الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 659، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المقطع الأجر العظيم الذي وعد الله به الصابرين المحتسبين عند المصائب، مستشهداً بحديث من صبر على فقدان بصره فله الجنة. يؤكد أن الصبر واجب شرعي والجزع محرم، وأن الصبر الحقيقي يكون عند الصدمة الأولى.
يبين المقطع الفرق بين الصبر الواجب والرضا المستحب والشكر الأعلى درجة، مع جواز الحزن الطبيعي الذي لا ينافي الصبر. يستشهد بفعل النبي صلى الله عليه وسلم عند موت ابنه إبراهيم ونهيه عن النياحة والجزع.
يوضح كيف جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين الرضا بقضاء الله والرحمة بالمصيبة، مبيناً أن البكاء رحمة لا اعتراض. يذكر فضائل الصبر على فقد العينين بأن الله لا يرضى ثواباً دون الجنة، مع قوة الحواس وصفاء القلب.
يشير المقطع إلى أن العمى الحقيقي هو عمى القلوب لا الأبصار، مستشهداً بآيات قرآنية. يذكر نماذج لعلماء الأمة كشيخ الإسلام ابن باز الذين من الله عليهم ببصيرة نافذة رغم فقدان البصر الجسدي.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى: قال الإمام أبو يعلى رحمه الله، وهو أحمد بن علي بن المتنى الموصلي، أبو يعلى الموصلي، وليس هناك أيضا القاضي أبو يعلى، وهو قاضي الحنابلة أحمد بن محمد بن الحسين، الظاهر اسمه، لكن هذا أحمد بن علي بن المتنى الموصلي. قال: حدثنا يعقوب بن مهان، قال: حدثنا هشيم، هشيم بن بشير الواسطي، وكان حافظا كبيرا، يشبه بحفظه بسفيان الثوري لكثرة حفظه، إلا أنه كان كثير التدليس، كان يدلس في روايته، لكنه كما قلنا حافظ كبير، إذا صرح بالتحديث فلا شك في حديثه. قال: حدثنا هشيم، قال: حدثنا أبو بشر، أبو بشر هو جعفر بن أبي وحشية، جعفر بن إياس بن أبي وحشية رحمه الله، وهو كوفي، وهو شامي؟ لا، واسطي، الواسط: هذه منطقة بناها الحجاج بين الكوفة والبصرة فسميت واسطا. قال: حدثنا أبو بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «قال الله عز وجل: إذا أخذت كريمتي عبدي فصبر واحتسب لم أرض له ثوابا دون الجنة». قال: هذا حديث حسن، وهذا الحديث أيضا في الصحيحين. وفيه كرامة الله عز وجل لمن ابتلاه إذا صبر واحتسب، فيه أجر الصابر المحتسب عند الابتلاء. فقال الله عز وجل: إذا أخذت كريمتي عبدي عن عينيه فصبر واحتسب لم أرض له ثوابا دون الجنة. وهذا فضل عظيم يعطيه الله عز وجل مكافأة لمن صبر في هذا الابتلاء. وقد جاءت الآيات والأحاديث متكاثرة في ثواب من صبر واحتسب عند الابتلاء، ومن ذلك قول الله جل وعلا: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾. فقال عمر رضي الله عنه: نعم الرفادة ونعم العلاون، أو كما قال رحمه الله، أو العلاوين. فقال جل وعلا: ﴿ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ﴾، الصلاة من الله عز وجل والرحمة، وكذلك أيضا زاد ربنا جل وعلا: ﴿ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾. فهذا فضل عظيم يعطيه الله عز وجل لمن صبر على البلاء واحتسب، ولو كان هذا البلاء شيئا يسيرا، كما جاء في حديث أبي سعيد وأبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ما من مسلم يصاب بوصب أو نصب أو هم أو حزن حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله عز وجل عنه من خطاياه». وجاء في حديث عائشة رضي الله عنها: «ما من مسلم يصاب بشوكة فما فوقها إلا كفر الله عز وجل ذنوبه كما تحات ورق الشجر»، وغيرها من الأحاديث المتكاثرة التي جاءت في هذا الباب. قد ألف جماعة من أهل العلم في الصبر على المصائب كتبا كثيرة، وهو داخل أيضا في الصبر على قضاء الله عز وجل وقدره، يصبر على ما قدره الله. والصبر عند عامة العلماء عند المصائب يعتبر واجبا، الصبر واجب لأنه إذا لم يصبر فإنه سيجزع، والجزع محرم. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لتلك المرأة التي وجدها عند القبر وهي تبكي، فقال لها: «يا أمة الله اتقي الله واصبري»، فقالت له: إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي، ثم أخبرت أنه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقامت وذهبت إلى بيته فلم تجد بوابين، فقالت: يا رسول الله لم أعرفك، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى، إنما الصبر عند الصدمة الأولى». أخرجه البخاري ومسلم عن أنس. وإنما الصبر عند الصدمة الأولى، أي هذا الذي يُعجر عليه الإنسان، أما أنه يجزع بعد ذلك فيقول: أنا سأصبر، هذا ليس المطلوب، لأن الإنسان مهما جزع فلابد أنه سيأتي عليه وقت سيصبر في ذلك وينسى، فلذا فالصبر الذي أراده الله هو عند الصدمة الأولى، أي عندما يصاب العبد بالمصيبة فيصبر، أما أنه يجزع ويتحسر ويولول كما كان أهل الجاهلية يفعلون. كما جاء في حديث عبدالله بن مسعود في الصحيحين: قال: «برئ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصالقة والشاقة والحالقة». أو في حديث: «برئ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصالقة والشاقة والحالقة». الصالقة: التي تصيح، والشاقة: التي تشق ثوبها، والحالقة: التي تحلق رأسها لأجل المصيبة. فهذا كله من الجزع، وأيضا التي تخدش وجهها وغير ذلك مما يحصل ممن يجزع في هذه المصيبة، مثل ما قالت هذه المرأة: إليك عني لم تصب بمصيبتي. وأيضا من يقول: لماذا أنا الذي حصل لي كذا؟ لماذا أولادي يموتون؟ لماذا كذا؟ فهذا كله من الجزع. ولأن ذلك غالبا يحصل من النساء، فلهذا لما النبي عليه الصلاة والسلام اجتمع بالنساء ذكرهن بهذا الأمر العظيم. النبي عليه الصلاة والسلام لما اجتمع بالنساء ذكرهن، كما جاء في صحيح مسلم، في حديث أبي هريرة في الصحيحين، أن امرأة من النساء قالت: يا رسول الله، غلبنا الرجال على حديثك، غلبنا الرجال على حديثك، أكثره للرجال، قالت: فعلمنا يا رسول الله مما علمك الله. فقال لهن النبي صلى الله عليه وسلم: «اجتمعن في يوم كذا وكذا»، فاجتمعن، فجاء النبي عليه الصلاة والسلام وعلمهن مما علمه الله، ثم قال عليه الصلاة والسلام: «ما منكن من امرأة يموت لها ثلاثة من الولد إلا كانوا لها حجابا من النار»، فقالت امرأة: واثنان يا رسول الله؟ قال: «واثنان». فهذا الحديث ذكره النبي صلى الله عليه وسلم لأن غالب النساء يجزعن، والجزع في النساء أكثر، والنياحة في النساء أكثر، ولهذا حذر النبي صلى الله عليه وسلم من النائحة، إذا لم تتب يقام عليها يوم القيامة سربال من قطران ودرع من جرب، أي في النار حتى تشتعل عليها النار أكثر. فلذا الواجب على المسلم أن يصبر، فالصبر واجب، ويأتي بعده الرضا، وهو انشراح الصدر بعدم الغضاضة وعدم الانزعاج من هذه المصيبة، فيعلم أن كل شيء من عند الله فيرضى بقضاء الله وقدره، وهي منزلة أعظم من الصبر، هي منزلة أعظم وأرفع من الصبر. وهناك أيضا منزلة أخرى أعظم وهي الشكر، وتعتبر الإحسان أو تعتبر من الإحسان في العبادة، وهو أن العبد يشكر الله عز وجل على ما أعطاه من نعم، مهما أخذ منه فقد أبقى له، كما قال عروة بن الزبير لما أخذت رجله: قد أخذ الله عز وجل رجلي وأبقى مثلها، وأبقى لي يدي. ولما مات ولده قال: قد أعطاني الله عز وجل أكثر من ولد، وإن أخذ مني هذا الولد فقد أعطاني أكثر منه. فهذا من باب الشكر لنعمة الله جل وعلا وإن أصابته المصائب. فلابد من الصبر أولا ثم يتبعها الرضا، فالجمع بين الصبر والرضا. وكذلك الحزن في المصائب، معنى يصاب الإنسان مثلا بالحزن، هذا لا ينافي الصبر ولا ينافي الرضا، الحزن لا ينافي الصبر ولا ينافي الرضا. لما