الدرس في شرح كتاب تجريد التوحيد المفيد 30، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبيّن أن أصل ضلال الطوائف يعود إلى ظنهم بالله ظن السوء وعدم تقديره حق قدره، مستدلاً بكلام المقريزي وآيات قرآنية. ويوضح أن الاعتقاد بأن الله يحتاج إلى واسطة لسماع الدعاء أو يشغله شيء عن سماع دعاء العباد يعد من أعظم أسباب الشرك والضلال.
يوضح أن اعتقاد حاجة الله إلى واسطة لسماع الدعاء أدى إلى الشرك بدعاء القبور والاستغاثة بالأموات، مستدلاً بقرب الله من عباده. كما يبين أن ظنون الجهمية والمعتزلة في الجبر أو نفي خلق الله لأفعال العباد ناشئة عن سوء ظن بالله وجهل بحقيقة القدر، فالله خلق الأفعال ومكن العبد من المشيئة والاختيار.
يبيّن أن الله خلق للعبد مشيئة تابعة لمشيئته سبحانه، مستدلاً بقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾. ويردّ على الجبرية الذين يجعلون العبد مجبوراً ثم يعاقب، وعلى المعتزلة الذين يجعلون العبد خالق فعله، مؤكداً أن كلا القولين ناشئ عن عدم تقدير الله حق قدره ومخالفة منهج السلف.
أوضح المقطع أن السلف كفّروا من يزعم أن الله لا يعلم الشيء إلا بعد وقوعه، لأن ذلك يناقض آية ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٍ﴾. وسيتم استكمال الدرس في وقت لاحق.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال الحافظ المقريزي رحمه الله في "تجريد التوحيد المفيد": قال رحمه الله: "واعلم أنك إذا تأملت جميع طوائف الضلال والبدع وجدت أصل ضلالهم راجعًا إلى شيئين: أحدهما ظنهم بالله ظن السوء، والثاني لم يقدروا الرب حق قدره. فلم يقدروا حق قدره من ظن أنه لم يرسل رسولًا ولا أنزل كتابًا، بل ترك الخلق سدى وخلقهم عبثًا. ولا قدره حق قدره من نفى عموم قدرته وتعلقها بأفعال عباده من طاعتهم ومعاصيهم، وأخرجها عن خلقه وقدرته. ولا قدر الله حق قدره أضداد هؤلاء الذين قالوا إنه يعاقب عبده على ما لم يفعله، وهم المعتزلة، بل يعاقب على فعله هو سبحانه. وإذا استحال في العقول أن يجبر السيد عبده على فعل ثم يعاقب عليه، فكيف يصدر هذا من أعدل العادلين؟" فذكر رحمه الله تعالى أن من أعظم ما من الأصول التي ضل بها كثير من الطوائف هي: أولاً أنهم ظنوا بالله ظن السوء. ظنوا بالله ظن السوء. قد تقدم الكلام على هذه الخصلة، وأن هذا الذي يشرك بالله جل وعلا هو ظن بالله ظن السوء. أولاً: ظن أن الله عز وجل يحتاج إلى الاطلاع على ضرورات العبادة. معنى من هم المحتاج ومن هو غير المحتاج. وهذا لأن هؤلاء قالوا: نحتاج إلى واسطة، نحتاج إلى واسطة، حتى كأنه ظنوا أنها تعرف رب العالمين بحاجة العبد، وهذا ظن سوء. وأيضًا كذلك من ظن أن الله عز وجل هناك ما يشغله عن سماع شكوى عبده وعن دعائه، فلذا لا يلتفت إليه إلا بواسطة تتوسط إليه جل وعلا، فهذا أيضًا من ظن السوء. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ﴾. وأيضًا الخليل إبراهيم قال لقومه: ﴿أَفَكَانَ آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ * فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. أن هذا ظنكم الذي أدى بكم إلى هذا الشرك، أنكم اعتقدتم أن الله عز وجل لا يسمع دعاءكم، لا يسمع ولا يعرف حاجتكم، وإنما يحتاج إلى واسطة حتى يعرف بذلك. وهذا الذي يفعله أيضًا الذين تعلقوا بالقبور وأشركوا بها، فإنهم يقولون: نحن أهل الذنوب وهل كذا، نحتاج إلى واسطة بيننا وبين