كتاب الطهارة 28

الدرس في كتاب الطهارة 28، ألقاها

أدلة نجاسة الميتة والودي ودم الحيض

استدلال بالإجماع والأحاديث النبوية على نجاسة الميتة والودي ودم الحيض. تناولت هذه الفقرة الأدلة الشرعية على نجاسة هذه الأشياء.

كيفية تطهير النجاسات الطارئة

تطهير النجاسة يتم بزوال عينها، إما بغسلة واحدة للأرض أو بالغسل للثياب والأواني مع استثناءات مثل ولوغ الكلب. يبين هذا الفصل كيفية إزالة النجاسة من مختلف الأسطح.

تفاصيل تطهير أنواع النجاسات المختلفة

يشرح هذا الفصل الأحكام الفقهية لتطهير أنواع مختلفة من النجاسات مثل الكلب والخنزير وبول الغلام وجلد الميت ودم الحائض. يوضح عدد مرات الغسل المطلوبة لكل نوع.

أهمية الطهارة لصحة الصلاة

الطهارة من النجاسات في البدن والثوب والمكان شرط أساسي لصحة الصلاة. يجب على المسلم الاهتمام بتطهير النجاسات قبل أداء الصلاة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد: مضى معنا في الدرس الماضي المسألة الثانية من باب النجاسات وكيفية تطهيرها، ومر معنا الكلام على بول الآدمي وعذرته وقيئه، وأن القيئ ليس بنجس. وكذلك مر الكلام على الدم المسفوح، وكذلك بول وروث كل حيوان غير مأكول اللحم، وكذلك الميتة والمذي، وتقدم ذكر أدلة نجاسة ما ذكر بأنه نجس، وبيان عدم نجاسة ما لم يثبت بأنه نجس. بقي الميتة، قد يقول قائل: الدليل الذي استدل به على أن الميتة نجسة هو الدليل الذي استدل به على أن الدم المسفوح نجس، وقد تقدم أن بعض أهل العلم قالوا: بأن الضمير إنما يرجع إلى الخنزير فحسب، فما هو الدليل إذن على نجاسة الميتة؟ الجواب: أولًا الإجماع، فلا خلاف بين أهل العلم في أن الميتة نجسة. والثاني: مما يستدل به على نجاستها ما جاء في صحيح مسلم وغيره من حديث ابن عباس وميمونة في قصة شاة ميمونة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم حينما رأى تلك الشاة يجرونها، فقال: «هل لن تفعتم بها؟» فقالوا: يا رسول الله، إنها ميتة. فقال صلى الله عليه وسلم: «جاء في خارج الصحيح عندها بدوود وغيره: يطهرها الماء والقرض»، وفي رواية أخرى: «ذكاتها طهورها». وكذلك جاءت ألفاظ عامة: «إذا دبغ الإهاب فقد طهر». فقوله صلى الله عليه وسلم: «فقد طهر» يدل على أنه كان متنجسًا بالموت. طيب، والمذي قد تقدم الكلام عليه. بقي الأمر السادس، وهو الودي. قالوا: الودي هو ماء أبيض يخرج بعد البول، ومن أصابه فإنه يغسل ذكره ويتوضأ، ولا يغتسل. بمعنى أن خروج الودي نجس، وهو يخرج كما ذكر عقب البول، ومن خرج منه ذلك فإنه يغسل فرجه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة إن احتاج إلى شيء يوجب الطهارة. والودي نجس بإجماع، نقل غير واحد من العلماء أن الودي نجس. السابع: دم الحيض، كما في حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالت: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيض، كيف تصنع؟ فقال: «تحته، تحته، ثم تقرصه بالماء، ثم تنضحه، ثم تنضحه، ثم تصلي فيه». والحديث كما ذكر في الحاشية بأنه متفق عليه. وقوله صلى الله عليه وسلم: «ثم تقرصه»، قالوا في الحاشية: تحكه بطرف حجر أو عود، وتقرصه تدلكه بأطراف الأصابع والأظفار دلكًا شديدًا، وتصب عليه الماء حتى يزول حتى يزول عينه وأثره. فأشهد من هذا أن الحيض نجس، لذا كما ترون في هذا الحديث بيّن النبي صلى الله عليه وسلم كيفية التطهير من الحيض إذا وقع في الثوب. والحيض كذلك نجس بإجماع، لا خلاف بين أهل العلم في نجاسة الحيض. المسألة الثالثة: كيفية تطهير النجاسة، أي إذا علم ما هي النجاسات، بقي ما هي الكيفية التي تطهر هذه النجاسات؟ والكلام ها هنا على النجاسات الطارئة، وهي المعبر بها عند الفقهاء بالطهارة الحكمية. وأما الطهارة الحقيقية أو الذاتية أو العينية، فكما مر معنا بأنها لا تطهر بالمطهرات. لكن بقي مسألة، وهي: بالنسبة للنجاسة العينية، هل يمكن تطهيرها؟ الجواب: كما تقدم أنه لا يمكن تطهيرها. لكن بقي مسألة، وهي: إن استحالت هذه العين النجسة، فتغيرت وخرجت عن حقيقتها إلى حقيقة أخرى وإلى معنى آخر، مثلا: بول كان في التراب، فجاءت الشمس فضربت هذا البول حتى تلاشى وذهب أثره، هل يقال: ما جاء نجسًا أم يقال: استحال حتى ذهب أثره؟ الجواب الصحيح من أقوال أهل العلم أن الاستحالة مطهرة؛ لأن النجاسة خرجت عن حقيقتها وعن ماهيتها إلى حقيقة أخرى وإلى ماهية أخرى. فنرجع إلى مسألتنا، وهي كيفية تطهير النجاسة. والمراد كما سمعتم بالنجاسة الحكمية، وضابطها هي الطارئة على الشيء الطاهر. النجاسة الطارئة على الشيء الطاهر هي النجاسة الحكمية. قالوا: إذا كانت النجاسة في الأرض والمكان، فهذه يكفي في تطهيرها غسلة واحدة تذهب بعين النجاسة، فيصب عليها الماء مرة واحدة؛ لأمره صلى الله عليه وسلم بصب الماء على بول الأعرابي الذي بال في المسجد، كما في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه وأرضاه. هذه الحالة الأولى، وهي إذا كانت النجاسة في الأرض والمكان، فهذا يكفي في تطهيرها غسلة واحدة. وهذا قد نتصوره في أمور، مثلا في أرض تراب، مثل ما كان مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، جاء عرابي فبال، ماذا يصنع في هذه الحال؟ يصب فوق ذلك المكان أو الموضع الذي بال فيه ذلك البائل ماء حتى يظل أنه قد استوعب ذلك المكان بالماء، فهذا كاف في تطهيره. بقي إذا كان المكان مثل ما هو اليوم عليه من المساجد، يعني فيها الفرش وما شابه ذلك، فبماذا تطهر؟ كذلك تطهر بالماء ونحوه مما يزيل عينها، إما بالدلك، يعني يحتاج إلى ماء ودلك حتى تذهب أثر تلك النجاسة من بول ونحوه. فالعبرة بزوال عين تلك النجاسة. قالوا: الثاني: إذا كانت النجاسة على غير الأرض، كأن تكون في الثوب أو في الإناء، فإن كانت من كلب ولغ في الإناء، فلابد من غسله سبع غسلات، إحداهن بالتراب؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا أولاهن بالتراب». قالوا: وهذا الحكم عام في الإناء وغيره، كالثياب والفرش. لكن الحاصل أن الكلام يعني فيه شيء من النقص؛ لأن قولهم: «فإن كانت» هذه يؤتى بها للفعدات، يعني ينبغي أن يقال: «فإن كانت من كلب فغسلها سبع مرات»، وإن كانت من غير الكلب. واضح، جماعة، فقولهم: «فإن بقي وإن» واضح هذا. يعني الآن الحكم كان على ما ذعل نجاسة الكلب إذا ولغ الكلب في الإناء. بقي غير الكلب من النجاسات إذا أصابت الثوب أو أصابت الفرش، فما حكمها؟ ها هنا مسكوت عليه، واضح جماعة. وهذا الحكم عام في الإناء وغيره، كالثياب والفرش. فنجعل هذا الأمر، فنرجع إلى مسألتنا، المهم أنه إذا كانت النجاسة على غير الأرض، كأن تكون في الثوب أو في الإناء، فتطهر بالغسل ونحوه، واضح جماعة. تطهر بالغسل، ويكتفى بالغسلة الواحدة فيها. فإن كان سيلك النجاسة من كلب، أي من ولوغ الكلب، يأتي الحكم الآخر، وهو أن الكلب إذا ولغ في الإناء، فإنهم يغسلون ذلك الإناء سبع مرات، أولاهن بالتراب. هذا هو الصحيح في هذا الحكم، أي في مسألة ولوغ الكلب. بمعنى أن الكلب إذا ولغ في الإناء، ما الحكم؟ الحكم أن يغسل ذلك الإناء سبع مرات، أولاهن بالتراب. هذا الصحيح من أقوال أهل العلم، وفي المسألة خلاف مشهور. لحديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسلوا سبع مرات أولاهن بالتراب». بقي مسألة في هذه المسألة، وهي: هل تعد الغسل بالتراب ضمن هذه سبع الغسلات أم تكون زائدة على سبع الغسلات؟ يعني يغسل الأولى بالتراب الإناء، ثم الغسل الأولى والثانية والثالثة إلى أن يصل إلى سبع، أو أن يوصل إلى ثمان؟ خلاف بين أهل العلم، والذي رجحه طائفة من المحققين، كالعلامة الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى في «نيل الأوطار»، إلى أن التراب تكون واحدة قبل السبع. واستدل على ذلك بما رواه مسلم في صحيحه من حديث معقل بن يسار، وذكر الحديث: «إذا شرب الإناء في إناء حديث، فليغسلوا سبع مرات أو فغسلوا سبع مرات، وعفروه الثامنة بالتراب». فهذا الحديث يبين أن التراب غسلة زائدة على بقية الغسلات السبع. قالوا: وهذا الحكم عام في الإناء وغيره، كالثياب والفرش. هذا الحكم الإشارة عائدة إلى ماذا؟ الأظهر والله أعلم أنها عائدة إلى الكلب، أي إلى نجاسة الكلب. فيقولون: هذا الحكم عام في الإناء، والإناء النص فيه واضح، وقولهم: «وغيره كالثياب والفرش» فيه نظر؛ وذلك لأن الحديث جاء مقيدًا بالإناء، والأصل في الدليل أنه إذا ورد مقيدًا فإنه لا يطلق. فإذا لعق الكلب ثوب أحد الناس أو لعق يده أو قدمه أو ما شابه ذلك، يكفي أن يغسله مرة واحدة. وإنما التسبيع في الإناء. والله تعالى أعلى وأعلم. قالوا: أما نجاسة الخنزير، فالصحيح أنها كسائر النجاسات، يكفي غسلها مرة واحدة تذهب بعين النجاسة، ولا يشترط غسلها سبع مرات. وهذا هو الصحيح أن الخنزير إذا شرب من الإناء، فلا يفعل به ما يفعل بالكلب. إذا لعق الإنسان أو ثوب الإنسان أو ما شابه ذلك، يكفي في ذلك أن يغسل الإناء أو اليد إذا لعقها، أو الثوب إذا لعقه، يكفي أن يغسله مرة واحدة حتى تزول تلك النجاسة. قال: وإن كانت النجاسة من البول والغائط والدم ونحوها، فإنها تغسل بالماء مع الفرك والعصر حتى تذهب وتزول، ولا يبقى لها أثر. ويكفي في غسلها مرة واحدة. قالوا: ويكفي في تطهير بولي الغلام الذي لم يأكل الطعام النضح، وهو رشه بالماء؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «يغسل من بولي الجارية، وينضح من بولي الغلام». وهذا كما جاء في سنن أبي داود وغيره. قالوا: أما جلد الميت مأكولة اللحم، فإنه يطهر بالدباغ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «أيما إهاب دبغ فقد طهر». وقد تقدم أن صحيحًا من أقوال أهل العلم رحمهم الله تعالى أن الحديث على عمومه، «أيما إهاب دبغ فقد طهر»، سواء كان الجلد جلد مأكول اللحم أو غير مأكول اللحم. قال: ودم الحائض تغسله المرأة من ثوبها بالماء، ثم تنضحه، ثم تصلي فيه؛ كما تقدم قريبًا في حديث أسماء بنت أبي بكر. قالوا: فعلى المسلم أن يهتم بالطهارة من النجاسات في بدنه ومكانه وثوبه الذي يصلي فيه؛ لأنها شرط لصحة الصلاة، ولا سيما تطهير الثوب. كما ذكر على المسلم أن يهتم بالطهارة من النجاسات في بدنه، وكذلك في المكان يجب عليه أن يطهر المكان الذي يريد أن يصلي فيه، وكذلك في الثوب، إذا أصابه شيء من النجاسة، فإن الواجب عليه أن يطهر ذلك الثوب إذا أراد الصلاة. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على