أحدثه عثمان في يوم الجمعة لصلاتها، فإنه كذا أمر بالنداء لها في المحل الذي يقال له: الزوراء، ليجتمع الناس للصلاة. وهو فعل هذا لأجل اجتماع الناس. والزوراء: هذا مكان قرب السوق. قال: كان ينادي لها بألفاظ الأذان المشروع، ثم جعله الناس بعده تسبيحاً بالآذان والصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا لا يشرع وهو محدث. والمشروع هو الأذان. قال: والقائم هو الذي يصلي صلاة الليل، ورجوعه عوده إلى نومه أو قعوده عن صلاة إذا سمع الأذان. طيب. قال: فذكر الخلاف في المسألة والاستدلال للمانع وللمجيز، لا يلتفت إليه من همه العمل بما ثبت. أنا أقول: أن هذا الخلاف في المسألة، هل يجوز أن يأتي بالتسبيح وغيره وهو لم يصرح؟ أحياناً تجده لا يصرح في بعض المسائل، لعل الله أعلم، لعل أنه مثلاً لا يلوم من كان في عصره، لأن هذا التسبيح عندهم شيء مثل المقرر، خلاص، خاصة الزيدية. لكن الزيدية يأتون بآيات أو يأتون بشيء فيه دعوة للصلاة، لكنه محدث. ولهذا قال هنا: والاستدلال للمانع والمجيز لا يلتفت إليه، من همه هو العمل بما ثبت. هو الذي يكون همه العمل بما ثبت، يؤذن، ما يلتفت إلى تسبيح ولا غير، لأن هذا ليس وقته. قد يكون قال: في قوله: «كلوا واشربوا أيها المريدون للصيام حتى يؤذن ابن أم مكتوم»، ما يدل على وجوب أحد ذلك إلى أذانه، على أن الإنسان إذا أراد أن يصوم يأكل ويشرب حتى يؤذن ابن أم مكتوم، يقف عن الأكل والشرب. قال: في قوله: «إنه كان لا يؤذن، أي ابن أم مكتوم، حتى يقال له: أصبحت، أصبحت»، ما يدل على جواز الأكل والشرب بعد دخول الفجر. وبه قال جماعة، وقال به جماعة منهم الكوفيون، كلا الأعمش وغيره. لكن هذا القول يعتبر من الأقوال الشاذة، ومخالف للآية. قال: وبالنظر من ذلك، قال: معنى قوله: أصبحت، أصبحت: قاربت الصباح. هذا إذا قلنا أنه صحيح، إذا قلنا أنه صحيح، وإلا فقد ذكرنا قبل أن بعض العلماء قال: هو من كلام الزهري، أنه مرسل. واحتمل الحافظ في الفتح ليكون بكلام عبد الله بن عمر. قال: قاربت الصباح، معنى أصبحت، أصبحت: قاربت الصباح، وأنهم يقولون له ذلك عند آخر جزء من أجزاء الليل، وذلك يقع في أول جزء من طلوع الفجر. وفي الحديث دليل على جواز اتخاذ مؤذنين في مسجد واحد. وصحيح قوله: أصبحت، أصبحت، أي: قاربت الصباح، أو جاء وقت الصبح. قالوا: في الحديث دليل على جواز اتخاذ مؤذنين في مسجد واحد، ويؤذن واحد بعد واحد. هذا يؤذن الفجر الأول، وهذا يؤذن الثاني، ما في شيء. أما يؤذنون معاً مثل ما يفعل الزيدية، فهذا لم يثبت. على الزيدية تجد يؤذنون ثلاثة أو أربعة أحياناً، كل واحد ماسك ميكروفون ويؤذنون أذاناً واحداً. قال: قال في الحديث دليل على جواز اتخاذ مؤذنين في مسجد واحد، ويؤذن واحد بعد واحد. وأما أذانان، أذان وأذان معاً، فمنعه قوم، وقالوا: أول من أحدثه عثمان. وقيل: لا يكره إلا أن يحصل بذلك تشويش. أنا كان يفعلون هذا