التقوى فائدة الصيام الكبرى 10

التقوى فائدة الصيام الكبرى 10

الدرس في التقوى فائدة الصيام الكبرى 10، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

ثمار التقوى في الدنيا: جماع الخير وقبول الأعمال

التقوى هي غاية الصيام وجماع كل خير في الدنيا والآخرة، ومن ثمرتها قبول الأعمال عند الله. يستدل المحاضر بالآيات والأحاديث وأثر الصحابة في حرصهم على قبول عباداتهم.

التقوى ميزان قبول الأعمال ومحبة الله لأهلها

التقوى تُعد المعيار لقبول الأعمال، فالعمل الخالي منها لا يُقبل حتى لو بدا صحيحاً ظاهرياً. ومن ثمراتها أن الله يحب المتقين، وهذه المحبة تورث محبة الملائكة والصالحين في الأرض.

محبة المتقين في الله وأثرها في الدنيا والآخرة

المحبة النافعة يوم القيامة هي محبة المتقين لله وحده لا لغرض دنيوي، مستدلاً بآية الأخلاء وحديث حلاوة الإيمان. يجب تقديم محبة الله ورسوله على كل محبة، وإجلال العلماء وحملة القرآن، فمن رضي الله بسخط الناس كفاه الله وأرضى عنه الناس.

