الدرس في التقوى فائدة الصيام الكبرى 11، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبيّن هذا المحور معنى معية الله الخاصة للمتقين وتميزها عن المعية العامة، موضحاً أنها تتجلى في النصر والتأييد والحفظ والنجاة من الضيق، مستدلاً بمواقف النبي صلى الله عليه وسلم في الغار وحنين والصوت بالمدينة التي منحت المؤمن الشجاعة والثبات.
يسرد هذا المحور تفاصيل نصر الله لنبيه والمؤمنين في غزوة حنين رغم الكمين، مؤكداً أن أولياء الله الذين آمنوا واتقوا لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وأن التقوى تجلب الحفظ من كيد الأعداء والنجاة من العذاب مع نزول الملائكة للتثبيت والتأييد.
يستعرض هذا المحور ثمرات التقوى العاجلة في الدنيا، منها حفظ الله لذرية المتقي كما في قصة الغلامين بسورة الكهف، وبشارة المؤمن بالرؤيا الصالحة وحب الناس، وتيسير الله لأموره وإخراجه من الضيق ونصره عند الشدائد.
يختتم الدرس بتأكيد حفظ الله للمتقين في كل أمورهم وتيسير العسير عليهم ونجاتهم من الشدائد، مع الدعاء بأن يجعل الله المستمعين من أهل التقوى والهدى والعفاف والغنى.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فمن ثمار وخوائد تقوى الله جل وعلا أيضاً: أن الله عز وجل ينصر ويؤيد ويحفظ أهل التقوى، أن يكون معهم بتأييده وبنصره سبحانه وتعالى، وكذلك بحفظه يدافع عنهم جل وعلا ويحفظهم بحفظه سبحانه وتعالى، وأيضاً ينجيهم من كل ضائقة. هذه كلها متصلة بعضها ببعض. ربنا جل وعلا يقول: ﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ﴾، ويقول: ﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾. وأيضاً يقول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ﴾. فالمتقي لا يضره كيد الكفار وكيد غيرهم، ما دام أنه متقٍ لله جل وعلا، فهو يحفظه أينما كان، وينصره ويؤيده. هذه المعية ﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾، هذه معية خاصة. معلوم عند العلماء أن معية الله جل وعلا على قسمين: معية عامة لكل أحد، لكل مخلوق، فالله عز وجل معه في قدرته وعلمه، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾، ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾. فربنا جل وعلا مع كل مخلوق، هذه سُميت معية عامة، وهذه معية الإدراك والعلم: ﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾. وهناك معية خاصة، وهي معية التأييد والنصرة والحفظ، مثل هذه الآية: ﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ﴾، مثل قول الله جل وعلا على لسان نبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ﴾، عندما كان في الغار، إذ يقول لصاحبه: «لا تحزن إن الله معنا»، معنا بحفظه وتأييده ونصرته جل وعلا. فلذلك فالمؤمن يعلم، والمتقي يعلم، أن الله عز وجل معه، وأنه يحفظه. فلذلك تجد أن المؤمن غالباً يكون شجاعاً مقداماً، ما يكون فيه جبن، ولا فيه خور، ولا غيرها من هذه الأمور، لأنه يعلم أن الله عز وجل حافظه، وأن الله عز وجل ناصره مؤيده. ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام مقداماً شجاعاً عليه الصلاة والسلام، سواء كان في حرب أو في غيره من الأشياء المفزعة التي قد يجزع غيرها عنها، فكان النبي عليه الصلاة والسلام مقداماً. لما حصلت الوقعة، الصوت الكبير الذي سمعه أهل المدينة، لا يدرون ماذا حصل، فخرج الناس للصوت، فرأوا النبي عليه الصلاة والسلام راجعاً من مكان الصوت، وهو يقول: «لم تراعوا، لم تراعوا»، أي: لا تخافوا. ولما كان في حنين، رجع الناس، كان النبي عليه الصلاة والسلام يتقدم بناقته، ويقول: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب». وكان أبو سفيان ابن عمه يقود ناقته ويرجعها، وخافت أن يمسها الأعداء أو تكون قرب الأعداء، فكان يرجعها، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقضل، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم للعباس: «يا عباس، نادي في أصحاب الشجرة»، فنادى فيهم، فكأنها عشار عطفت على ابنها، لما سمعوا الصوت رجعوا. ومعلوم أن غزوة حنين كانت فيها مكيدة من هوازن وثقيف، وعملوا مثل المصيدة للصحابة، أول ما دخلوا الوادي رموهم بالنبل جميعاً، فلذلك رجع كثير من الصحابة، وما بقي مع النبي عليه الصلاة والسلام إلا القليل. فالمهم أن الله عز وجل يحفظ أولياءه وينصرهم ويؤيدهم، كما قال الله عز وجل: ﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴾، الذين آمنوا وكانوا يتقون، هؤلاء الذين يحفظهم الله عز وجل ويؤيدهم وينصرهم، وهم أولياء الله، أولياؤه أي الذين ينصرهم الله. فلذلك فالمتقي لا يخاف، فالله عز وجل معه، وأيضاً لا يخاف من شدائد الدنيا، فربنا جل وعلا يحفظه، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ﴾. فهذا أيضاً من الأمور العظيمة التي تحصل بتقوى