التعليق على تقريب التدمرية 100

الدرس في التعليق على تقريب التدمرية 100، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

الفناء الصوفي البدعي ونقده

يتحدث عن القسم الثاني من الفناء، وهو الفناء الصوفي البدعي، ويبين بطلانه ونقاط ضعفه. يشرح المؤلف أن هذا الفناء ناقص ويتضمن عدة وجوه من النقص.

بيان بطلان الفناء الصوفي وعدم صلاحيته

يناقش مفهوم الفناء الصوفي ويبين بطلانه من خلال ثلاثة أوجه، وهي ضعف قلب الفاني وتشبهه بالمجانين وعدم حصوله للرسل والأنبياء. يرى ابن القيم أن هذا الفناء ناقص ويتعارض مع الشرع والعقل.

حقيقة الفناء وكونه من العوارض

يشرح حقيقة الفناء وبيان أنه ليس من لوازم السير إلى الله، وإنما هو من العوارض التي تعرض لبعض السالكين. يبين أن العبد الكامل هو الذي يعبد ربه بحضور وعي وتلذذ.

انتقاد ترتيب درجات السائرين إلى الله

انتقد الشيخ ترتيب أبي إسماعيل الهروي لدرجات السائرين إلى الله، حيث اعتبر ترتيبه مخالفة للشريعة. يبين أهمية اتباع الشريعة في ترتيب درجات السالكين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه، أما بعد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: القسم الثاني صوفي بدعي، وهو الفناء عن شهود السواء، أي عن شهود ما سوى الله تعالى. وذلك أنه بما ورد على قلبه من التعلق بالله عز وجل، وضعفه عن تحمل هذا الوارد ومقاومته، غاب عن قلبه كل ما سوى الله عز وجل، فغني بهذه الغيبوبة عن شهود ما سواه، فغني بالمعبود عن العبادة، وبالمذكور عن الذكر، حتى صار لا يدري أهو في عبادة وذكر أم لا؛ لأنه غائب عن ذلك بالمعبود والمذكور، لقوة سيطرة الوارد على قلبه. وهذا فناء يحصل لبعض أرباب السلوك، وهو فناء ناقص من وجوه. ثم ذكر هذه الوجوه: الوجه الأول أنه دليل على ضعف قلب الثاني. والوجه الثاني أنه يصل بصاحبه لحال تشبه حال المجانين والسكارة. والوجه الثالث أن هذا الفناء لم يقع من المخلصين الكمل من عباد الله، كما سيأتي ذكر ذلك. قال رحمه الله تعالى: القسم الثاني من أقسام الفناء، وهو الفناء الصوفي البدعي، فهذا فناء يزعمه أهل التصوف وأهل البدع، وأنهم يفنون عن شهود السواء، أي يفنون عن شهود ما سوى الله جل وعلا، فلا يشاهدون شيئا ولا يشاهدون مشهودا إلا الرب جل وعلا. وشهود الرب جل وعلا كما قال: أي عن شهود ما سوى الله تعالى، فلا يشاهدون بزعمهم إلا شهود الرب جل وعلا بقلوبهم، ولا يشاهدون شيئا مما حولهم، لا سماء ولا أرض ولا أمر ولا نهي ولا غير ذلك؛ لأنهم فنوا، كما يزعمون، فنوا في الله جل وعلا. قال رحمه الله: وذلك أنه بما ورد على قلبه من التعلق بالله عز وجل -يعني لما تعلق قلبه بالله عز وجل- صار غير متعلق بغيره جل وعلا، وصار لا يشاهد شهودا إلا شهود الرب جل وعلا، أي بقلبه. فغني بهذه الغيبوبة عن شهود ما سواه، أغنيته هذه الغيبوبة التي يزعم أنه وصل إليها، فصار لا يشاهد إلا شهود الرب جل وعلا، ولا يشاهد شهودا آخر. فلذلك كان هذا حاله، فصار غنيا بالمعبود -وهو الله جل وعلا- عن العبادة، وبالمذكور عن الذكر، حتى صار لا يدري أهو في عبادة وذكر أم لا؛ يعني أنه زال عنه ما ذا العقل، زال عنه العقل وزال عنه الشعور، صار لا يدري ما الحال الذي هو عليه، هل هو في طاعة معصية، هل في شيء يرضي الله أم لا يرضيه، لا يشعر بشيء ولا يعقل شيئا. قال رحمه الله تعالى: وهذا فناء ناقص من وجوه. الأول أنه دليل على ضعف قلب الفاني، وأنه لم يستطع الجمع بين شهود المعبود والعبادة والآمر والمأمور به. واعتقد أنه إذا شاهد العبادة والأمر اشتغل به عن المعبود والآمر. قال: بل إذا ذكر العبادة والذكر كان ذلك اشتغالا عن المعبود والمذكور. هذا الوجه الأول مما يدل على ضعف قلب الفاني، وعلى بطلان هذا الفناء، وأنه فناء ناقص وباطل؛ لأنه يدل على ضعف قلب هذا الفاني؛ لأنه لم يستطع الجمع بين شهود المعبود -وهو الله جل وعلا- والعبادة -وهو قد أمر بأن يأتي بالعبادة في حال استحضار لها- وأن يجمع بين شهوده لربه