التقوى فائدة الصيام الكبرى 2

التقوى فائدة الصيام الكبرى 2

الدرس في التقوى فائدة الصيام الكبرى 2، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

معنى التقوى لغةً وشرعاً وتعريف طلق بن حبيب

يشرح المقطع المعنى اللغوي للتقوى بأنه الوقاية والاتقاء، والمعنى الشرعي بفعل الأوامر واجتناب النواهي. ويستعرض تعريف طلق بن حبيب لها بأنها طاعة الله على نور منه رجاء ثوابه، وترك معصيته على نور منه خوف عقابه، مع التنبيه على خطأ ترك الواجبات بدعوى التقوى.

تعريف السلف للتقوى وتقسيم العلماء لمراتبها

ينقل المقطع أثر أبي بن كعب في تشبيه التقوى باجتناب الشوك في الطريق المليء بالشوك. ويذكر تقسيم العلماء للتقوى إلى مراتب: أدناها ترك المحرمات وفعل الواجبات، وأعلى منها فعل المستحبات وترك المكروهات، مع التمثيل بتقبيل النبي للحسن والحسين.

مراتب التقوى الأربع عند السبكي في الشرع

يذكر المقطع تقسيم السبكي لتقوى الله إلى أربع مراتب: الأولى اتقاء الشرك بالإخلاص، والثانية اتقاء الكبائر، والثالثة اتقاء الصغائر وهي الأعظم، والرابعة اتقاء المشتبهات استبراءً للدين والعرض. وينبه على خطورة انتكاس الفطرة كما حدث مع الخوارج.

تشبيه الرعي في المزارع واتقاء المحرمات

يشبه المتحدث دخول الغنم مزرعة الغير بتسلل المحرمات إلى قلب المسلم، مبيناً ترتيب العلماء لاتقاء المحرمات في أربع مراتب: الشرك، الكبائر، الصغائر، والشبهات. ويؤكد أن هذا التقسيم سيُستكمل في الدرس القادم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فذكرنا بالأمس في قوله جل وعلا: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، وأن التقوى هي غاية المؤمن، غاية المؤمن هي تقوى الله جل وعلا، وأعظم هدف وثمرة من الصيام هو تقوى الله سبحانه وتعالى. وقد ذكرنا في درسي الظهر ما ذكره العلامة السعدي رحمه الله من الأسباب التي جعلت الصوم يكون أو يستجلب تقوى الله جل وعلا، وإن شاء الله تعالى نذكر في هذا الدرس ما معنى تقوى الله لغة وشرعاً، وأيضاً أهمية هذه التقوى في شرعنا، بل في شرائع من قبلنا. فتقوى الله عز وجل هي رأس الأمر، والمراد بالتقوى هو الشيء الذي يتقى به، وكما ذكرنا بالأمس أنه مثل الترس الذي يتقى به. فالتقوى أن يجعل العبد بينه وبين الشيء وقاية، يجعل وقاية بينه وبين الشيء يقيه من هذا الشيء. فالتقوى هي أن يتقى العبد سخط الله وغضبه، أن يتقى العبد ما يسخط الله وما يغضبه. وهذا هو معنى التقوى الشرعي، وإنما تنوعت كلمات العلماء في معنى التقوى لأجل أن أمرها عظيم في شرع الله جل وعلا، وإلا فمفهومها هو فعل الأوامر وترك النواهي. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. فالتقوى، تقوى الله جل وعلا، هي امتثال الأمر واجتناب النهي. وجاء عن السلف تعريفها بتعريفات كثيرة، ومن أفضل من عرفها من باب التطبيق العملي، على التطبيق العملي للتقوى، ما جاء عن طلق بن حبيب رحمة الله عليه، وهو من التابعين، وإن كان فيه إرجاء لكن إرجاء يسير، لكن هذه الكلمة كلمة عظيمة. فكان يقول كما جاء في الزهد لابن المبارك، وأخرجه البيهقي في الشعب، وإسناده صحيح إلى طلق بن حبيب: كان يقول: «اتقوا هذه الفتنة»، أو قال: «اطفعوا هذه الفتنة بتقوى الله، اطفعوا هذه الفتنة بتقوى الله». فقالوا: وما هي تقوى الله؟ فقال: «تقوى الله أن تطيع الله على نور من الله ترجو ثواب الله، أن تطيع الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن لا تعصي الله على نور من الله تخشى عقاب الله». ومعنى هذا الكلام يبين لك ما هي حقيقة التقوى، يبين لك حقيقة التقوى: التقوى أنك صحيح تفعل الأوامر وتجتنب النواهي، لكن ما هو هذا الأمر الذي تفعله؟ هل هو أمر شرعي؟ وهذا الذي تجتنبه هل هو منهي عنه أم أنه من شرع الله جل وعلا؟ لأن الإنسان قد يجتنب الحلال، بل قد يجتنب الواجب الذي عليه، وهذا يحصل غالباً في المعاملات بين الناس. فتجد مثلاً إنساناً يكون بينه وبين أحد أرحامه شيء من الحزازات أو من المشاكل والفتن، فتجده يقول مثلاً: حرام عليَّ أن أذهب إلى مثل هذا الذي ظلم، الذي فعل كذا وكذا، فإذا ذهبت إليه فهذا عليَّ حرام. فهو الآن يتقي شيئاً واجباً عليه أن يفعله، هذا ليس حراماً، حتى لو ظلمه. مثلاً والده، بعض الناس حتى الوالد يفعل معه مثل هذا، والده يقول: هذا ظلمني، فوالله لا أذهب إليه ولا أكلمه، فإذا كلمته حرام عليَّ، كيف أكلم رجلاً ظالماً؟ ويتحجج بمثل هذه الحجج. فهنا الآن ترك الواجب الذي عليه، والواجب أنه يصل أباه ويصل أمه ويصل أخاه وعمه وخاله، ولا ينظر إلى مثل هذه المشاكل، حتى لو ظلموا، فإنه ينبغي أن يصله، بل يجب عليه أن يصله. «ليس الواصل بالمكافئ، وإنما الواصل إذا قطعت رحمه وصلها»، أخرجه البخاري عن أبي هريرة عن النبي عليه الصلاة والسلام. فهذا يعتبر واجباً وهو يقول حرام عليه. فلذلك يحتاج الرجل المتقي لله أن يعرف: هل هذا طاعة أو ليس بطاعة؟ هل هذا الفعل طاعة لله أم ليس بطاعة لله؟ فإذا كان طاعة لله قدم عليه وامتثل أمر الله جل وعلا. ولهذا قال طلق بن حبيب: «تقوى الله أن تطيع الله على نور من الله»، النور هذا أي الهدى الذي جاء به الله لنبيه عليه الصلاة والسلام، أنزله على نبيه، أي أن هذه الطاعة لها دليل من الكتاب والسنة أنها طاعة، فيها دليل من الكتاب والسنة أنها طاعة لله عز وجل. فقد يفعل الرجل الفعل وهو محرم ويظن أنه طاعة، ويظن أنه طاعة وهو أمر محرم لا يجوز. أحياناً مثلاً بعض الأمور قد تكون طاعة لمن يفعل، يعني ينظر إلى الشخص الذي يفعل معه. مثلاً باب التقبيل، قد يكون مثلاً في بعض الناس طاعة لله أنك تقبل مثلاً الطفل الصغير، الزوجة كذا، فهذا من باب ما يؤجر الرسول على تقبيله. لكن قد يكون هناك أناس لا يجوز لك أن تقبلهم في بعض الأماكن، مثلاً في الخد، لم يأتِ نهي لكن لم يأتِ ما يدل عليه. الآن إذا قبل الرجل طفله أو الرجل آخر قبل طفلاً فهذا يؤجر عليه، وهذا من الرحمة، مثل ما جاء في صحيح مسلم عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل الحسن والحسين، فقال الأقرع بن حابس التميمي: يا رسول الله، إن لي عشرة من الولد ما قبلت أحدهم. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة، ما أملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة». فهذا التقبيل يعتبر تقبيل طاعة ورحمة، عندما يرحم العبد أو يرحم الشخص الطفل يعتبر طاعة لله. لكن لو فعل هذا في بنت مثلاً بنت عشر سنوات، هذا خطأ، هذا يعتبر خطأ، قد يكون أيضاً إثم وليس طاعة. فلذلك لا بد أن يعرف أن هذا الفعل طاعة لله، يعرف أن هذا الفعل طاعة لله، فلذلك يكون نوراً من الله. قال: «ترجو ثواب الله»، وهذا الاحتساب أن يحتسب لله عز وجل الأجر، يحتسب الأجر عند الله عز وجل بهذه الطاعة، فهذا يكون تقوى، يكون تقوى لله. أولاً: يكون طاعة، وهذه الطاعة لها دليل عنده من الكتاب والسنة يعرف أنها طاعة، ثم بعد ذلك يخلص لله عز وجل، يرجو ثواب الله جل وعلا، ففعل هذه الطاعة يعتبر تقوى. كذلك أيضاً الجملة الأخرى: «وأن لا يعصي الله على نور من الله يخشى عقاب الله»، يخشى عقاب الله. أولاً يعرف أن هذه معصية فيجتنبها، يجتنب هذه المعصية لأنه يعرف أن هذه معصية تغضب الله، فلذلك قال: «على نور من الله»، عنده دليل على أن هذه معصية لا يجوز أن يقربها، ويرجو بعد ذلك أو يخشى عقاب الله جل وعلا إذا فعل هذه المعصية. هذه هي تقوى الله. وجاء ويذكر العلماء عن عمر، ذكره شيخ الإسلام وغيره، لكن لم يوجد في شيء من الكتب المؤلفة في الحديث، سواء المرفوعة أو الموقوفة، لم يوجد أنه عن عمر، لكن جاء عن أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه، جاء في هذا الأثر أن عمر قال لأبي بن كعب: ما هي التقوى يا أبي؟ فقال: يا أمير المؤمنين، أبررت بطريق فيها شوك؟ قال: بلى. قال: فما فعلت؟ قال: شمرت واجتهدت. فقال: فذلك التقوى. شمرت واجتهدت. على الإنسان لما يمر في طريق فيها شوك كيف يفعل؟ هل يضرب رجله في الشوك ولا يبالي؟ يتقي الأماكن التي ليست فيها شوك، يجتهد حتى لا يصيبه هذا الشوك. فالتقوى أنه لا يجعل شيئاً يصيبه من غضب الله جل وعلا. ﴿اتَّقُوا الْمَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ﴾. فلذلك فهذه التقوى في هذا الأثر، وقلنا أن هذا الأثر لا يصح ولا يوجد عن عمر، لكن وجد عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، لكن المعنى صحيح، المعنى صحيح، وقد أخذه بعض الشعراء في ذلك. طيب، أيضاً من هذا الباب ومن تعريف التقوى أن العلماء قسموا التقوى إلى قسمين: التقوى قسمت إلى قسمين، تقوى من فعل المأمورات وترك المنهيات، وهناك تقوى أعظم كما ذكر ذلك شيخ الإسلام وابن قيم وابن رجب أيضاً: تقوى الله عز وجل فعل المأمورات والمستحبات، وترك المنهيات والمكروهات، هذا أعظم. وذكر أيضاً السبكي وغيره أن تقوى الله عز وجل جاءت في الشرع على أربع مراتب. تقوى الله عز وجل جاءت في الشرع على أربع مراتب: المرتبة الأولى: اتقاء الشرك، وهذا في قوله جل وعلا في قصة ابني