الدرس في كتاب الوصايا 7، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح هذا المحور تعريف الموصى به ويبين أن الوصية تصح بما يعجز عن تسليمه كآبق وطير في الهواء لكونها تبرعاً يُغتفر فيه ما لا يُغتفر في المعاوضات. كما تصح الوصية بالمعدوم كحمل الحيوان وثمرة الشجر أبداً أو مدة معلومة، وتصح أيضاً للمجهول والمبهم ويُعمل فيها بالقرعة.
يبين هذا المحور أن الوصية تبطل إذا كان الموصى به معدوماً أو هالكاً، بينما تصح الوصية بكلب الصيد أو الزرع أو الماشية وبزيت متنجس فيكون للموصى له ثلثه عند عدم إجازة الورثة. كما تصح الوصية بالمجهول كعبد أو شاة فيُعطى ما يقع عليه الاسم العرفي.
يبيّن هذا المحور أن ألفاظ الوصية تُحمل على العرف لا اللغة، وأن المال المستحدث بعد الوصية حتى الدية يدخل في الثلث الموصى به. كما يستعرض مبطلات الوصية كتلف المعين، رجوع الموصي، عدم قبول الموصى له، قتله للموصي، أو موته قبله.
تَبطل الوصية إذا مات الموصى له قبل موت الموصي لأن الوصية تُعد تبرعاً ينفذ بعد الموت، واشتراط حياة الموصى له وقت وفاة الموصي شرط لصحتها. ويُكتفى بهذا القدر في بيان هذا الحكم.
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: "باب الموصى به". الموصى به: معنى الشيء الذي وقعت الوصية عليه. الموصى به: معنى الشيء الذي وقعت الوصية عليه، كدار أو مزرعة أو حيوان أو نحو ذلك. قال: "تصح بما يعجز عن تسليمه كآبق وطير في هواء". يقول: الوصية تصح ولو بما يعجز عن تسليمه. لماذا؟ لأنها تبرع، والوصية تعتبر تبرعًا، بخلاف البيع؛ فالبيع عوض، فلذلك لا يجوز البيع أن يبيع ما يعجز عن تسليمه، لكن الوصية تجوز. فلو قال: "أوصيت لك بجملي الشارد"، فالوصية تكون صحيحة؛ لأنها من باب التبرعات، والقاعدة الفقهية تقول: يُغتَفر في باب التبرعات ما لا يُغتَفر في باب المعاوضات. يُغتَفر في باب التبرعات ما لا يُغتَفر في باب المعاوضات. قالوا: "وبالمعدوم، كَبِمَا يحمل حيوانه وكبِمَا...". وبالمعدوم كَبِمَا يحمل حيوانه وشجرته أبدًا أو مدة معلومة. أنا حتى بالمعدوم الوصية صحيحة، مثل الحمل: إذا أوصى بأن حملَ ناقةِ فلانية يكون لفلان، فهذا وصية صحيحة. أو يقول: "ثمرة شجرتي هذه السنة لفلان" يوصي له، فهذا أيضًا وصية صحيحة. فالوصية بالمعدوم صحيحة، وسواء كان هذه الوصية على أساس أنه أبدًا كلما حملت هذه الدابة أو هذه الراحلة أو هذه الناقة يكون لفلان، كلما حملت يكون لفلان، أو مدة معلومة، ففي كله جائز. ويدخل في ذلك أيضًا المجهول والمبهم، أن تصح أيضًا الوصية للمجهول والمبهم. فمثلًا يقال: "أوصيتُ أعطوا فلانًا بعد موتي"، أو "أعطوا أحد أولاد ابني... أولاد ابني أعطوه كذا وكذا، أعطوه أحد أولاد ابني كذا وكذا". هذا الآن مجهول، فهنا يعطي معنى: يُقرع بينهم، وما حصل بالقرعة يُعْطى. أو قال: "أعطوه محمدًا"، ولم يذكر محمد من؟ هل هو محمد ابن أخيه أو محمد كذا؟ فإذا كان هناك عدة محمد في العائلة، يجمعون ويُقرع بينهم. قال: "فإن لم يحصل منه شيء بطلت الوصية". فإذا حصل هذا أُعْطِي، وإلا بطلت الوصية. مثال: إذا كان البعير هذا الشارد لم يأتِ، بل وجدوه مثلًا ميتًا، أو كذلك المجهول، أو أقصد المعدوم أيضًا، مثلًا هذه ما حملت، وهكذا، فالوصية تعتبر... أو تُبطل الوصية. قال: "وتصح بكلب صيد ونحوه، وبزيت متنجس، وله ثلثهما، ولو كثر المال". أن الوصية بكلب الصيد صحيحة، كذلك كلب الزرع والماشية. وكذلك أيضًا الوصية بالزيت المتنجس صحيحة، ويكون للموصى له ثلثه فقط. يكون الموصى له ثلثه، أي من الثلث. فإذا كان أوصى فِيمَا بالكلب المعلم لفلان، فَالْوَرَثَة يشاركونه؛ لأن الورثة يكون لهم الثلثان في الكلب، وثلث لهذا الشخص. وهناك قول عند أحمد، وهو اختيار الشيخ عبد الرحمن بن السعدي، أنه ليس للورثة منه شيء، بل الكلب كله للموصى له. وكذلك زيت المتنجس، وذلك لأنه لا قيمة له. فإذا كان يملك الثلث من المال إذا أوصى له به، فأولى من ذلك... فأولى من ذلك أن يملك مثل هذا الذي لا قيمة له. وقوله: "ولو كثر المال"، أي: فله ثلثهما ولو كثر المال. لكن القول الثاني: أن ذلك له، أي هذا الكلب يُعْطى له، ولا يجعل من الثلث؛ لأنه لا قيمة له. ولعل هذا أصح؛ لأن الكلب ولو كان معلمًا أو للصيد أو غيره فهو يعتبر لا قيمة له، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا جاءك صاحب الكلب يطلب ثمنه فاملأ كفه ترابًا". قال: "إن لم تجز الورثة، فإذا جازت الورثة فإنه يملك الكلب كله، والزيت المتنجس كله". فإذا لم تجز الورثة هذا، فله ثلثهما. قال: "وتصح بمجهول كعبد وشاة". هذا معنى: يُعْطَى ما يقع عليه الاسم العرفي. أن الاسم العرفي بين الناس، فإذا أوصى مثلًا له بعبد مجهول أو شاة مجهولة أو نحو ذلك، فإنه يُعْطَى ما يقع عليه الاسم العرفي. معنى هذا: مثلًا ما يقع عليه اسم العبد عرفًا فإنه يُعْطَاه. ومعنى هذا: قال "أحد عبيدي"، يُعْطَوْه أحد عبيدي. قلنا: إنه يُقرع بينهم. وهنا قال أيضًا: "فإنه يُعْطَى ما يقع عليه الاسم العرفي". وهناك قول آخر: بل يرجع بذلك إلى اللغة؛ لأن كلام الله وكلام رسوله مرده إلى اللغة، وكذلك لفظ الموصي. وهذا ليس بصحيح، بل ألفاظ الناس غالبًا ترجع إلى عرفهم، إلى عرفهم. فإذا أوصى بشيء، فيأخذ على العرف ما يسمى في العرف هكذا. إذا ذكر شيء مثلًا معروف عندهم في العرف، فالعبرة بالعرف، كما قلنا؛ لأن ألفاظ الناس غالبًا على ما يتعارفون عليه، لا باللغة. قال: "وإذا أوصى بثلثه فاستحدث مالًا، ولو دِيَةً، دخل في الوصية". استحدث مالًا: أي جاءه مال. لو قال: "ثلث مالي لزيد"، فاستحدث مالًا، أي حدث في ملكه مال جديد، ولو بعد موته. كان يضع مثلًا شبكة في بحر فتصيد بعد موته، أو يتحصل على مال ورث. قال: "مالًا، ولو دِيَةً". مالًا ولو دِيَةً. وتقدم معنى أنه "ولو" يطلقها الحنابلة على أنه قول صحيح، وأن الخلاف فيه لا ضعيف؛ لأن الدِيَة بدل النفس، فلها صارت ملكًا له. على إذا ترك مثلًا مئة ألف، وكانت دِيَتُه مئة ألف، سيكون كم؟ مئتي ألف. فهنا إذن السبعون ألفًا تكون الثلث... تكون الثلث سبعين ألفًا. قال: "من أوصي له بمعين فتلف بطلت". إذا أوصي له بمعين كدابة مثلًا، فماتت هذه الدابة، فيكون الوصية باطلة. لا يقال مثلًا: يُعَوَّض بدابة أخرى. وهذا من مبطلات الوصية: إذا ماتت، إذا فسد الشيء هذا الذي أوصى بها، أو مات، بطلت الوصية. تقدم أيضًا أن من مبطلاتها: رجوع الموصي عن الوصية، وعدم قبول الموصى له. وتبطل أيضًا بقتل الموصي له للموصي. أنا مثلًا: إذا قتل الموصى له الموصي، يبطل أيضًا الوصية. وتبطل كذلك بموت الموصى له قبل موت الموصي. موت الموصى له قبل موت الموصي أيضًا تبطل هذه الوصية؛ لأنها تبرع بعد الموت. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا.