الدرس في التقوى فائدة الصيام الكبرى 1، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع تفسير آية ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ مبينًا أن التقوى هي الغاية العظمى من الصيام، ويستعرض أقوال العلماء في معنى "لعل" هنا. كما يستدل بأحاديث صحيحة تصف الصوم بأنه جنة ووقاية من النار والمعاصي.
يوضح المقطع أن الصوم جنة تقي العبد النار وتكسر الشهوة وتضيق مجاري الشيطان، فيثمر تقوى الله التي هي غاية العبادات. ويستشهد بآية الأضاحي وقصة أبي بكر وعمر في خفض الصوت دليلاً على أن الطاعات امتحان لصدق التقوى في القلب.
يبيّن المقطع أن الصيام شرع لاختبار تقوى العبد لا لمجرد الجوع والعطش، مستدلاً بحديث من لم يدع قول الزور فليس لله حاجة في صومه. فالصيام سلاح يتقي به العبد ربه ويحميه من الشيطان والنفس الأمارة والشهوات المحرمة.
يختتم المتحدث الدرس الحالي داعياً الله النفع بما سُمِع، ويشير إلى أن الدرس اللاحق سيتناول مفهوم التقوى وكيفية تحقيقها وثمارها. كما يؤكد على أهمية مواصلة التعلم والتطبيق العملي للتقوى.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد، الحمد لله، نبدأ إن شاء الله تعالى في دروسنا في هذه الأيام الثلاثة، كما قلنا: السبت والأحد والاثنين في العصر، إن شاء الله تعالى تكون في تفسير أو تفصيل في قوله جل وعلا: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾؛ لأن التقوى هي غاية الصيام، وغاية الصائم، والحكمة والفائدة الكبرى من الصيام. إذ الصيام فيه فوائد وثمار عظيمة، لكن أعظمها -وإن شاء الله تعالى في تفسير السعدي- إن شاء الله نذكر، أو قد ذكر العلامة السعدي عدة فوائد غير التقوى، لكن التقوى هي أكبر فائدة يستفيدها الصائم من الصيام. فقوله جل وعلا: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾، "لعل" هنا بمعنى "كي" تتقوا، تتقوا الله جل وعلا. وذكر العلماء في تفسيرها عدة تفاسير، أي في قوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾. فمنهم من قال: "لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" أي: لعلكم تضعفون، فإذا ضعفتم -أي في طعامكم، بمعنى إذا لم تأكلوا يأتي الضعف- وهذا الضعف يؤدي أيضًا إلى الضعف في الشهوة، فإذا ضعف الإنسان في شهوته، وفي شهوة البطن وشهوة الفرج، فإنه يتحقق عنده التقوى، أو تتحقق عنده تقوى الله جل وعلا، فتتقون، قالوا: معناها تضعفون. ومنهم من قال: أن قوله جل وعلا: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ أي: أنكم كما اتقيتم الله في ترك الشراب والطعام والشهوة، فيسهل عليكم ترك غيرها لله عز وجل. مادام أن صائمًا ترك الطعام والشراب والشهوة لأجل الله واتقاء الله عز وجل، فمن باب أولى، بل من أسهل له أن يترك ما هو دون ذلك: الأكل والشرب والشهوة هي أحب الرغائب إلى الإنسان، فلما يتركها لله عز وجل واتقاء الله فهو سيتقي الله عز وجل فيما هو دون ذلك، فقال جل وعلا: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾. وهذا المعنى موجود أيضًا. ذكر بعضهم أنه قوله جل وعلا: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ أي: إذا اتقى، إذا صمتم، فإن العبد يتقي بذلك الصوم ما يكون من المعاصي والشهوات، لأن عدم الطعام والشراب يضيق مجاري الدم. أن الإنسان إذا لم يأكل ولم يشرب ضاقت مجاري الدم وعروق الدم، وهذا يضيق على الشيطان مشيه، لأن الشيطان أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه يجري مجرى الدم في العروق، فإذا ضيق عليه فإنه يبتعد. فكذلك إذا أكل الشخص أو امتنع عن الطعام والشراب ضيقت شرايينه، وهذا يضيق على الشيطان مداخله. ولهذا كان الصوم جنة، أي: وقاية، وقاية يقي بها العبد من المعاصي، يحارب بها الشيطان الرجيم، ويحارب بها نفسه التي تأمره بالسوء، ويحارب بها أيضًا الأطماع التي في هذه النفس من أطماع الدنيا وغيرها، وكل ذلك يكون هذا الصوم وسيلة لمحاربة هذه الأشياء، ولا شك أن محاربة هذه الأشياء ينتج منها تقوى الله جل وعلا. فللهذا جاء في الحديث الذي في الصحيحين، حديث أبي هريرة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الصوم جنة». وجاء خارج الصحيح من حديث جابر: «الصوم جنة يستجن بها العبد من النار». وجاء أيضًا بلفظ: «الصوم جنة كجنة أحدكم من القتال». كجنة أحدكم، الجنة هي الترس، وما يقي المحارب يسمى جنة، الترس الذي يقي به السيوف، ويقي به السهام، ويقي به ما يكون من العدو، هذه تسمى جنة. فقال: «كجنة أحدكم من القتال»، عندما تقاتل تستجن بهذا الترس، معناه: كانوا لما يقاتلون بالسيوف والسهام وكذا، يقي ذلك بترسه، فهذه جنة. وكل ما يتترس به فهو جنة، حتى الآن مثلًا في الحروب هذه المتارس التي يفعلها أهل الحروب تعتبر جنة لهم. فكذلك الصوم جنة، يستجن بها العبد من النار، وقاية من النار، فالجنة هي الوقاية. فللهذا فالصوم جنة، فما دام أنه جنة فهو لا شك أنه يثمر تقوى الله جل وعلا، يثمر تقوى الله جل وعلا. جنة يستجن بها العبد من النار، يستجن بها أيضًا كجنة أحدكم من القتال، يقي نفسه بهذا الصوم، فالصوم يبعد الشهوة ويبعد ما يستدعي للمعاصي. ولهذا جاء في الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم، حديث عبد الله بن مسعود، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء». وجاءوا: كاسر للشهوة. فللهذا فالصيام كاسر للشهوة، ومضيق على الشيطان طريقة، وبهذا كله يأتي معنى التقوى. وأيضًا كذلك، كما تعلمون أن هذه الطاعات وهذه العبادات هي مقصدها تقوى الله جل وعلا، مقصدها أن يتقي العبد ربه جل وعلا، فيمتثل أمره جل وعلا ويجتنب نهيه. ولهذا قال الله عز وجل في هدايا الحج والأضاحي وغير ذلك: ﴿ لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ ﴾. الله عز وجل ما سيناله هذا اللحم ولا الدم، ولا هو محتاج إليه جل وعلا، فهو الغني الحميد سبحانه وتعالى، ولكن يمتحن عباده حتى يتقوه: ﴿ يَا عِبَادِيَ اتَّقُونِ ﴾. فهذه الطاعات إنما لأجل تقوى الله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾، فالهدف والغاية والفائدة العظمى هي تقوى الله جل وعلا. ﴿ لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ ﴾، فالعبادة هي تقوى الله، معنى يتقي الله عز وجل بها العبد في فعله أوامر الله. ولهذا امتحن الله عز وجل قلوب عباده بالتقوى في هذه الطاعات. ولهذا في سورة الحجرات، لما ذكر ربنا جل وعلا قوله سبحانه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ﴾، ثم قال جل وعلا: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى ﴾. أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى، امتحنها الله فوجدها متقية، ففعل المأمور وترك المنهي عنه هو تقوى الله جل وعلا. ولهذا امتحن الله عز وجل قلوبهم في هذا الأمر، فكان الصحابة رضي الله عنهم، أبو بكر وعمر وغيره، كانوا من أتقى الناس لله عز وجل. وهذه الآية نزلت في أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما، عندما رفعا صوتيهما عند رسول الله. فكان لما جاء وفد بني تميم -وهذه السورة كما هو معلوم سورة الحجرات نزلت عندما جاء وفد بني تميم- فاختلف في تأمير من الذي يؤمرونه أو يؤمره النبي صلى الله عليه وسلم على بني تميم، فذكر أبو بكر الأقرع بن حابس، وذكر عمر آخر، فقال له أبو بكر: ما أردت إلا خلافك، فقال: ما أردت خلافك، فارتفعت أصواتهما عند رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم. فلما أنزل الله عز وجل هذه الآية ندموا وبكوا أنهم رفعوا أصواتهم عند رسول الله، فكانوا يسرون له، كانوا يسرون له الكلام، بمعنى: إذا تكلموا عنده الصديق أو عمر، كان جاء في خبر عمر أنه كان حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستفهمه من خفض صوته، أنه كان يخفض صوته جدًا حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم يستفهمه الكلام، يقول: "أيش تقول" مثلًا. وكان أبو بكر أيضًا يخفض صوته عند رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم. وهذا هو الامتحان، امتحن الله قلوبهم للتقوى. فمواضع الامتحان كثيرة، وأعظمها العبادات، العبادات تمحيص للتقوى: من الذي يتقي الله عز وجل فيؤدي هذه العبادة مثل ما أراد الله؟ انظر الآن إلى هذا الصيام، الصيام يمتحن العبد فيه: هل يتقي الله أم لا يتقي الله؟ لأن ليس المقصود من الصيام هو الامتناع عن الطعام والشراب فقط، لا، بل المقصود ما هو أعظم من هذا. ولهذا في الصحيحين، في حديث أبي هريرة، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال، قال صلى الله عليه وعلى عليه وسلم: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ وَالْجَهْلَ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ». تأمل هذا الحديث العظيم يبين لك أن الصيام قصده التقوى. إذا لم يتق الله العبد في صيامه وفي تأديته هذه العبادة حق تأديتها، فإنه لا ينفع هذا الصيام الذي جاء به، إذا لم يكتسب التقوى في الصيام، فالصيام لا ينفع العبد: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ»، قول الزور: الشهادة والكذب والنميمة والغيبة، كلها تدخل في قول الزور، والعمل به: أن يعمل بهذه الأشياء، والجهل: قال العلماء: جميع المعاصي، لأن العبد إذا فعل المعصية فعلها بجهل، كما ذكر الله عز وجل: ﴿ إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ ﴾، ففعل المعاصي جهل، فعل المعاصي جهل. فللهذا هنا سماها النبي صلى الله عليه وسلم: «وَالْجَهْلَ»، أي: المعاصي، مثل ما جاء في الحديث القدسي الآخر. فإذا كان صوم يوم أحدكم، فلا يرفث ولا يفسق ولا يصخب، فإن سابه أحد أو شاتمه فليقل: «إِنِّي صَائِمٌ». لا يرفث: الرفث هو الجماع، سواء كان بالفعل أو بالقول، بمعنى أنه يأتي بالكلام الفحش. والفسوق: هي المعاصي. فهذا الصوم الذي أراده الله. «فَإِذَا كَانَ صَوْمُ يَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَفْسُقْ وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ»، أي: لا يرد له هذه الشتيمة ولا يرد له هذا السب، بل يقول: «إِنِّي صَائِمٌ»، يتذكر أن الصوم يمنع من الجهل، يمنع الصائم أو يمنعه الصوم من أن يرتكب الحرام، فللهذا يذكر نفسه بأنه صائم، اللهم أو يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي صَائِمٌ»، أو «إِنِّي صَائِمٌ»، وعما «اللَّهُمَّ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ»، فالظاهر أنها لم تثبت. فللهذا كما قلنا أن الصوم يمتحن به العبد بتقوى الله جل وعلا، فالصوم بلا تقوى لا ينفع، وليس فيه أجر، يذهب أجر الصائم إذا كان صومه بلا تقوى الله، كما جاء في الحديث الآخر: «رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ وَالْعَطَشُ»، ما يتحصل على شيء من الأجر، ما تحصل من صيامه إلا الجوع والعطش. تجد صيامه كله مخالفات، يغتاب وينم ويؤذي الناس ويؤذي الصائمين ويؤذي جيرانه، وأيضًا يؤذي أهله، يؤذي أباه وأمه وغير ذلك من المخالفات التي تذهب أجر الصائم، فلا ينتفع الصائم بصيامه: «رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ وَالْعَطَشُ». وكما قال جابر رضي الله عنه، جابر بن عبد الله، كما أخرج ذلك البيهقي، وكذلك ابن نصر المروزي، أنه كان يقول: «لَيْسَ الصِّيَامُ عَنْ تَرْكِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ»، ليس الصيام عن ترك الطعام والشراب. فللهذا أيها الإخوة الكرام، يتحقق هنا معنى، أو معنى هذه الآية، قوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾، فالتقوى هي السلاح الذي يكون مع العبد، أو أقصد: الصيام هو سلاح يتقي به العبد ربه جل وعلا، ويتقي به العبد -أقصد معنى يتقي به العبد ما يوصله إلى تقوى الله جل وعلا- من الشيطان الرجيم، وأيضًا كذلك النفس الأمارة بالسوء، وكذلك غير ذلك مما يؤديه إلى المعاصي من الشهوات، سواء كان شهوة الدنيا أو شهوة الفرج أو شهوة البطن وغير ذلك. فهذا في تحقيق هذه، أو في معنى قوله جل وعلا: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾. وإن شاء الله وتعالى في الدرس اللاحق نذكر شيء مما يبين لنا ما هي التقوى وكيف تحقيق هذه التقوى، وكذلك ثمارها. فنسأل الله عز وجل أن ينفعنا بما سمعنا، والحمد لله رب العالمين.