لعلة: أن هذا يؤذن في هذه الجهة يسمع أصحاب هذه الجهة، وذلك يؤذن في تلك الجهة يسمعهم. لكن السنة أذان واحد، وأن المقتضي هذا موجود في عهد النبي عليه الصلاة والسلام. قال: استدل بالحديث على جواز تقليد المؤذن الأعمى والبصير، وعلى جواز تقليد الواحد، وعلى جواز الأكل والشرب مع الشك في طلوع الفجر، إذ الأصل بقاء الليل، وعلى جواز الاعتماد على الصوت في الرواية إذا عرفه وإن لم يشاهد الراوي. ولهذا بعض أهل العلم يروي عن الرجل لم يره، يسمع صوته فقط، مثل أيضاً الرواية عن النساء بسماع صوته. قال: وعلى جواز ذكر الرجل ما فيه من العاهة إذا كان القصد التعريف به ونحوه. قال: الأعمش، الأعرج، كذلك لأجل التعريف. قال: وجواز نسبته لأمه إذا اشتهر بذلك. عندكم وجواز نسبته لأمه إذا اشتهر بذلك. إلا... عندي... إلا... آه... إلا وجواز نسبته إلى أمه إذا اشتهر بذلك. معنا مثل ابن تيمية، وهكذا معنا مشهور إلى جدته. ابن تيمية، ابن علية مشهور معنا، نسبة إلى أمه. ابن الحنفية: محمد بن علي بن طالب. ابن أم عبد أيضاً: عبد الله بن مسعود، قال له: ابن أم عبد، نسبة إلى أمه أم عبد. قال: وعن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أن بلالاً أذن قبل الفجر، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجع فينادي: «ألا إن العبد نام». رواه أبو داود، وضعفه. قال: فإنه قال أبو داود عقب إخراجه: هذا حديث لم يروه عن الزهري إلا حميد بن سلم. وقال المنذري: قال الترمذي: هذا حديث غير محفوظ. وقال علي بن المديني: حديث حميد بن سلم غير محفوظ، وأخطأ فيه حميد بن سلم. وهذا الحديث قد ضعفه أكثر العلماء: علي بن المديني، والبخاري، وأحمد، والترمذي، والدارقطني، وغيرهم. كلهم قالوا: أن حميد بن سلم أخطأ فيه، فالحديث لا يصح. قالوا: قد استدل به من قال لا يشرع أذان قبل الفجر، وهو قول بعض الحنفية، أو قول الحنفية بهذا، قالوا: لا يشرع قبل الفجر. قالوا: قد استدل به من قال لا يشرع أذان قبل الفجر، ولا يخفى أنه لا يقاوم الحديث الذي اتفق عليه الشيخان. ونسبت... ونسبت أنه صحيح، لتؤول على أنه قبل شرعية الأذان الأول. فإنه كان بلال هو المؤذن الأول الذي أمر صلى الله عليه وسلم عبد الله بن زيد أن يلقي عليه ألفاظ الأذان، ثم اتخذ ابن أم مكتوم بعد ذلك مؤذناً مع بلال، فكان بلال يؤذن الأول لما ذكره صلى الله عليه وسلم من فائدة أذانه، ثم إذا طلع الفجر أذن ابن أم مكتوم. وهذا المتعارف عليه. وجاء العكس، وجاء في بعض الرواية العكس: أن ابن أم مكتوم يؤذن، بلال... فالحديث لا يصح، ولا دليل عليه. حتى لو صح، أنه لا دليل عليه أنه لا يؤذن أذان الفجر الأول، فإنما قد يكون أذن قبل وقت الأذان الأول، أذن قبل وقت الأذان الأول. وإلا الأذان الأول ثابت في الصحيحين، عن عدة من الصحابة، كما قد ذكرنا. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا، والله أعلم.