قصة موسى عليه السلام في القرآن 9

قصة موسى عليه السلام في القرآن 9

الدرس في قصة موسى عليه السلام في القرآن 9، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تحدي موسى لسحرة فرعون ونتائجه

يواصل الحديث عن قصة موسى عليه السلام مع فرعون، حيث تم التحدي بين موسى وسحرة فرعون، وألقى السحرة حبالهم وعصيهم التي تحولت إلى حيات، فخاف موسى، ولكن ربه طمأنه وأمره بإلقاء عصاه التي ابتلعت حبال السحرة. فآمن السحرة برب موسى وهارون، فغضب فرعون واتهمهم بأنهم اتبعوا موسى بغير إذنه.

إيمان السحرة ورد فعل فرعون

يتناول المقطع قصة تحدي موسى للسحرة وإيمانهم، وكذب فرعون في ادعائه الاتفاق مع موسى، وتوعده للسحرة بالقتل والصلب، واستسلام السحرة للإيمان رغم التعذيب. وتابع المقطع تأثير هذه الحادثة على انتشار الإسلام وإيمان الآخرين مثل آسيا بنت مزاحم.

تفاصيل حول من آمن بموسى ومرحلة الصراع وختام الدرس

تحدث عن تفاصيل حول من آمن بموسى عليه السلام، وذكر أن بعض بني إسرائيل آمنوا به سرًا، كما آمن بعض المصريين مثل آسيا بنت مزاحم. ثم انتقل إلى مرحلة جديدة في دعوة موسى وهي مرحلة الصراع بعد أن أصبح لديه أتباع. وانتهى الدرس بالدعاء والصلاة على النبي.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، متابعة ومواصلة في قصة موسى عليه السلام من خلال نصوص السنة والقرآن، كان في الدرس الأخير، إخواني في الله، حديثنا حول دخول موسى عليه السلام على فرعون، والذي قام حينها موسى عليه السلام بالتعريف عن نفسه وأنه مبعوث من قبل ربه، وعرف فرعون بدعوته وما الذي أتى به، إلا أن فرعون إذ هذه الدعوة استشاط غضبًا وتوعد موسى بالسجن والقتل، إلا أن موسى بادره بإظهار بعض الآيات لعلها تقنعه في مصداق دعوته التي أتى بها. فأظهر له آية العصى واليد، فانبهر فرعون من ذلك، فجاءت فكرة إقامة التحدي بين سحرة فرعون وبين الذي أتى به موسى عليه السلام، وتم الاتفاق على أن يكون هذا في يوم عيد، اختار هذا الموعد موسى عليه السلام لكي يجمع العدد الكثير والحشد الغفير من الناس، وأن يكون ذلك ضحى في وضح النهار. واختار فرعون أن يكون المكان مكانًا سوى في وسط البلاد أو في أرض مستوية، فاجتمع الناس واجتمع الحشد، وجاء السحرة من كل فج عميق، ولما تم الاجتماع في الميدان بدأ وبادر موسى عليه السلام بنصح السحرة وحذرهم من مغبة الكذب والافتراء على الله، فوقع بينهم التنازع لهول وعظيم ما سمعوه، إلا أنهم سرعان ما اتفقوا وأجمعوا أمرهم على استمرارية التحدي. قالوا: يا موسى، إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى، قال: بل ألقوا، فبدأوا بإلقاء حبالهم وعصيهم التي تحولت فيما يخيل أنها حيات تسعى، وكان سحرهم من الأمر العظيم حتى وصفه ربنا جل وعلا بقوله: ﴿وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾، شديد أذهل النفوس وأذهل القلوب وصدم الجميع واسترهبوهم، أوقعت الرهبة في قلوبهم، بل قال ربنا في حق موسى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾، خاف موسى لما رآه. وذكر جماعة من أهل العلم أن خوف موسى عليه السلام لم يكن للآيات التي بين يديه، لا، وإنما كان خوفه