كتاب فضائل القرآن من صحيح البخاري 27

كتاب فضائل القرآن من صحيح البخاري 27

الدرس في كتاب فضائل القرآن من صحيح البخاري 27، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

اعتراض عمر على صلح الحديبية وسكوت النبي صلى الله عليه وسلم

اعترض عمر بن الخطاب على شروط صلح الحديبية معتبراً فيها دنية في الدين، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم فلم يجبه لكونه يوحى إليه. ندم عمر وخشي نزول قرآن يذمه بسبب اعتراضه على رسول الله.

نزول سورة الفتح وفضلها عند النبي صلى الله عليه وسلم

يروي الحديث أن عمر بن الخطاب سأل النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات في سفر بعد الحديبية فلم يجبه، فخاف عمر أن ينزل فيه قرآن. ثم نزل الوحي بسورة الفتح وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها أحب إليه مما طلعت عليه الشمس.

تأويل الفتح المبين وقصة المستضعفين بأبي بصير وأبي جندل

يتناول المقطع قصة صلح الحديبية ونزول آية ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ مؤكدة أن الصلح فتح عظيم رغم ظاهره. كما يوضح قصة أبي بصير وأبي جندل ومن معهما من المستضعفين الذين فروا إلى سيف البحر واعترضوا قوافل قريش، وبيان النبي صلى الله عليه وسلم حكمهم.