الله جل وعلا. بل ربنا جل وعلا ينجي العبد المؤمن المتقي من كل ضائقة، ومن كل شدة في هذه الحياة الدنيا، بل ينجيهم حتى مما يقع من العذاب العام. فما ذكر ربنا جل وعلا في آيات كثيرة، عندما يذكر العذاب، يذكر أنه نجى عباده المؤمنين المتقين: ﴿ وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴾، نجاهم الله عز وجل من عذابه، لأنهم هم على تقوى وعلى خير، فحفظهم الله عز وجل ونجاهم من ذلك العذاب العام الذي عمّ، الذي عمّ كثيراً من الكفار، فأخرج الله عز وجل ونجى الله عز وجل أهل التقوى وأهل الإيمان. ولما ذكر نبي الله يونس، وذكر أنه نجاه من الغم، قالوا: ﴿ كَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾. فالله عز وجل حافظ دينه، وحافظ عباده المؤمنين المتقين. وأيضاً كذلك يبشرهم بالخير، يبشرهم بكل خير في هذه الحياة، وهذه البشارة هي الحفظ في الدنيا، وأيضاً الاهتداء في الدنيا. يقول الله عز وجل: ﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ﴾، لهم البشارة في الحياة الدنيا وفي الآخرة. وأيضاً في قول الله جل وعلا: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ﴾. فتبشرهم الملائكة وهم في الدنيا، كما ذكر مفسرون، رحمة الله عليهم. وهنا قال الله عز وجل في هذه الآية، آية يونس: ﴿ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ﴾. بماذا يبشرهم الله عز وجل في الحياة الدنيا؟ يبشرهم بالحفظ، وحفظ الذرية والأولاد. ولهذا جاء في آية فصلت: ﴿ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ﴾. نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة، نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا، أي: نصراؤكم ومؤيدوكم وحافظون لكم. فلذلك يقول الله عز وجل: جزاء لمن حفظ دينه أنه يحفظ ذريته. ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ﴾، أنه كرامة لهم ألحق ذريتهم معهم. وفي سورة الكهف، لما ذكر الله عز وجل الغلامين، معنى الجدار، فقال: ﴿ وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ﴾. فقال ابن عباس في قوله جل وعلا: ﴿ وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا ﴾، قال: هنا المراد بالأب هو الجد، وهو الجد السابع، أنه يقول: أن جدهم السابع كان صالحاً، فحفظ الله عز وجل كنز هؤلاء الأبناء والأيتام بسبب صلاح جدهم وتقواه. فلذلك فأهل التقوى يحفظهم الله جل وعلا، وينجيهم من فتن الدنيا، وأيضاً يبشرهم بالخير في هذه الحياة. فالمؤمن التقي له بشارة في هذه الحياة، إما بشارة بالرؤية الصالحة، وإما بالثناء الجميل، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تلك عاجل بشارة المؤمن»، يشهد له أهل الخير، كما ذكرنا بالأمس، يشهد له أهل الخير بالصلاح والتقوى، وأيضاً يحبونه. فهذا كله مما يعطيه الله عز وجل لأهل التقوى في هذه الحياة. وأيضاً من هذا الباب: تيسير أمورهم، تيسير أمورهم في الدنيا، يسر الله عز وجل عنهم كل شديد وكل عسير. فكما قال الله عز وجل: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ ﴾، وقال الله عز وجل: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ﴾، ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ﴾. وكذلك أيضاً الآية التي ذكرها الأستاذ شاكر، رحمة الله عليه: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ﴾، أي: من كل ضيق، ومن كل شدة، شدة، فيسر له العسير. في الآية الأخرى، كما قلنا، قال: ﴿ وَيَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ﴾، يسر له أموره. ولهذا لما قال الله عز وجل: ﴿ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴾، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ﴾. إذا فرغت فانصب، أي: أنصب واعمل لربك، اعمل الصالحات، وإلى ربك فارغب، أي: أخلص عباداتك لله جل وعلا. فإن العبد يسر له، المتقي يسر له العسير، فيأتيه اليسر بعد العسر، يأتيه اليسر بعد العسر في كل شدة، حتى الشدائد العظيمة، كما قال الله عز وجل: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ﴾. وقال الله عز وجل: ﴿ حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴾. فلذلك فربنا جل وعلا يسر أمورهم، ويحفظهم، وينجيهم، وكذلك يكون معهم بتأييده ونصره سبحانه وتعالى. هذا كله من ثمار تقواه جل وعلا. فالمتقي، ربنا جل وعلا هو الذي يحفظه، حفظه الله سبحانه وتعالى في كل أمر، فيسر له العسير، وينجيه من الشدائد، ويحفظه من الغوائل، وغير ذلك مما يكون مما ذكرناه في هذه الثمار العظيمة التي يجعلها الله عز وجل لأهل تقواه، ولأهل الصلاح الذين أصلحوا أنفسهم وأصلحوا ذريتهم بإذن الله جل وعلا. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من أهل التقوى وأهل الصلاح، فنسأله سبحانه وتعالى الهدى والتقى والعفاف والغنى. والحمد لله رب العالمين. شكراً