الدرس في كتاب البيوع 39، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح هذا الفصل أحكام الرهن الأساسية في الفقه الإسلامي، حيث تقع مؤنته على الراهن ويعتبر أمانة في يد المرتهن. المرتهن لا يضمن تلف الرهن إلا في حالة التعدي أو التفريط.
يناقش هذا الفصل ما يحدث للرهن عند الهلاك أو التلف أو الزيادة، حيث لا يسقط الدين بالهلاك ويبقى الرهن الباقي ضماناً للدين كله. كما يجوز الزيادة في الرهن دون الدين.
يتناول هذا الفصل حكم جعل الرهن لدين واحد لشخصين ويشرح كيفية سداد الدين واسترداد الرهن، حيث يسدد المدين دينه ويسترد الرهن بمقدار ما سدد.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: ومؤنته على الراهن، على النفقة التي يحتاج إليها الراهن تكون على الراهن؛ لأنها عنده. لا يبعد عن الراهن صاحب الملك الأصل أن النفقة تكون عليه، فما تحتاج إليه الدواب مثلا من طعام أو الموضع الذي توضع فيه، وما تحتاج مثلا من أجرة راع، وما تحتاج مثلا إليه الدار من عناية ونحو ذلك، كل هذا واجب على الراهن الذي هو مالك هذا المرهون، وليس على المرتهن، كما جاء في الحديث: «لا يغلق الرهن بما فيه، له غنمه وعليه غرمه، له غنمه وعليه غرمه». فمؤنة النفقة غرم، فتكون واجبة على الراهن؛ لأنه هو مالك الشيء، فإذا أنفق عليها المرتهن يكون يحسبها على الراهن، إلا إذا استفاد من الرهن، استفاد الركوب، استفاد اللبن، فإنه يركب بنفقته ويحلب بنفقته. فالعاقل أن هذه النفقة على الراهن، نفقته على الراهن، إلا كما قلنا إذا استفاد المرتهن من الرهن، فإنه يدفع قيمة هذه الاستفادة. قال: وكفنه وأجره مخزنة، فعنى إذا احتاج إلى مخزن أو إلى حارس أو نحو ذلك، فهذا كله يجب على الراهن، يوفر المخزن إذا كانت تحتاج إلى مخزن، يوفر أيضا الراعي إذا كانت تحتاج إلى راعي، لكن هذا كله ما لم يكن هناك شرط، فإذا وجد شرط مثلا بينهما أن النفقة مثلا تكون على المرتهن، فالمسلمون على شروطهم. قال: وهو أمانة في يد مرتهن، إن تلف من غير تعد منه فلا شيء عليه. الرهن عند المرتهن من باب الأمانات، الوديعة والأمين لا يضمن؛ لأن يده يد أمانة وإحسان، والله عز وجل يقول: ﴿وَمَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾، فهو محسن، فإنه لا يضمن إلا إذا تعد أو فرط، فلا يضمن إلا إذا تعد أو فرط. ومما يدل أيضا على أنه أمانة الحديث الذي ذكرناه قبل: «له غنم وعليه غرمه، له غنم وعليه غرمه»، فدل ذلك على أنه كالوديعة، لكن إن تعد أو فرط، أي هذا المرتهن، فعليه الضمان، أو استخدمه بغير إذن، إذا استخدمه بغير إذن فالتلف فإنه يضمن، أو فرط في حفظه وصيانته، ولم يضعه في موضعه الذي يوضع فيه، مثلا أعطاه ذهبا فوضعه في النافذة، فهذا تفريط، الذهب يوضع في موضعه، لا بد أن يوضعه في حرز مثله. قالوا: لا يسقط بهلاكه شيء من دينه. ولا يسقط بهلاكه شيء من دينه، وهذا ظاهر، أنا لو أن الرهن هلك، فإن الدين يبقى، لا يسقط بهلاكه، أي بهلاك الرهن، بهلاك الشيء الرهن، لو تلف الرهن، ليس معنى ذلك أن الدين يذهب، لا الدين باقي؛ لأن الدين متعلق بالذمة، ليس متعلق بالرهن، وإنما الرهن وثيقة فقط لهذا الدين لحفظ الحق، فإذا حصل له شيء من التلف لهذه الرهن، فالدين باق في الذمة. قال: وإن تلف بعضه، فباقيه رهن لجميع الدين. أن إذا تلف بعض الرهن، فباقيه رهن لجميع الدين، مثلا وضع عنده أغنام رهن لدين، فماتت بعض هذه الأغنام، فيبقى الباقي رهن للدين كله. قال: ولا ينفك بعضه مع بقاء بعض الدين. ولا ينفك بعضه مع بقاء بعض الدين، معناه أنه لا بد أن يكمل المال الرهن، هذا لا ينفك، مثلا لو قال هذا الذهب رهن عنده حتى أسدد دين، أعطاه الذهب وكان عليه مئة ألف، فسدد خمسين من الدين، فهل معناه أنه يأخذ الرهن؟ لا، الرهن يبقى حتى يسدد جميع المال، الرهن يبقى حتى يسدد جميع المال، وهذه المسألة مما أجمع عليه كما ذكر ابن المنذر، فلا ينفك حتى يقضي الراهن الدين كله. قال: وتجوز الزيادة فيه دون دينه. يجوز الزيادة فيه، أي في الرهن، دون دينه، معناه زيادة في الرهن ما فيه شيء، يزيد في الرهن مثلا أعطاه مثلا ناقة، ثم أعطاه أخرى، معناه زاده أخرى، فهذا زيادة في الرهن فهذا ما فيه شيء. وقوله هنا دون دينه، أي لا يجوز الزيادة في دين الرهن، لا يجوز الزيادة في دين الرهن، أنا إذا اشترى منه مثلا سلعة بثمن مؤجل، ورهن داره، ثم اشترى مثلا منه شيء آخر بثمن مؤجل، وقال الرهن للدين الأول، هو الرهن أيضا هنا، أنا جعل الرهن للدين الأول، جعله هنا أيضا رهن، فهذا كأنه يرى المؤلف في ظاهر كلامه أنه لا يجوز أن يجعل رهن واحد لدينين، أنا يزيد في الدين ويجعل الرهن نفسه. قالوا: بأن الرهن قد شغل بالدين الأول، أنا هذا تعليله، والمشغول لا يشغل، أنا أخذ بهذه القاعدة: المشغول لا يشغل، ما دام أن الرهن قد كان لأجل الدين الأول، فهنا لا يكون لأجل الدين الثاني. ومذهب مالك، وهو أيضا رواية عن أحمد، أنه يجوز ذلك، وذلك للمصلحة ورفع الحرج. وعما قولهم على القاعدة: المشغول لا يشغل، هذا إذا كان الدين لآخر، ما دام أنه الدين لنفس الشخص، ولا بأس أنه يجعل الرهن نفسه، لكن مثلا لو استدان من رجل آخر، يقول له الرهن نفس الرهن، مثلا يقول له أعطيت سالما رهن، ومثلا طارق أخوه مثلا لم يعطيه رهن، أخذ الدين من هذا وأخذ الدين من هذا، يقول له طارق مثلا: خلاص أعطيت سالما رهن، خلاص تشتركون في الرهن، فهذا ليس صحيحا. وأما إذا كان بدين الغريم الأول صاحب الدين، ما في شيء يكون الرهن واحد، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام بن تيمية، وابن القيم، والشيخ السعدي، والشيخ بن عثيمين، وهو الصحيح في هذه المسألة، على أنه يجوز أن يجعل الرهن واحد، يجعل الرهن واحد. قال: وإن رهن عند اثنين شيئا فوفى أحدهما انفك في نصيبه. وإن رهن عند اثنين شيئا فوفى أحدهما انفك في نصيبه، إذا رهن مثلا زيد فرسه عند اثنين، كان يقترض من بكر ألفا، ومن عمر ألفا، يقول لهم: الاثنين هذا الرهن عندكم بين هذا وهذا، أن يجعل الفرس رهن بالألفين، هذا ألف وهذا ألف، فالرهن واحد، لكن المرتهن اثنين، والرهن واحد، لكن هنا إذا قضى أحدهما، أعطى أحدهما الدين، فهل ينفك بقدر الدين من الراهن أم لا؟ هنا يقول المؤلف: انفك نصيبه، معنا ينفك نصف الفرس، ينفك نصف الفرس، ذاك الرهن له نصف الرهن، مثلا لو كانت أغنام، أعطاهم مثلا عشر أغنام، هذا له خمس، وهذا له خمس، فانفك الدين الأول، معناه له أن يأخذ خمس شياه، ويبقي خمس شياه. قال: أو رهناه شيئا فاستوفى من أحدهما فك نصيبه. أنا هنا المرتهن واحد، والراهن اثنان، والمرتهن واحد، المسألة الأولى الراهن واحد والمرتهن اثنان، فهنا مثلا اقترض رجل من آخر، كلاهما، معناه اقترض اثنان، معناه هذا وهذا، مثلا كما قلنا سالم وطارق، أخذوا من بكر، أخذوا دينه، هذا أخذ الدين، وهذا أخذ الدين، وكل واحد جعل رهنهما واحد، جعل رهنهما واحد، فهنا الآن عندنا الراهن أكثر، اثنان، والمرتهن واحد، فهنا إذا أعطى أحدهما، مثلا سالم هذا سدد دينه، فحينئذ له أن يأخذ ما يقابله من الرهن، على الآن رهنهما مثلا عشر شياه، فسدد مثلا سالم دينه، فيأخذ خمس شياه، الرهن تبقى خمس شياه، هذا لمن لدين طارق.