مكانة سورة الفتح في صحيح البخاري وخاتمة الدرس

يختم المتحدث بأن الإمام البخاري عقد باباً خاصاً بفضائل سورة الفتح وأورد فيه الحديث المذكور عن عمر بن الخطاب. ويشير إلى أنه سيكمل الشرح في مجالس قادمة، والله أعلم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله: «باب فضل سورة الفتح». قال: حدثنا إسماعيل، إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس، وهو مدني، وهو ابن خالة مالك بن أنس، وله أخ يقال له عبد الحميد. قال: حدثني مالك، وهو ابن أنس، إمام دار الهجرة، عن زيد بن أسلم، وهو زيد بن أسلم مولى عمر بن الخطاب، وكان فقيهًا من فقهاء المدينة، قال: عن أبيه، وهو أسلم مولى عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسير في بعض أسفاره، وعمر بن الخطاب يسير معه ليلًا، فسأله عمر عن شيء فلم يجبه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم سأله فلم يجبه، ثم سأله فلم يجبه، فقال عمر: «ثكلتك أمك! نزرت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات، نزرت» -أي: ألححت- «على رسول الله كل ذلك لا يجيبك». قال عمر: فحركت بعيري حتى كنت أمام الناس، وخشيت أن ينزل فيّ قرآن، فما نشبت أن سمعت صارخًا يصرخ. قال: وما لبثت في هذا الجلوس وفي هذا إلا وصارخ يصرخ. قال: فقلت: لقد خشيت أن يكون نزل فيّ قرآن. قال: فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلمت عليه، فقال: «قد أنزلت عليّ الليلة سورة لهي أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس»، ثم قرأ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾. طيب، هذا الحديث هو على صورة المرسل؛ أسلم لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم، لكن ظهر الحديث أنه سمع من عمر، وهذا الذي صرحت به بعض الروايات. قال: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسير في بعض أسفاره، وعمر بن الخطاب يسير معه ليلًا». معنى هذا: بعد الحديبية، بعد ما حصل العقد، أو في وقت العقد في نفس اليوم. كان عمر يسأل النبي عليه الصلاة والسلام عدة مرات فلم يجبه. وهذا الحديث كان في الحديبية، وفي الحديبية تعلمون أن عمر لما عقد النبي صلى الله عليه وسلم الصلح كان فيه شيء مما ظنه بعض المسلمين إجحافًا، وهو قوله: «من كان من أهل دين محمد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فارتد، فإنه تأخذه قريش ولا ترده، ومن أسلم من قريش فإنه إذا ذهب إلى المسلمين يرد للكفار». فوجد الصحابة رضي الله عنهم شيئًا في هذا الاتفاق، وكان منهم عمر، كان يقول: «يا أبا بكر، يا أبا بكر، ألست على الحق؟ أليس عدونا على الباطل؟ فلم نعطي الدنية في ديننا؟» فقال أبو بكر: «يا عمر، إنه رسول الله وليس يعصيه». وجاء عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بذلك، فقال: «إني رسول الله ولست أعصيه». فلما جاء عمر يسأل النبي صلى الله عليه وسلم، كان النبي صلى الله عليه وسلم يوحى إليه، أو كاد أن يوحى إليه، فلذلك لم يجب. طيب، فلم يجبه النبي عليه الصلاة والسلام ثلاث مرات، فظن عمر أن فيه شيئًا، حتى ظن أنه بسبب أن هذا الأمر فيه دنية لدينه، فقال: «فلم نعطي الدنية في ديننا؟» فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إني رسول الله ولست أعصيه». ثم قال عمر رضي الله عنه: «فعملت لذلك اليوم أعمالًا». أي: ندم عمر أنه قال هذا، قال: «فعملت أعمالًا». فهذا سبب الحديث، هذا سبب الحديث. وفيه أيضًا: ما كان الصحابة رضي الله عنهم يسألون كثيرًا، وإن سألوا يخافون؛ لأجل أن الله عز وجل نهاهم عن السؤال، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾. قال: فقال عمر: «ثكلتك أمك! نزرت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات»، معنى «نزرت»: ثلاث مرات ألححت عليه، تقول له هذا الكلام. قال: «فحركت بعيري حتى كنت أمام الناس، وخشيت أن ينزل فيّ قرآن». عنى أنه خشي أن يكون قد أخطأ، وينزل الله عز وجل فيه قرآن. ثم قال: «فما نشبت أن سمعت صارخًا يصرخ»، أي: يصرخ بكلام، أو الاجتماع يجتمعون عند النبي عليه الصلاة والسلام. كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أرادهم أن يجتمعوا، فإنه يجعل أحدهم يجمعهم عليه بصوته، يأتي بأناس أصواتهم مرتفعة. فقال: «يصرخ صارخًا». وكأن عمر كما قلنا ظن هذا الأمر، فأزاله الشرع في الحديث. هذا لما صالح النبي صلى الله عليه وسلم أهل الحديبية، صالحهم على هذا، أي: صالح قريشًا من البنود هذا. لكن جعل الله عز وجل لهم فرجًا ومخرجًا، وهم كما في قصة أبي بصير وأبي جندل. فبين في الحديث أيضًا: كان عمر خاف أن ينزل فيه قرآن، فأن يذمه في هذا السؤال أو غيره، لكن لم ينزل الله عز وجل إلا قوله جل وعلا: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾. وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد كان عنده، فقد كان هؤلاء الذين كانوا يأتون كأبي بصير وأبي جندل وغيرهم، جعل الله عز وجل لهم فرجًا ومخرجًا. قال: «سيجعل الله لكم فرجًا ومخرجًا». وكانوا يعترضون على قوافل قريش، وخرجوا إلى سيف البحر، معهم أبو جندل وأبو بصير وجماعة من الصحابة، كل من فر من مكة ذهب معهم. هذا فجعل الله عز وجل لهم فرجًا ومخرجًا. لكن وفى النبي صلى الله عليه وسلم ما تعهد بقريش، ولما وجد الإشكال من أصحابه قال: «من أتانا فإن الله عز وجل سيجعل له فرجًا ومخرجًا، ومن ذهب من عندنا إليهم فلا حاجة لنا به». الذي يذهب من المسلمين إلى الكفار فهو مرتد، لا حاجة للمسلمين به. وفيه أيضًا: أن هذا الصلح يعتبر فتحًا، مع أن ظاهره فيه الضيم على المسلمين، لكن الصحيح أنه فتح. وهذا الحديث دليل على هذا، أن هذه الآية نزلت في الصلح: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾. وخلاص الأمر: أن هذا الباب عقده الإمام البخاري في «باب فضل سورة الفتح»، وذكر هذا الحديث. طيب، إن شاء الله نكتمل بهذا، والله تعالى أعلم.