التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 76

التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 76

الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 76، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

تفسير الأوثان والعبادة في كتاب التوحيد

يشرح المقطع أن الأوثان تشمل كل ما عُبد من دون الله كالأصنام والقبور والحجارة، وأن العبادة هي التذلل والخضوع للمعبود خوفاً ورجاءً ومحبةً وتعظيماً. من صرف هذه المعاني لغير الله فقد أشرك، مستدلاً بحديث النبي ﷺ: «اللهم لا تجعل قبري وثناً».

تحذير النبي ﷺ من اتخاذ قبره وثنًا وبيان شرك عبادة الصالحين

يوضح المقطع أن دعاء غير الله والتذلل له هو عين العبادة، وأن النبي ﷺ استعاذ من اتخاذ قبره وثنًا يعبد محذرًا أمته من اقتفاء أثر اليهود والنصارى. كما يقارن بين عبادة اللات - التي كانت لرجل صالح خدم الحجاج - وعبادة القبور اليوم، مبينًا أن الشرك يشمل كل تذلل وخضوع لغير الله.

أسباب تسمية اللات ولعن زوارات القبور ومن أسرجها

يشرح المقطع سبب تسمية اللات نسبة إلى رجل كان يَلُت السويق للحجاج، ويبين حكم لعنة زوارات القبور ومن أسرجها مع تفصيل في الغلو في القبور. كما يناقش إشكال زيارة المرأة للروضة الشريفة وقربها من القبر النبوي موضحاً رأي الشيخ ابن عثيمين بجواز السلام على القبر تبعاً لقصد المسجد لا استقلالاً.