الله، فيدعونهم من دون الله ويستغيثون بهم ويعبدونهم، ويقربون إليهم بالقرابين والذبائح، كل ذلك يقولون: حتى يشفعوا لنا عند الله. وهذا كله من سوء الظن بالله جل وعلا، وظن السوء بالله سبحانه وتعالى. وإلا فربنا جل وعلا قال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾، ما يحتاج إلى واسطة أن تكون بينه وبين خلقه جل وعلا حتى يعبد هؤلاء. وهذه حجة المشركين في القديم، كما ذكرها الله عز وجل عنهم في سورة الزمر: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾. فهذا الذي أوقع هؤلاء، أيضًا كذلك أوقع هؤلاء في الظن، أو بعض أهل البدع أنهم ظنوا بالله عز وجل أنه يجبر عباده ثم بعد ذلك يعذبهم. وهذا الذي يقول به الجهمية، وقال به أيضًا المعتزلة، على أساس أن هذا الذي أخرجهم... أو قال: بأن الله عز وجل لا يخلق فعل العبد، وإنما العبد يخلق فعل نفسه، فرارًا من أن يقال: إن الله عز وجل يخلق فعل العبد ثم يعذبه على فعله. وهؤلاء أولاً: أنهم ظنوا ظن السوء بالله جل وعلا. وأيضًا لم يفقهوا هذه المسألة. فخلق الله عز وجل لفعل العبد كما قال جل وعلا: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾، ليس معناه أنه مجبور عليه. بل ربنا سبحانه وتعالى جعل للعبد مشيئة واستطاعة قبل الفعل، مشيئة يشاء بها الفعل ويفعل الفعل حقيقة، فهو الذي يختار أن يذهب إلى المسجد، يختار أن يذهب إلى المعصية، يختار كذا. فالله عز وجل جعل له مشيئة، لكن لا يكون شيء في الكون إلا بمشيئة الله جل وعلا، كما قال جل وعلا: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. فلذا يقول هنا، وهذا كلام الإمام ابن القيم رحمه الله: "وإذا استحال في العقول أن يجبر السيد عبده على فعل ثم يعاقب عليه، فكيف يصدر هذا من عدل العادلين؟" معنى الذي يقول معنا الآن: مستحيل أن يكون إنسان سيدًا، مثلًا سيد عبد، يأمره بشيء ثم يعاقب عليه، هذا ليس من عدل. فكيف يقال في رب العالمين مثل هذا الكلام: أنه أجبر الخلق على فعل ثم عاقبهم عليه؟ ونجبرهم على المعاصي، هم مجبورون على المعاصي، كما يقول الجهمية، وكما أيضًا يقوله المعتزلة على أنه حجة على الجبرية الجهمية. فقاموا وقالوا: إن الله عز وجل ليس له دخل في فعل العبد، وإن العبد يخلق فعل نفسه، فجعلوا العبد خالقَ فعل، وهذا أيضًا مصيبة عظيمة. وهذا كله لأجل أنهم لم يفقهوا مذهب السلف. فلله الحمد، أهل السنة بحمد الله وفقهم الله عز وجل، وأخذوا بالآيات، فقالوا: إن العبد يفعل الفعل، أعطاه الله عز وجل مشيئة، لكنها تابعة لمشيئة الله، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. قال: وأيضًا الأمر الثاني: أنهم ما قدروا الله حق قدره. ما قدروا الله عز وجل وعظموا حق تعظيمه، وإلا لم يستطيعوا أن يأتوا بمثل هذه الأشياء. من ذلك: نفي عموم قدرته وتعلقها بأفعال عباده، وهو قول المعتزلة القدرية. وكذلك نفي العلم، أن الله عز وجل لا يعلم الأشياء إلا بعد وقوعها. فهل هذا إنسان يعظم الله عز وجل يقول مثل هذا القول؟ لكن هؤلاء ما قدروا الله عز وجل حق قدره، فوقعوا في هذه العظائم. ولهذا كفرهم السلف، الذين قالوا بأن الله عز وجل لا يعلم الشيء إلا بعد وقوعه، فكفرهم السلف لأن فيه إنكار لآيات الله عز وجل: ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٍ﴾، سبحانه وتعالى. طيب، إن شاء الله تعالى نكمل في درس لاحق. نكتب هذا، والله تعالى. ترجمة نانسي قنقر