مات ابن النبي عليه الصلاة والسلام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في موت ابنه: قال عليه الصلاة والسلام: «العين تدمع، وإنا لا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون». فجمع النبي عليه الصلاة والسلام، كما قال شيخ الإسلام، جمع النبي عليه الصلاة والسلام في هذه المصيبة بين الرضا وبين الحزن والرحمة، بين الرضا والحزن الذي يكون برحمة. ولهذا لما رفع إليه الصبي ونفسه تقعقع، بكى النبي عليه الصلاة والسلام، معناه دمعت عيناه، فقال له عبد الرحمن بن عوف: أنت يا رسول الله؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «إنما هي رحمة، يرحم الله عز وجل بها من يشاء من عباده». وإنما كما جاء في حديث عائشة: «إنما يرحم الله من يرحم، ومن لا يرحم لا يرحم». فهذه رحمة، فجمع النبي صلى الله عليه وسلم بين الرضا والرحمة. قال شيخ الإسلام: وهذا الذي لم يستطيعه كثير من العباد وغيرهم، لم يستطيعوا أن يجمعوا بين الرحمة وبين الرضا، حتى أنه رُئي في جنازة بعض هؤلاء العباد في موت ابنه كان يضحك، يريد أن يظهر الرضا بقضاء الله وقدره، لكنه لم يستطع أن يجمع بينه وبين الرحمة. وهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أكمل، فهو جمع بين الرضا وبين الرحمة التي تكون في القلب. فهذه رحمة يرحم بها ربنا جل وعلا من يشاء من عباده، على رحم هذا الصبي ورحم موته، وليس اعتراضا على قدر الله، بل وليس أيضا عدم الرضا، بل الرضا موجود والاطمئنان موجود، لكن هذه رحمة جعلها الله عز وجل في قلب عباده. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله لا يعذب بحزن القلب ودمع العين، وإنما يعذب بما نيح عليه»، كما جاء في بعض روايات حديث عمر وغيره: «إنما يعذب بما نيح عليه»، أي بما صار هذه النياحة، لا يعذب الله عز وجل بحزن القلب ولا دمع العين. وكما تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع». ولما مات حمزة عم النبي عليه الصلاة والسلام حزن النبي عليه الصلاة والسلام حزنا عظيما، لم يحزن على أحد مثله، وقال أيضا صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ولا أحزن بعده بعدك مثلك»، يعني بعدك ما أحزن على أحد يموت تحزني عليه. فلذا فالواجب هو الصبر، وأيضا هناك مراتب كما قلنا: الرضا والشكر. فقال في هذا الحديث: يقول الله عز وجل: «إذا أخذت كريمتي عبدي فصبر واحتسب لم أرض له ثوابا دون الجنة». وهذا أجر عظيم عند الله عز وجل لمن أخذ الله عز وجل عينين. كما جاء أيضا كذلك، كما قلنا، هذا الحديث في الصحيحين، فقال الله عز وجل: «لم أرض له ثوابا دون الجنة». وهذا يدلك على سعة رحمة الله جل وعلا وفضله، وزد على ذلك أن الله عز وجل يعوضه أشياء أخرى، تجد الأعمى عنده حاسة الشم قوية، وحاسة اللمس قوية، وهذا من فضل الله عز وجل. أيضا الأعمى تجد أنه يحميه الله عز وجل من أشياء كثيرة التي تشغل القلب، لأن النظر يدخل أشياء على القلب، فإذا كان الرجل أعمى فإنه يسد بابا عظيما من الأبواب التي تدخل على القلب. وكما قال الإمام ابن القيم رحمه الله: إن أعظم الأبواب التي تدخل على القلب هو باب العين، باب النظر، باب النظر، كما ذكر ذلك في الجواب الكافي. فمن أعمى الله عز وجل بصره سد عليه هذا الباب، فلذا يكون قلبه ليس مشغولا كثيرا، تجد أن حفظه قويا جدا، يحفظ كتاب الله جل وعلا، ويحفظ أيضا من السنن الكثيرة. ولهذا تجد كثيرا من علماء الأمة ممن هو أعمى، حتى في عصرنا هذا، فمقدم العلماء وشيخ الإسلام هذا العصر، الشيخ ابن باز رحمه الله، كان أعمى، لكن أعطاه الله عز وجل بصيرة عظيمة، ﴿ فَلَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴾. ونسأل الله عز وجل أن يوفقنا للخير، والحمد لله رب العالمين.