حكم زيارة المرأة لقبر النبي صلى الله عليه وسلم تفصيلاً

وفقاً للقول بالجواز، يجوز للمرأة أن تزور قبر النبي صلى الله عليه وسلم وتسلم عليه حتى لو لم تدخل الروضة، ولا حرج عليها في ذلك. هذا الحكم يستند إلى قصد المسجد والسلام المشروع دون تخصيص الزيارة للقبر استقلالاً.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد: يقول الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "كتاب التوحيد"، في آخر باب "ما جاء في أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانًا من دون الله"، وفي ذكره للمسائل: قال: "المسألة الأولى: تفسير الأوثان". يقول الشيخ ابن عثيمين: "والأوثان ما عبد من دون الله، سواء كان صنمًا أو قبرًا أو غيره". وهذا كما تقدم فيه ردٌ على عباد القبور الذين يحصرون الأوثان في الأصنام، فيقولون: "ما جاء في القرآن في التحذير من الشرك إنما هو في حق من يعبد الأصنام، أما من يتقرب إلى الصالحين فهذا ليس من الشرك". فهذا الحديث يرد عليهم، حديث الذي رواه الإمام مالك: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا». لأن الوثن هو كل ما عبد من دون الله، سواء كانت له صورة أو ليست له صورة، فيدخل في ذلك القبر والصنم والحجر والمدر وغير ذلك. فقوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾، الموحد يذهب فكره وتدبره إلى أي وثن، سواء كان صنمًا أو قبرًا أو حجرًا أو مدرًا أو شجرًا أو نحو ذلك. فقوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾، كل ما يسمى وثنًا. لكن انظر إلى عباد القبور: لما يقرأ هذه الآية يذهب باله فقط إلى الصنم، أما إلى القبور ونحوها فلا يعتبرون ذلك عبادة من دون الله. انظروا كيف لما انحرفت العقائد انحرفت الأفكار وطريقة الاستدلال والتدبر لكتاب الله سبحانه وتعالى. فهذا الحديث صريح في أن كل ما عبد من دون الله فهو وثن، فهو وثن؛ لأن الحكمة والعبرة من عبادة غير الله هو التوجه والتعلق والخضوع والخوف والإنابة، وهذا حاصل في من عبد صنمًا، وفي من عبد قبرًا، وفي من عبد حجرًا، وفي من عبد شجرًا. هل يختلف إنسان عنده صنم يقول له: "أيها الصنم أغثني أمددني"، أو يذهب إلى قبر ويتوجه إليه ويقول له: "يا فلان صاحب القبر أمددني أغثني اشفني ارزقني"؟ هل هناك فرق؟ لا يوجد فرق، لا يوجد فرق. فهذا هو معنى قوله: "تفسير الأوثان". وهذا من بديع استدلالات شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى. قال: "المسألة الثانية: تفسير العبادة، وهي التذلل والخضوع". وهذا في حق كل من يتذلل له، فالعبادة كما أنها تكون لله بالتذلل والخضوع للمعبود خوفًا ورجاء ومحبة وتعظيمًا ورغبة ورهبة، فهذه المعاني إذا صرفت لغير الله فهي عبادة. أنت الآن تعبد الله فتقول: "يا رب ارزقني"، وأنت غاية في التذلل والخضوع والخوف والرجاء والمحبة والتعظيم لله عز وجل. وهؤلاء الذين يدعون غير الله، ما الذي صرفهم عن دعاء الله عز وجل إلى دعاء غير الله؟ إنما هو التذلل والخضوع والمحبة والرجاء والتعظيم. فإذا العبادة هذا هو معناها، فمن صرفها لله فقد عبد الله، ومن صرفها لغير الله فقد عبد غير الله، فقد عبد غير الله. لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا». كيف يجعل قبره وثنًا؟ بعبادته والتذلل له والخوف والرجاء والمحبة والتعظيم. فهذا أيضًا الباب فيه معنى تفسير العبادة، ومن عبد غير الله هذه المعاني منطبق عليه تمامًا، وقد رأينا ذلك منهم: كيف تفسر إنسانًا يأتي أمام قبر فتجد عليه من الخشوع ومن التذلل ومن البكاء؟ لو هذا المقام كان بينه وبين الله لكان مقامًا عظيمًا، لما ترى عليه من الذل والخضوع والرجاء والبكاء. هذه العبادة، هذه العبادة. فمن دعا غير الله فقد تذلل لهذا المدعو وخضع له وخضع له، فهذا هو معنى تفسير العبادة. قال: "الثالثة: أنه صلى الله عليه وسلم لم يستعذ إلا مما يخاف وقوعه"، أي أنه خاف عليه الصلاة والسلام من أن يتخذ قبره وثنًا، فلذلك دعا الله أن لا يجعل قبره وثنًا يعبد من دون الله، وهذا مما خافه النبي صلى الله عليه وسلم على أمته، ولذلك دعا الله عز وجل أن لا يجعل قبره كذلك. قال: "الرابعة: قرنه بهذا اتخاذ قبور الأنبياء مساجد". فقرن دعاءه بأن لا يجعل قبره وثنًا باتخاذ القبور مساجد، فقال: «اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». فهذا يدل كذلك على عظم ما يفعل عند قبره من دعائه وعبادته من دون الله عز وجل، لأنه من الأنبياء بل من أفضل الأنبياء، فهو يحذر هذه الأمة مما وقعت فيه الأمم السابقة تجاه قبور أنبيائهم. فالأمم السابقة من اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وكما جاء بحديث عائشة الذي تقدم معنا في غير هذا الباب: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل به، أي في سكرات الموت، كان يقول: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». يحذر ما صنعوا، يعني يحذر هذه الأمة أن تحذو حذو اليهود والنصارى فيتخذون قبره مسجدًا، يتخذون قبره مسجدًا، يدعون الله ويتضرعون إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ويعبدونه عليه الصلاة والسلام. قال: "الخامسة: ذكر شدة الغضب من الله"، وهذا دليل على جرم هذا الذنب وأنه من الذنوب العظيمة، فغضب الله يشتد على من يتخذ قبور الأنبياء أو الصالحين مساجد. قال: "السادسة: وهي من أهمها، معرفة صفة عبادة اللات التي هي من أكبر الأوثان". وقوله "من أهمها" ليبين لعباد القبور أنهم يسلكون مسلك من اتخذ اللات إلهًا من دون الله، والله عز وجل حذر أولئك من عبادة اللات. وما هي أصل عبادة اللات؟ أنه رجل صالح، كما يقولون الآن: "هؤلاء رجال صالحون، هؤلاء رجال صالحون"، منهم من كان ينفق على الفقراء، ومنهم من كان يتفرغ لعبادة الله، ومنهم من كان ينفع الأمة، يذكرون لهم مناقب. وأهل الجاهلية لماذا اتخذوا اللات إلهًا؟ ذكروا له مناقب وأنه كان رجلًا صالحًا، وكان يلت السويق للحجاج، أي أنه كان ينفع الحجاج وينفع الناس ويطعم الناس، فلصلاحه جعلوا له هذه المنزلة وهذه المكانة، ألا وهي عبادته من دون الله. فإذا ما هو الفرق بين ما صنع أصحاب اللات وما صنع عباد القبور؟ أي فرق؟ ما في فرق. أولئك اتخذوا رجلًا صالحًا إلهًا من دون الله، وهؤلاء اتخذوا رجالًا صالحين من دون الله. فلذلك هنا قال: "وهي من أهمها". فليس الشرك محصورًا في الأصنام، بل ينطبق على كل ما في معنى العبادة من التذلل والخضوع والخوف والرجاء والمحبة والتعظيم ونحو ذلك، كما تقدم معنا. قال: "السابعة: معرفة أنه قبر رجل صالح"، وهذا مر معنا. قال: "الثامنة: أنه اسم صاحب القبر، وذكر معنى التسمية"، يعني لماذا سُميت اللات نسبة إلى هذا الرجل؟ لأنه كان يلت السويق، يعني يصنع ويخلط الشعير بالتمر أو بالعسل أو نحو ذلك ويطعمه للحجاج، يطعمه للحجاج، فكان سبب هذه التسمية الوصف الذي كان عليه هذا الرجل: لَت السويق، لَت السويق. قال: "التاسعة: لعنة زوارات القبور". هنا الصواب "زوارات"، لأنه تقدم معنا أن لفظة "زائرات" ضعيفة في الحديث، وإنما الثابت هو بصيغة المبالغة "زوارات"، وتقدم معنا خلاف أهل العلم في هذه المسألة، والصحيح أن زيارة النساء للقبور جائزة لكن من غير إكثار. قال: "العاشرة: لعنة من أسرجها". وعرفنا لفظة "السرج" ثابتة، صححها وحسنها العلامة الألباني. والمراد بإسراج السرج من المبالغة والتعظيم في هؤلاء المقبورين، فيميزون بهذا الفعل الذي يدخل التعظيم في قلوب الأتباع أو في قلوب عامة الناس أو نحو ذلك. أما إذا كانت السرج لمصلحة، كإنارة الطريق للمارة أو إنارة المكان لمن أراد أن يقبر ميتًا في وقت الظلام أو نحو ذلك. قال الشيخ ابن عثيمين: "مسألة مهمة: أولًا أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانًا كما في قبر اللات، وهذا مشاهد، ما غلا أحد في قبر إلا وآل أمره إلى عبادة هذا القبر، إلى عبادة هذا القبر، وهو كما بوب المؤلف رحمه الله". قال: "مسألة المرأة إذا ذهبت للروضة في المسجد النبوي لتصلي فيها، فالقبر قريب منها، فتقف وتسلم ولا مانع فيه، والأحسن البعد عن الزحام ومخالطة الرجال، لئلا يظن من يشاهدها أن المرأة يجوز لها قصد الزيارة، لأن مذهب الشيخ ابن عثيمين المنع من زيارة النساء للقبور كما مر معنا". فيرد هنا إشكال على هذا القول، على قول من قال: إن زيارة النساء للقبور لا تجوز، فكيف بالمرأة إذا ذهبت إلى الروضة المشرفة؟ تعلمون فضل تلك الروضة، ما بين قبري ومنبري، روضة من رياض الجنة، ففي طرف الروضة يوجد قبر النبي عليه الصلاة والسلام، فكيف تفعل المرأة وقد دخلت الروضة والقبر عندها؟ فهل تعد هذه الزيارة على القول من قال لا تجوز؟ فيقول الشيخ ابن عثيمين: لها أن تسلم على القبر لأنها ما قصدت أصل زيارة القبر، وإنما قصدت المكوث في هذه البقعة الطيبة المباركة وهي الروضة، فمسألة السلام على القبر إنما تثبت تبعًا لا استقلالًا، والقاعدة المعروفة عند أهل العلم: يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا، ما لا يثبت استقلالًا. مثل ما نقول الآن للرجل الذي يريد أن يذهب إلى المدينة: يقول له: "لا تقل: أنا سأذهب لزيارة قبر الرسول عليه الصلاة والسلام"، قالوا: هذا خطأ؛ لأنه لا يجوز شد الرحال إلى ماذا؟ إلى القبور، إلى القبور. لكن يجوز شد الرحال إلى الثلاثة المساجد، فأنت تقول: "أنا سأذهب إلى المدينة لزيارة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم". طيب، هل يجوز لك أن تزور القبر؟ نعم، يجوز لك أن تزور القبر تبعًا لزيارة المسجد، تبعًا لزيارة المسجد. وهكذا يقال للمرأة، طبعًا هذا على مذهب من لم يجوز زيارة النساء للقبور، فيقال على هذا المذهب للمرأة: "لك أن تسلمي على قبر النبي صلى الله عليه وسلم لأنك ما قصدتي زيارة القبر، إنما قصدتي زيارة المسجد وهذه البقعة على وجه الخصوص". هذا على قول الشيخ، وإلا فعلى القول بالجواز من غير إكثار فلا حرج عليها في ذلك، ولها أن تسلم وكذلك تزور قبر النبي صلى الله عليه وسلم، ولو يعني من غير أن تدخل الروضة، ولو لم تدخل الروضة، إن استطاعت أن تسلم على قبر النبي صلى الله عليه وسلم من إحدى الجهات فلها ذلك على القول بالجواز. إلى هنا، والله تعالى أعلم.