على عظيم الفتنة التي ستقع للناس، الناس ذهلوا من هذا السحر الذي أتى به السحرة، وكل ذلك سيكون رصيدًا محسوبًا لفرعون، عظم موسى أن السحرة أيما تعظيم، فخاف موسى الفتنة الكبرى من افتتان الناس، فناداه ربه: ﴿لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾، وألق ما في يمينك. فحينها رمى موسى وألقى موسى عصاه عليه السلام، فإذا هي بثعبان، لكنه ليس كتلكم الحيات الموجودة في الميدان، بل هو ثعبان مبين حقيقي ليس خيالي وليس وهمي، بل حقيقي ضخم ما يتصوره عقل، يدور وليس كذلك، بل كان يتتبع الحيات أو شبه الحيات الموجودة في هذا الصرح، ثم يقوم ببلعها، ﴿تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾، تبلعها واحدًا واحدًا. وكان موسى يقول: «ما جئتم به السحر، إن الله سيبطله، إن الله لا يصلح عمل المفسدين»، وهذا وإن قالها موسى عليه السلام في وقته وزمنه، لكنها آية خالدة لكل مفسد أن عمله لم يصلحه الله عز وجل، وعلى رأس هؤلاء السحرة، مهما فعلوا ومهما دسوا ومهما آذوا عباد الله، فإن الله عز وجل لهم بالمرصاد. أمام هذا المنظر والمشهد، من الذي تأثر؟ أول من تأثر بهذا الموقف العظيم هم السحرة، ذهلوا جدًا من هذه الآية التي أتى بها موسى، لماذا ذهلوا؟ لأنهم أهل السحر، هم الطبقة العليا، ما هناك أحد أعلى منهم في السحر، فقوانين السحر عندهم يعرفون كيف السحر وما هي مقدرات الساحر وما الذي يقدر عليه وما الذي لا يقدر عليه، يعرفون المقدور البشري. لكن هذا الذي أتى به موسى هذا لا يستطيع عليه أحد من البشر، هذا ليس بسحر، هذا ليس بسحر، بل هذا كما ذكره موسى عن نفسه أنه مبعوث من قبل ربه، هذا من الله من رب العباد، فحينها ما تمالكوا أنفسهم إلا وخروا لله سجدًا، وقالوا: «آمنا برب هارون وموسى»، سرعان الإذعان لعظيم ما رأوا من هذه الآية العظيمة. فرعون لما رأى هذا المنظر، وخروج السحرة سجدًا لرب موسى وهارون، استشاط غضبًا، قال: «آمنتم له قبل أن آذن لكم»، كيف هذا تقدمون على هذا قبل أن أعطيكم الإذن؟ وفي ذلكم أعظم الاستبداد الذي كان في شأن فرعون مع قومه، كان يتحكم ليس فقط على الأموال ولا على العقارات، بل كان يتحكم حتى في العقول والإرادات، ما أحد يقدم على قول أو ينوي على شيء إلا بإذن. فاستخف قومه استخفافًا عظيمًا، فقال: «آمنتم له قبل أن آذن لكم»، حتى الإيمان والاعتقاد ما يكون إلا بعد إذن مني، فقال: «آمنتم له قبل أن آذن لكم، إنه لكبيركم الذي علمكم السحر»، هنا أراد فرعون أن يأتي بموقف به يخرج من هذه الهزيمة، وهو أراد أن يبين أن هذا الذي صار ليس عبارة عن غالب ومغلوب، لا، ليس غالب ومغلوب، الحقيقة هي تمثيلية، هذه كما يقال مسرحية هزلية. إنما هذا كان كما قال: «إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة»، أصبح ينادي هذا اتفاقية قد تمت، اتفاقية تمت بين موسى والسحرة قبل الظهور في الميدان، اتفقوا فيما بينهم على أنكم يا سحرة تدخلون، ثم إذا أنا بدأت بآياتي أنتم تخرون لي سجدًا، هذا الذي صار، طبعًا هذا من الكذب ومما يضحك له العقول، كيف هذا؟ هل هذا يمكن أن يكون؟ هذه اتفاقية بين موسى والسحرة؟ والسحرة وفرعون هو القائل قبل فترة قريبة: «أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ»، هذا تصريح فرعون أنت عشت بيننا. صحيح، وهذا حجة عليك، أنت تعرف وعترفت بأن موسى عاش وترعرع عندك حتى بلغ كما قلنا بلغ السن الثلاثين ونحو ذلك، قد شب وترعرع، هل تعلم السحر؟ أنت تعلم أنه ما كان ساحرًا أبدًا، ثم غادر إلى مدين، ثم جاء فجأة، وجاء ودخل عليك، ثم كان أمر التحدي أنت الذي ذكرته، بما كان من حاشيتك: «أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ»، هذه فكرته. وجاء السحرة ليس من بقعة واحدة، بل من كل بقاع الذي حول مصر، من كل فج عميق، أتى الساحر هنا ومن هنا ومنه، تجمع المئات والآلاف، أين كان الاتفاقية؟ لا، كان موسى يعرفهم ولهم يعرفون موسى، ثم بعد ذلك تدعي أن هناك أمرًا مبرمًا، أن هناك أمرًا مبرمًا كان بين موسى والسحرة، كل ذلك من الكذب. ثم بعد ذلك، كعادة فرعون، التوعيد والتهديد: «لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ»، قرار هذا سيسري على كل واحد، ما يتخلف أحد عن هذا القرار، وهو أنه توعدهم بماذا؟ بهذه الفعلة، بالتقطيع، بالتقطيع وعملية التقطيع هذه تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف، كيف صورتها؟ صورتها أن يقطع مثلاً اليد اليمنى مع الرجل اليسرى، أو العكس، يقطع اليد اليسرى مع الرجل اليمنى، هذا هو التقطيع من خلاف. تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف على هذه الصورة: اليمنى مع الرجل اليسرى، أو اليد اليسرى مع الرجل اليمنى، تشويه، تعطيل الآدمي، تعطيل الجزء العلوي والسفلي، حتى يكون عالة ما يستفاد منه، ثم بعد ذلك: «ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ»، أي التصديب بمعنى التعليق، سأجعلكم عبرة للشعب المصري، ولي بني إسرائيل، كل من يقدم على هذا الفعل والخروج عن أمري ويبارز تحدي لأوامري سيكون عبرة لغيره. فكان هذا الوعيد الذي توعد به فرعون للسحرة، هل أجدى نفعًا؟ لا، بل ما زاد السحرة إلا إيمانًا واستسلامًا لربنا، قالوا: «فَقَضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ، إِنَّمَا نَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا»، إنا نطمع من ربنا أن يغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر، والله خير وأبقى. فكان من ولهذا قال العلماء: من قوة إيمانهم أن وصل إلى قلوبهم، فما تفارقه، وهكذا الإيمان إذا بلغ إلى مقام القلوب ما يخرج أبدًا، ما يخرج، فوكلوا أمرهم إلى الله عز وجل، وكان أمرهم أن طمعوا من ربهم أن الله يغفر لهم ما مضى من خطاياهم وما كان من أمر السحر الذي ظهر منهم. فحينها فعل فرعون ما توعد به، فقطع أيديهم وأرجلهم وصلبهم في جذوع النخل، تأتي مسألة فرعية: هل بعد ذلك قتلوا أم تركوا هكذا بهذا التشويه؟ على قولين، أكثر العلماء على أنهم قتلوا بعد هذا التشويه والتقطيع والتعذيب قتلوا، وقيل: أنهم تركوا على هذه الحالة حتى يراهم كل من نظر إليهم يعتبر بهذه الآية، فالله أعلم. لكن كما قلت: أكثر العلماء على أنهم قتلوا وفاضت أرواحهم إلى الله جل وعلا، وأن الله قد وعدهم بجنات عرضها السماوات والأرض، هذه الحادثة، إخواني في الله، تبتدأ معنا مرحلة أخرى من هذه المراحل، مرحلة الصراع، بعد هذه الحادثة احتدم الصراع، ظهر الصراع الآن بين موسى وبين فرعون، بين الإيمان وبين الكفر، بين الخير وبين الشر. أصبح الأمر مرئيًا عندي هنا، فرعون برسالته يدعو بها ويدعو لها، وعندي فرعون بعناده وكفره، وستأتي معنا في هذه الدروس القادمة شيء من الصراع مما قد صار بين هاتين الفئتين، والمرحلة الثانية: بعد هذه الحادثة ظهرت سلسلة قوافل الذين أسلموا، الذين أسلموا، طبعًا السحرة كانوا من أوائل القافلة، كما قال ربنا عز وجل، كما ذكرهم عن أنفسهم: «إِنَّا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ»، أول فئة آمنت بموسى عليه السلام السحرة. ثم تتابعت تتابع الناس في الإسلام، لما رأوا من هذه الآية العظيمة، من هؤلاء زوجة فرعون آسيا بنت مزاحم، رضي الله عنها، امرأة فاضلة عاقلة صالحة، جاءت في الآثار كما ينقلها جماعة من المفسرين: لما وقع التحدي بين السحرة وموسى وهارون، كانت تسأل: لمن الغلبة؟ لمن الغلبة؟ تسأل، فلما جاءها الخبر بأن الغلبة لموسى وهارون، قالت: «آمنت برب موسى وهارون»، آمنت برب موسى وهارون، أسلمت. وخاصة وهي تعرف موسى عليه السلام، كيف له قد يكن تربى على يديها، تعرف من سيم الصلاح وما آتاه الله من الخير، وقد ترعرع عندها، فكان تعرف هذا الصبي في حال شبته، فكيف إذا كبر وأتى بهذه الآية العظيمة؟ فأسرعت بالإسلام والإيمان به. علم فرعون بأمرها، طبعًا لا هوادة، ففرعون أعظم طاغية كما يعبر عنه من طواغية العظام الذي ظهرت على وجه الأرض، ما عنده هوادة، لا قريب ولا صديق ولا صاحب ولا زوج ولا ولد، فأمر بتعذيب زوجته حتى تكفر، فأجمع العلماء بأنواع التعذيب الذي وقع لآسيا، رضي الله تعالى عنها، إلا أنها ماذا؟ صبرت وصابرت وثابرت. وكان من دعائها: «رب ابني لي عندك بيتًا في الجنة، ونجني من فرعون وعمله»، حتى فاضت روحها، رحمها الله ورضي الله تعالى عنها، وهي من أهل الجنة، وقد جاءت أحاديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام يمتدح آسية وأنها من النساء الصالحات. كذلك ممن أسلم ما جاء في قول ربنا عز وجل: ﴿وَمَا آَمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾، هذه الآية، وما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم، هذه الآية تتحدث عن طائفة أسلمت وآمن لموسى، لكن على خوف، وهم قد تستروا بإيمانهم. بقي الإشكال عند العلماء: من هذه الطائفة؟ على قولين اثنين، وانتبهوا لهذه التخاريج، لأن منها من ذهب إلى هذه الجهة، ومنه من ذهب إلى جهة أخرى، منه من قال: أن المقصود بهذه الفئة هم جماعة من بني إسرائيل، وما آمن لموسى إلا ذرية، قالوا: الذرية هنا بمعنى الشباب، الشباب، أي أناس أحداث، شبان، ماذا شأنهم؟ هؤلاء آمنوا لأن الله آمنوا بموسى. قال: «من قومه»، الضمير يعود إلى موسى، من قوم موسى، هؤلاء آمنوا، وكانوا هؤلاء يستترون بإيمانهم خوفًا من ماذا؟ من فرعون، وخوفًا من ملئهم، من بني إسرائيل، واجه هذا التخوف، قال العلماء: أن من بني إسرائيل كان فيهم من أهل الفساد، ومن كان هواه هواه من هوى فرعون، هو إسرائيلي، لكن مع فرعون في الطغيان وفي الاستبداد، وفي التجارة والأموال، ويعتقد في فرعون. فكان هؤلاء الشبان من الإسرائيليين يستترون من فرعون ويستترون من أصحابهم، هؤلاء الأعيان الإسرائيليين، لأنه إذا علموا بهم سيوشون إلى فرعون، ما يبالون بنسب ولا بقرابة، يقول: يا فرعون، تعال، عندنا مجموعة من الشبان منا أسلم، عليك بهم، هذا التأويل أو التفسير لهذه الآية على أن الضمير يعود إلى جماعة من الإسرائيليين في سن الشباب. وذكروا ثم تأتي فائدة على أن هذا السن كان قابلًا للإسلام وقابلًا للإيمان بموسى، لأنه طري، بخلاف الذي كبر سنه، هؤلاء قد تعشعشت فيهم الأفكار القديمة، وصعب على الكبير أنه يتخلى عن عقائده على عقيدة أخرى، بخلاف الطري فإنه سريع الاقتناع، هذا القول الأول. القول الثاني في قول ربنا عز وجل: ﴿وَمَا آَمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾، هنا «من قومه» أي من قوم فرعون، من قوم فرعون، فهنا قالوا: الذرية هنا بمعنى القليل، الذرية بمعنى القليل، لا بمعنى الشباب، القليل، والخطاب هنا يتحدث عن جماعة من المصريين، ونتج إلى المعنى الآخر. المعنى الأول: أن الآية تتحدث عن جماعة من الإسرائيليين، الآية الثانية، التفسير الثاني يقول: لا، إنما الآية تتحدث عن أناس من أهل مصر آمن بموسى، لكن على خوف من فرعون وملئهم، حتى لا أحد يشعر بهم، وكانوا يستترون بإيمانهم، ذكروا مثل آسيا بنت مزاحم، وكذلك رجل من آل فرعون، وذكروا بعض الأشخاص، وهم قلة، قلة آمنوا بموسى عليه السلام، لكن بالسر. وهذا الذي نصره ابن كثير، والأول نصره الإمام الطبري، ولكل له وجهة، ولكل له وجهة، فالشاهد: أن بهذه الآية وبغيرها من الآيات، فيها بيان للمرحلة الجديدة التي صارت في دعوة موسى عليه السلام، أن الناس بدأوا بالدخول، إزاء هذا الدخول، أمر الله عز وجل موسى عليه السلام أن ينحاز. ﴿وَوُحِيَ إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾، يعني واجعلوا بيوتكم قبلة، واجعلوا بيوتكم قبلة، ذكر جماعة من المفسرين أن معنى هذه الآية: أن هذه الفئة المؤمنة، ومما يتستر بإيمانه، استشكلوا أمرًا، قال: يا موسى، ما نستطيع أن نظر إلى الإيمان أو التوحيد أو الصلاة، لأن الله فرض الصلاة على موسى في بداية دعوته، وأقيموا الصلاة. قال: «ما نستطيع إذا رآنا أحد نصلي ذهبنا فيها»، ولهذا أمرهم ربنا أن يتبوأ أن يبوأ من أسلم هؤلاء ببيوت بعيدة عن الأنظار، يستترون بها في صلاتهم وتعبدهم، لا يراهم أحد، «واجعلوا بيوتكم قبلة»، أي أن سمة البيوت باتجاه القبلة، تكون مثل المساجد، تكون مثل المساجد، يأتون ويصلون فيها. وأي القبلة يتجهون إليها؟ على قولين اثنين، وأكثر المفسرين على أن قبلتهم كانت إلى بيت المقدس، وهذا أكثر المفسرين، ومنهم من ذهب إلى أن قبلتهم كانت إلى الكعبة، لأنها قبلة إبراهيم عليه السلام، قيل هذا وقيل هذا، والأكثر على أنها إلى بيت المقدس. فالشاهد، إخواني في الله، ستبدأ معنا الآن المرحلة الجديدة، وهي مرحلة الصراع، إذ أن موسى عليه السلام ليس الآن لوحده، بل معه أتباع، ومعه كذلك أناس يدافعون عنه، وأصبح دعوته ظاهرة واضحة، ثم أصبح الصراع بين هذه الأطراف، سيأتي معنا في الدروس القادمة ما يتعلق بهذا الصراع. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.