جل وعلا ومراقبته لله سبحانه وتعالى وبين استحضاره لهذه العبادة التي يتقرب بها إلى الله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: الثاني -أي ما يدل على بطلان هذا الفناء الصوفي البدعي- أنه يصل بصاحبه لحال تشبه حال المجانين والسكارة، حتى إنه ليصدر عنه الشطحات القولية والفعلية المخالفة للشرع، ما يعلم هو وغيره غلطه فيها، كقول بعضهم في هذا الحال: «سبحاني سبحاني، أنا الله، ما في الجبة إلا الله، أنصب خيمتي على جهنم»، ونحو ذلك من الهديان والشطح. قال رحمه الله تعالى: الثالث أن هذا الفناء لم يقع من المخلصين الكمل من عباد الله، فلم يحصل للرسل ولا للأنبياء ولا للصديقين والشهداء. فهذا رسول الله صلا الله عليه وآله وسلم، رأى ليلة المعراج من آيات الله اليقينية ما لم يقع لأحد من البشر. وفي هذه الحال كان صلى الله عليه وآله وسلم على غاية من الثبات في قواه الظاهرة والباطنة؛ كما قال الله تعالى عن قواه الظاهرة: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾، وقال عن قواه الباطنة: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ وَمَا رَأَى﴾. وها هم الخلفاء الراشدون -أبو بكر وعمر وعثمان وعلي- رضي الله عنهم، أفضل البشر بعد الأنبياء، وسادات الأولياء، لم يقع لهم مثل هذا الفناء. وها هم سائر الصحابة، مع علو مقامهم وكمال أحوالهم، لم يقع لهم مثل هذا الفناء. وإنما حدث هذا في عصر التابعين، فوقع من بعض العباد والنساك ما وقع؛ فكان منهم من يصرخ، ومنهم من يصعق، ومنهم من يموت. وعرف هذا كثيرا في بعض مشايخ الصوفية. ومن جعل هذا نهاية السالكين فقد ظل ضلالا مبينا. ومن جعلهم من لوازم السير إلى الله فقد أخطأ. وحقيقة أنه من العوارض التي تعرض لبعض السالكين؛ لقوة الوارد على قلوبهم، وضعفها عن مقاومته، وعن الجمع بين شهود العبادة والمعبود، ونحو ذلك. قال رحمه الله تعالى: وحق أن ابن القيم رحمه الله تعالى، لما ساق هذا الوجه الثالث، ساق كلاما لابن القيم رحمه الله تعالى، وهو أنه تأمل في حال عبدين، يقومان بخدمة سيدهما. أحدهما يقوم بخدمة سيده وهو على استحضار كامل لما يقوم به من العطاء والآخذ، وكل الأعمال يشهد سيده، ويقوم بالعمل على أحسن ما يكون، مع استحضاره لسيده، ويقوم بما أمره سيده. وعبد آخر يقوم بخدمة سيده، لكن من غير استشعار لما يقوم به، يقوم بأشياء لسيده، ويخدم سيده، لكن من غير تلذذ بما يقوم به، من غير استحضار لما يقوم به لسيده، من هذه الأعمال العظيمة. وهو أيضا يقوم بأعمال ليست على مراد سيده، وإنما على مراده هو. قال: فأي العبدين أكمل؟ لا شك أن العبد الذي يقوم بخدمة سيده، وهو مستحضر لهذا القيام، ولما يقوم به من خدمات جليلة وأشياء لسيده، مع استحضاره لسيده ومحبته لسيده، وغير ذلك. أما الآخر يعمل أعمالا -يعني يعملها- وهو في غير استحضار لها. قال: فهل يليق بالعبد أن يعبد ربه جل وعلا بهذا الحال الذي هو حال معه فقدان الوعي، هذا الحال الذي معه فقدان الشعور؟ أين الاستحضار بما تقوم به من عبادة؟ وأين الشعور لما تقوم به من عبادة لله جل وعلا؟ ولما تقدمه من طاعات، سواء كانت صلوات أو عبادات أخرى؟ قال المؤلف رحمه الله تعالى: وهذا الفناء لم يقع من المخلصين الكمل من عباد الله، وإنما وقع من بعض أهل البدع والتصوف، الذين يترنمون ويدوخون ويدورون، ثم يقولون الكلام الذي هو ربما كفر بالله جل وعلا، فقدوا شعورهم. وللأسف أنهم جعلوا هذا نهاية السالكين، وليس كذلك، بل هذا طريق من طرق الشياطين. قال: ودخل أبو إسماعيل الهروي رحمه الله تعالى في كتابه -وهو منازل السائرين الذي شرحه العلامة ابن القيم رحمه الله، وسماه مدارج السالكين- جعل هذه الدرجة هي الثالثة من درجات السائرين إلى الله جل وعلا، وهي ليست كذلك، بل هي درجة لم تدل عليها الشريعة، وهو سلوك باطل، سلوك مخالف لكتاب الله ولسنة رسوله عليه الصلاة والسلام. قال: وصلى الله وسلم وبارك على عبد محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.