الدرس في حديث بدء الوحي فوائد وأحكام 14، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
نزل جبريل عليه السلام على النبي ﷺ في غار حراء وأمره بالقراءة فنزلت أوائل سورة العلق، فأصابه فزع شديد ورجفة حتى طلب من خديجة أن تزمله. ثبته الله تعالى بكلام خديجة رضي الله عنها وورقة بن نوفل، فتوالى الوحي بعد ذلك التثبيت.
بعد أن طمأنه الله وأمره بالتوكل عليه، أصبح النبي ﷺ أشجع الناس فلم يخف من الإسراء والمعراج ولا من أهوال ما رأى. ثبت في حنين حين فرّ المسلمون وتقدم نحو الصوت العظيم ليطمئنهم، وكان خوفه الأولي فقط قبل علمه الضروري بالنبوة أو من ثقل حمل الرسالة.
يسأل المتحدث الله تعالى أن يمنحه فهماً عميقاً في الدين وأن يعلمه ما ينفعه في دينه ودنياه. ثم يختم كلامه بالحمد لله رب العالمين.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، أيها الإخوة الكرام، حفظكم الله تعالى. فقد وقفنا في حديث بدء الوحي عندما جاء الملك جبريل عليه السلام إلى النبي عليه الصلاة والسلام في الغار، فقال له: «اقرأ». قال: «ما أنا بقارئ». فغطّه، قال: «فأخذني فغطّني» أي: ضمه ضمة شديدة، قال: «حتى بلغ مني الجهد» أي: التعب من كثرة الضم. قال: «ثم أرسلني»، فقال: «اقرأ». وكرر ذلك ثلاثاً، ثم قال: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾. فلما قال له هذا الكلام، كأنما خرج من عنده. قالت عائشة رضي الله عنها: فرجع النبي عليه الصلاة والسلام يرجف فؤاده، فَعَادَ، وجاء في رواية: «ترجف بوادره»، حتى جاء إلى خديجة فقال: «زملوني، زملوني». قول هنا في هذا الحديث: «ترجف» أو «يرجف فؤاده»، أي: من الفزع. النبي عليه الصلاة والسلام هاله هذا الأمر، لم يكن يتعود مثل هذا، وما هذا الذي قال له به الملك: «اقرأ باسم ربك الذي خلق»؟ فهذا أمر عظيم، لهذا خاف النبي عليه الصلاة والسلام وفزع. وخوفه هذا لأجل -كما قال بعض العلماء- إما أنه خاف لشدة الموقف العظيم الذي حصل من الملك، حتى أنه لم يتمالك النبي صلى الله عليه وسلم نفسه، فخاف حتى رجفت بوادره. والمراد بالبوادر: ما كان بين المنكب والعنق، هذا المكان يرجف إذا كان الرجف شديداً. فكان النبي صلى الله عليه وسلم يرجف، ترجف بوادره عليه الصلاة والسلام، فخاف خوفاً شديداً. فجاء في بعض الروايات: حتى خاف على نفسه الجنون. لكن المراد أنه خاف مثل ما يخاف الإنسان، كاد أن يجن من خوفه، أو أن هذا الخوف كأنه مرض وتعب من شدة الخوف. أو أن النبي عليه الصلاة والسلام خاف ليس لأجل هذا المنظر الذي رآه، وإنما خاف لأجل هذا الذي أعطاه الملك: ما هذا الذي سيحمله؟ ما هذه النبوة؟ ما هذا الذي سيقرأه باسم ربك الذي خلق؟ فخاف عليه الصلاة والسلام. وهذا الخوف الذي حصل كان قبل أن يأتيه الوحي، إنما بداية الوحي. لكن لما طمأنه الله عز وجل وأمره بالتوكل عليه، كان النبي عليه الصلاة والسلام من أشجع الناس، فلا يخاف عليه الصلاة والسلام من شيء يحصل. لهذا جاءه الملك، وذهب به فأُسري به عليه الصلاة والسلام إلى بيت المقدس، ثم عُرج به إلى السماء، ورأى من الأشياء العظيمة ومن الأهوال، رأى أشياء في الجنة وأشياء في النار، فكل ذلك لم يصبه شيء من الخوف والفزع. وإنما فزع في أول أمره، كما قال بعض العلماء: إنما كان هذا قبل أن يعلم العلم الضروري بما أعطاه الله عز وجل من النبوة. وإلا، كما قال أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: كان النبي عليه الصلاة والسلام أشجع الناس، كان النبي عليه الصلاة والسلام أشجع الناس، سواء كان في حروب أو في غيره. لما رجع الناس في حنين، لما جاءوا في حنين، لصبت لهم هوازن وثقيف، معنى: خدعة. أول ما ظهر المسلمون، رموهم بالنبل، رموا رمية رجل واحد، كلهم يرمون، فتراجع المسلمون، وبلَغ منهم، ومنهم من فرّ، معنى: كأنه رجع من شدة النبل. لكن النبي عليه الصلاة والسلام قَدُمَ إليه بناقته، وما بقي معه إلا اثنا عشر رجلاً، وكان منهم عمه العباس، وابن عمه أبو سفيان بن الحارث، وكان أبو سفيان ماسكاً لناقة النبي صلى الله عليه وسلم يرجعها، والنبي صلى الله عليه وسلم مقدم إليهم، معنى: يقدم إليهم، ويقول: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب» عليه الصلاة والسلام. وقال أنس: كان النبي عليه الصلاة والسلام أشجع الناس. ولقد سمع الناس صوتاً عظيماً، صوتاً صَمَعَ الناس، صوت دفعة كبيرة، لا يدرون من أين هذه الدفعة. فذهب الناس إلى ذلك الصوت، فسبقهم النبي عليه الصلاة والسلام، راجعوا... معنى: قد سبقهم إلى ذلك الصوت، راجعوا من عند ذلك الصوت، وكان يقول: «لم تراعوا، لم تراعوا»، أي: لا تخافوا. لهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام بعد نبوته لم يكن يخاف من شيء عليه الصلاة والسلام. تجمعت الأحزاب، ولم يخف، ولم يصبه شيء من الخوف عليه الصلاة والسلام، بل كان متوكلا على الله جل وعلا. لكن هذا بسبب أنه لم يكن يعلم مثل هذه الأمور، لهذا... أو أنه كما قال بعض العلماء، كالقاضي عياض وغيره: أنه خاف من حمل، أنه لا يستطيع أن يتحمل هذه النبوة. ولهذا جبريل غطّه وضمه ضمة شديدة، قال العلماء: حتى يعلم أن هذا الذي سيأخذه لا بد أن يأخذه بقوة، وأنه سيتعب فيه. لهذا قال الله عز وجل -أو قال النبي عليه الصلاة والسلام أنه رجف فؤاده عليه الصلاة والسلام وفزع- قال بعض العلماء، كما قلنا، القاضي: لعله من أجل هذا الذي سيحمله، شيء عظيم: ﴿ إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ﴾. ثقيل ليس بالهيئة، دعوة عظيمة، قرآن، وأيضاً غير القرآن من الحكمة التي أنزلها الله عز وجل على نبيه. لهذا حصل له عليه الصلاة والسلام شيء من ذلك الخوف الشديد الذي أفزعه. قال: «حتى رجف فؤاده»، أي: قلبه، ورجفت مواضعه عليه الصلاة والسلام، حتى جاء إلى خديجة وقال: «لقد خشيت على نفسي». قال لخديجة رضي الله تعالى عنها: تلك المرأة المؤيدة، والمرأة الواقفة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. سيأتي إن شاء الله تعالى الكلام على وقوفها، وكلامها ذلك الكلام العظيم الذي أخرجته رضي الله تعالى عنها. وقد تقدم أن أخذنا سيرتها، أو شيء من ترجمتها رضي الله عنها ومفضلها. فقال لخديجة: «لقد خشيت على نفسي». معناه: قالوا العلماء: «لقد خشيت على نفسي»، أي: خشي على نفسه النبي صلى الله عليه وسلم أنه يموت، لأن هذا شيء عظيم. ولهذا لما ذُكر في حديث جابر: النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لما كنت في الغار ورجعت إلى أهلي، قال: في الطريق أسمع أحداً يناديني: يا محمد. قال: فالتفت يميناً فلم أرى أحداً، قال: ثم التفت يساراً فلم أرى أحداً، ولا عن أمامي ولا عن شمالي، والصوت يناديني. قال: فنظرت فوقي، فإذا الملك الذي جاءني في حراء، جالس بين السماء والأرض على كرسي». قال: «حتى جثا فأُغشي عليه»، أُغشي عليه، أنا سقط النبي صلى الله عليه وسلم من شدة الهول، من شدة الموقف عليه الصلاة والسلام. فهذا الرجفة التي أخذت من هذا الباب، عندما رأى من هذه الأمور، قال: حتى خشي على نفسي. قيل: أنه الموت، وقيل: دوام المرض، وقيل أيضاً: الجنون، أنه خاف على عقله عليه الصلاة والسلام من هذا الشيء الذي حصل له. لكن الله عز وجل مؤيده وناصره، وأيضاً كذلك مثبته. ثم بعد ذلك توالى الوحي، بعدما ثبته الله عز وجل بكلام خديجة، وبكلام ورقة بن نوفل، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. فنسأل الله عز وجل أن يفقهنا في دينه، ويعلمنا من دينه جل وعلا ما ينفعنا في ديننا ودنيانا. والحمد لله رب العالمين.