الخاتمة والتفويض لعلم الله

يختتم المتحدث المجلس معلناً الاكتفاء بما طرح، ويختم بقوله "والله تعالى أعلم" تفويضاً للعلم المطلق لله. بذلك يُغلق الدرس بتواضع وإقرار بعلم الله الواسع.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فإن شاء الله تعالى نأخذ في موضوعنا في تقوى الله جل وعلا، وأنها غاية الصيام. فأنا آخذ ثمرات وفوائد التقوى، وهي كثيرة جداً، وهذه الثمرات أو الفوائد أو النتائج والثواب، غير ذلك من أثر هذه التقوى، يقسم إلى قسمين: فوائد وثمار تكون في الدنيا، وثمار تكون في الآخرة. ثمار في الدنيا، وثمار في الآخرة. فنذكر إن شاء الله تعالى أولاً الثمار التي تكون في الدنيا، ثم نذكر الثمار التي تكون في الآخرة. فأولاً: تقوى الله عز وجل هي جماع كل خير، جماع كل خير بتقوى الله سبحانه وتعالى. من أراد خيري الدنيا والآخرة فعليه بتقوى الله، من أراد رأس كل شيء في الدنيا والآخرة فعليه بتقوى الله، فهي الموصلة إلى رضا الله عز وجل في الدنيا والآخرة. وأيضاً ثمارها كثيرة، فلذلك فهي جماع الخير. أخرج الطبراني رحمه الله من حديث أبي سعيد، والحديث صحيحه الألباني رحمة الله عليه، أن النبي عليه الصلاة والسلام جاءه رجل وقال: يا رسول الله أوصني، فقال: «عليك بتقوى الله فإنها جماع كل خير، عليك بتقوى الله فإنها جماع كل خير». ورواه أحمد أيضاً بإسناد حسن، لكن قال: «عليك بتقوى الله فإنها رأس كل شيء، عليك بتقوى الله فإنها رأس كل شيء»، أي رأس كل شيء من الخير. فلذلك فتقوى الله هي جماع الخير، أو جماع خيري الدنيا والآخرة. فالخير الذي يتحصله العبد إنما يكون بتقوى الله جل وعلا. أيضاً كذلك من الثمار العظيمة التي تكون في الدنيا، أي ينتفع بها أي بتقوى الله في الدنيا قبل الآخرة، من ذلك: قبول الأعمال. قبول الأعمال؛ فإن الأعمال تقبل عند الله عز وجل من المتقين، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾. والمتقون هنا هم أهل الإخلاص والعمل. أنا هنا المراد بالتقوى هي الإخلاص مع العمل. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾. ألا في الحج، الله عز وجل لا يناله اللحم والدم، وإنما يناله التقوى، أي هذا الذي يجزي عليها ويقبل أعمالكم بتقوى الله جل وعلا. فمن اتقى الله في عمله، أي أخلص هذا العمل وأتى به بما شرع الله، فإن هذه هي التقوى. فلذلك قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾. أن يأتي بها ويعمل بتقوى الله جل وعلا بإخلاص وعمل. فلذلك فهي علامة على قبول الأعمال. تقوى الله جل وعلا، المتقي يقبل الله عز وجل أعماله. ولا شك أن الإنسان لا يعرف هل قبل منه أو لا. فلذلك كان الصحابة رضي الله عنهم كما في أثر العلاء أو ابن المعل، كان يقول: أن أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام يدعون ستة أشهر أن يبلغهم الله رمضان، فإذا بلغوا دعوا الله ستة أشهر أن يتقبله منهم، أن يتقبله منهم. وأخرج البيهقي وأبو نعيم في الحلية عن عبد الله بن عمر أن سائلاً دخل عليه، أو ضرب عليه الباب، فقال عبد الله بن عمر لابنه: أعطه درهماً، فأعطاه درهماً. ثم قال هذا الابن لأبيه: قال: هنيئاً لك يا أبتِ الأجر عند الله. فقال: يا بني، والله ما أدري هل يتقبل الله عز وجل مني، فإني لو علمت أن الله عز وجل تقبل مني سجدة، خير لي من الدنيا وما فيها. ثم قال: لا تعلم ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾. فالتقوى ميزان العمل، أو ميزان قبول العمل. التقوى ميزان قبول العمل. فالعمل إذا لم يتق الله عز وجل فيه العبد، فإنه عمل غير صحيح، لا يقبله الله. أقصد: لا يقبله الله. ليس أنه غير صحيح، فقد يصلي العبد والله عز وجل لا يتقبل هذه الصلاة، قد يصوم ولا يتقبل الله صيامه. لماذا؟ لأن فيه خللاً، ومن ذلك عدم تقوى الله عز وجل في هذا الصيام والصلاة. من ذلك مثلاً: يريد أن يتخلص من العبادة، أنها كأنها ثقل في نفسه وفي تفكيره، المهم أنه يريد يتخلص منها، أو أنه يفعل ذلك إرضاء لأبيه أو إرضاء لفلان وفلان، ولا يفعلها لله وتقوى لله جل وعلا. فلذلك فتكون العبادة غير مقبولة لأنها ليس فيها تقوى الله. فتقوى الله هي ميزان قبول الأعمال. أيضاً كذلك من هذه العثار العظيمة والثمار العظيمة في تقوى الله جل وعلا: أن الله يحب أهل التقوى. الله عز وجل يحب أهل التقوى، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾. والله يحب المتقين في آيات كثيرة في القرآن، ذكر الله عز وجل أنه يحب المتقين. فمحبة الله عز وجل لأهل التقوى تورثهم محبة الملائكة ومحبة صالحي العباد. في الحديث الذي حديث أبي هريرة: إن الله عز وجل إذا أحب عبداً نادى جبريل وقال: يا جبريل، إني أحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل، وينادي في الملائكة: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبونه، ثم يوضع له القبول في الأرض، ثم يوضع له القبول في الأرض. ولهذا ثبت عن عبد الله بن عمر في الحلية لأبي نعيم، وأيضاً أخرجه أبو داود ضمن حديث، أن ابن عمر قال لرجل يوصيه: اتق الله وصل رحمه، أو قال: من اتق الله ووصل رحمه، ينسأ له في أجله، ويثرى له ماله، ويحبه أهله. يثرى له ماله، ويحبه أهله، وأن يوضع له القبول في بيته: أولاده، زوجته، إخوانه يحبونه، يحبونه. مع أنه كما يقال، كما قال: «يحب أبي، كثير أزهد الناس في العالم أهله، أزهد الناس في العالم أهله». لكن بتقوى الله جل وعلا يدخل الله عز وجل المحبة في قلوب عباده. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَانُ وُدًّا﴾. قال مجاهد وغيره: سيجعل لهم الرحمن وداً، أن يجعل لهم محبة عند الخلق، سيجعل لهم محبة عند الخلق. والمراد بهم أهل الطاعة الذين يحبونهم، أهل الطاعة. ليس كلهم، لأن غالباً الكفار، وكذلك عصاة المسلمين، تجد أنهم غالباً يبغضون أهل الطاعة، غالباً يبغضون أهل الطاعة، من باب الحسد، من باب الحسد والتطير وغير ذلك. وأيضاً يحبون أن يكونوا مثلهم، مثل ما ذكر الله عز وجل عن اليهود: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾. فلذلك قال العلماء: أن الذي يوضع له القبول، يوضع له قبول قلوب الصالحين. لأن الله عز وجل ما جعل نبياً ولا عبداً صالحاً إلا جعل له أعداء من شياطين الإنس والجن، فعل لهم أعداء من شياطين الإنس والجن. فلذلك فالذي يحبهم أهل الصلاح، يحبون أهل التقوى، فيوضع له القبول في الأرض. فلذلك فالمتقي يحبه الله، ويحبه الملائكة، ويحبه أيضاً عباد أهل الأرض. ولهذا كانت المحبة في الله جل وعلا بين أهل التقوى والإخلاص، وبين أيضاً من يحب الله جل وعلا. فلذلك كانت من علامات المحبة: محبة الله جل وعلا، الحب في الله، من علامات المحبة: الحب في الله. لأن الناس إنما يحبون للأغراض، يجعل الإنسان خليلاً له في الدنيا ليس لأجل الله. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾. أهل التقوى هم أهل المحبة في الدنيا، المحبة في الله. فلذلك ينجون يوم القيامة، هذه المحبة تنفعهم يوم القيامة. في حديث أنس في الصحيحين، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ثلاث من كن فيه ذاق حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، أو أن يحب المرء لا يحبه إلا لله، ما يحبه لدنيا ولا يحبه لشيء من أغراض الدنيا من الشهوات وغيرها، وإنما يحبه لله، رآه على صلاح، رآه على خير، فأحبه لخيره ولصلاحه ولتقواه». فهذه هي المحبة التي تنفع، وهي محبة المتقين. ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾. فلذلك يضع الله عز وجل القبول في الأرض من عباده الصالحين لهذا العبد، فيحبونه في الله. الآن العلماء، علماء السنة، نحن نحبهم في الله عز وجل، لما لهم من أثر في الخير والدعوة وتعليم الناس، وأيضاً ما يقومون به من المدافعة عن دين الله جل وعلا. كل ذلك يجعل المؤمن يحبهم، وأيضاً يجلهم ويحترمهم، ويجعل لهم مكانة. فما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويوقر كبيرنا، ويعرف لعالمنا حقه». ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويوقر كبيرنا، ويعرف لعالمنا حقه. وأيضاً قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم، والحامل للقرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، والسلطان المقسط». من إجلال الله، من تعظيم الله عز وجل وإجلاله سبحانه وتعالى، كما جاء في حديث ابن مسعود، هذا وهو حديث صحيح، أخرجه أحمد وابن حبان. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم، والحامل للقرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، والسلطان أو ذو السلطان المقسط». أي العادل. فهذا كله كما قلنا من محبة أهل التقوى وصلاحه، فيضع الله عز وجل لهم القبول والمحبة بعد محبته، وهي أعظم. فإن محبة الله عز وجل تكفي للعبد، ولو لم يرضَ عنه الخلق جميعاً. وفي الحديث الذي حسنه بعض العلماء، وبعضهم يعله بالانقطاع، أن عائشة: «أن من أرضى الله عز وجل بسخط الناس، رضي الله عز وجل عنه، وأرضى عنه الناس. ومن أرضى الناس بسخط الله، رضي الله عز وجل عنه، وأرضى عنه الناس. ومن رضي الناس بسخط الله، سخط الله عز وجل عليه، وأسخط عليه الناس». معنى الذي يرضي الناس، يريد أن يرضي الناس، ولو كان في معصية الله، ولو كان مخالفاً لشرع الله، المهم أنه يرضي الناس. وهذا أحياناً تأتي به العاطفة، ويأتي به أيضاً أحياناً قلة الدين، بحسب المرء. أحياناً يكون الرجل عنده تقوى، لكن يستحي كثيراً ويخجل، حتى أنه قد يفعل المنكر بسبب إرضاء الناس. فلذلك جاء في الحديث: «من أرضى الناس بسخط الله، سخط الله عز وجل عليه، وأسخط عليه الناس». ما استفاد، هو يريد رضا الناس، لكن الله عز وجل يجعل له العكس. ولهذا المتقين الله جل وعلا يرضي الله سبحانه وتعالى، ويقدم رضا الله على رضا غيره، يقدم رضا الله على رضا غيره. كما قال في الحديث: «أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما»، لا يقدم على الله ورسوله أحداً أبداً. يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين، حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين». فهذه المحبة الصحيحة، وهذه التقوى التي ينال بها العبد محبة الله جل وعلا. فإن شاء الله تعالى نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.