آدم: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾. هنا قال العلماء: إن التقوى المراد بها ترك الشرك، مادام أن الإنسان قدم لله عز وجل مخلصاً له فهذا الذي يتقبل، ومن أشرك مع الله عز وجل غيره في هذا القربان فهذا لا يتقبل. لو قال مثل الإنسان: هذه قربة أو ذبيحة لله ولفلان، مثل ما كان يفعل أهل الشرك، فهذه لا تقبل. فقال الله: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾، أي الذين أخلصوا لله. فالتقوى هنا المراد بها الإخلاص، فهذا الأول: اتقاء الشرك. الثاني: اتقاء الكبائر، ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾. قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ * وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾. فهذا غالباً في فعل الكبائر، فيتقي الله عز وجل. نعم، فهذه تقوى أيضاً للكبائر. وهناك تقوى للصغائر، وهي من باب المرتبة، أعظم من باب المرتبة، هي أعظم لأنه يتقي حتى الصغائر، يجتنب الصغائر لله عز وجل، ولأن الإنسان ما يتقي الصغائر إلا وقد اتقى الكبائر. إلا أن بعض الناس حصل مفهوم عندهم خطأ وانتكست فطرتهم، تجد أنه يتقي الصغائر ولا يتقي الكبائر. على سبيل المثال الخوارج، الخوارج يتورعون في أشياء بسيطة، لكنهم ما يتورعون في الدم، ولا يتقون الله عز وجل في دماء المسلمين، بل يقتلون كما يقال على دم بارد، ويقتلون أهل الإسلام ولا يتورعون. ومما يدل على هذا القصة التي ذكرها غير واحد من العلم، قصة عبد الله بن خباب رضي الله عنهما، لما مر على قوم من الخوارج، فقالوا له: أنت كافر. قال: لا، أنا مسلم، أنا مسلم من أصحاب رسول الله، أنا عبد الله بن خباب. فقالوا: أنت كافر ابن الكافر. قال: فقتلوه، وبقروا بطن زوجته على طعن، وكانت حاملاً، طعنوها حتى شقوا بطنها. ثم أنهم ذهبوا فوجدوا مستأنساً، فقالوا: والله لا نعطل هذا الشيء لأنه لا يحل لنا، يعني تورعوا في أخذ ثمرة، لكنهم لم يتورعوا في دم صاحب من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. انظر إلى هذه الانتكاسة. ومثل ما قال أيضاً عبد الله بن عمر رضي الله عنه لما سأله رجل عن قتل البعوض، أو عن دم البعوض، من أهل العراق، فقال له: من أين أنت؟ قال: أنا من العراق. قال: يا أهل العراق، تقتلون ابن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وتسألون عن دم البعوض؟ تقتلون الحسين بن علي، أو الحسن، أقصد ابن علي رضي الله تعالى عنه، وتسألون عن دم البعوض؟ على ذاك دمه هدر، وهذه دم البعوض تسألون عنها؟ فهذا يحصل الانتكاس، وإلا الأصل أن من اتقى الصغار الصغير فإنه سيتقي الكبار ولا شك. لكن كما قلنا أحياناً تحصل انتكاسة في الفطر، فلذلك اتقاء الصغير من أعظم التقوى. وأيضاً قد جاءت بها الأدلة المتكاثرة، ويدخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «اتق المحارم تكن أعبد الناس»، ويدخل في قول تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾، فحق التقوى أن يترك كل ما نهى الله عز وجل عنه. أيضاً الأمر الرابع والمرتبة الرابعة: أن يتقي المشتبهات. يتقي الشرك، يتقي الكبائر، يتقي الصغائر، يتقي المشتبهات. فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه. الشبهات هو شيء يشتبه عليه، ما يدري هل هو حرام وحلال، فيتقيه ويمتنع عنه لأجل أن لا يقع في الإثم. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام»، كأن الراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يرتع فيه. راعي يأتي بغنمه مكان مثلاً مزرعة لإنسان، فلا شك أنهم وإن كان فترة مثلاً في الحمى لا شك أنهم سيدخلون بعد ذلك ويأكلون مزرعة هذا الشخص. فلذلك فهذه الأربع المراتب التي ذكرها العلماء: اتقاء الشرك، اتقاء الكبائر، اتقاء الصغائر، اتقاء الشبهات. فهذا شيء ما يذكر في هذا المقام. إن شاء الله تعالى نكمل في الدرس اللاحق، والحمد لله رب العالمين.