من صحيح القصص النبوي 10

من صحيح القصص النبوي 10

الدرس في من صحيح القصص النبوي 10، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

زواج جليبيب رضي الله عنه واستشهاده

عرض النبي ﷺ جليبيباً للزواج من فتاة أنصارية، فرفضت أمها أولاً لكن البنت استجابت لأمر النبي ﷺ مستشهدة بآية الطاعة، فزوجها النبي ﷺ ودعا لها بالبركة. استشهد جليبيب لاحقاً بعد أن قتل سبعة من الكفار، فحمله النبي ﷺ على ساعديه ودفنه بيده قائلاً: «هذا مني وأنا منه».

مكانة التقوى وطاعة النبي ﷺ في قصة جليبيب

تبرز القصة كيف رفع الإسلام جليبيباً رغم فقره وضعف نسبه بفضل إيمانه وجهاده، مؤكدة أن الكرامة عند الله بالتقوى لا بالمال أو النسب. كما تظهر عناية النبي ﷺ بأصحابه وطاعة الصحابة لأمره حتى في الأمور الشخصية.

معايير اختيار الزوج الصالح في السنة النبوية

أوصى النبي ﷺ باختيار صاحب الدين والخلق حتى لو كان فقيراً أو بلا نسب، على حساب من يملك المال والنسب لكنه يفتقر إلى الخلق والدين. وهذا التوجيه النبوي هو المعيار الأهم في اختيار شريك الحياة لضمان السعادة والاستقرار.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله محمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فمن صحيح القصص النبوي ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي برزة الأسلمي رضي الله تعالى عنه قال: إن جليبيباً كان من الأنصار، وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان لأحدهم أيم لم يزوجها حتى يعلم: أللنبي صلى الله عليه وسلم فيها حاجة أم لا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم لرجل من الأنصار: «زوجني ابنتك». فقال الأنصاري: نعم ونعمة عين. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لست لنفسي أريدها». فقال الأنصاري: لمن؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لجليبيب». قال الأنصاري: حتى أستأمر أمها. قال: فأتىها فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب ابنتك، يخطب ابنتك. فقال زوجة الأنصاري: نعم ونعمة عين، زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال الأنصاري: إنه ليس يريدها لنفسه. قالت زوجة الأنصاري: لمن؟ قال الأنصاري: لجليبيب. قالت امرأة الأنصاري: حِقّاً، أجليبيب؟ إنيه مرتين. لا، لعمر الله، لا أزوج جليبيباً. قال: فلما قام أبوها ليأتي النبي صلى الله عليه وسلم، قالت الفتاة لأمها من خدرها: من خطبني إليكما؟ قالت أمها: النبي صلى الله عليه وسلم. قالت الفتاة: فتردون على النبي صلى الله عليه وسلم أمره؟ ادفعوني إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه لا يضيعني. فأتى أبوها النبي صلى الله عليه وسلم فقال الأنصاري: شأنك بها. قال: فزوجها جليبيباً. إلى هنا هذا الحديث في مسند الإمام أحمد، وقال شعيب الأرنؤوط: إن إسناده صحيح. وتكملة لهذا الحديث جاء أيضاً في صحيح مسلم. تتمة لهذا الحديث جاء أيضاً في صحيح مسلم، قوله: أي أبو برزة الأسلمي، فبينما النبي صلى الله عليه وسلم كان في مغزى له فأفاء الله عليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «هل تفقدون من أحد؟» قالوا: نعم، فلان وفلان وفلان. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هل تفقدون من أحد؟» قالوا: نعم، فلان وفلان وفلان. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هل تفقدون من أحد؟» فقالوا: لا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لكني أفقد جليبيباً، فاطلبوه». قال: فطلب في القتلى فوجدوه إلى جنب سبعة قد قتلهم ثم قتلوه. فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فوقف عليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «قتل سبعة ثم قتلوه، هذا مني وأنا منه، هذا مني وأنا منه». قال: فوضعه على ساعديه، ليس له إلا ساعدا النبي صلى الله عليه وسلم، فحفر له ووضع في قبره، ولم يذكر غسلاً. هذا الحديث نأخذ معناه وما تيسر من فوائده وكذلك مسائله. في هذا الحديث يبين فيه الراوي وهو أبو برزة الأسلمي أن جليبيباً كان من الأنصار، وجاء في ترجمته أنه من بني ثعلبة وهو حليف للأنصار، وكان فقيراً وقصيراً وذميماً. فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما رأى حاجته إلى الزواج أراد أن يعينه على ذلك. وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان لأحدهم أيم، والأيم هي المرأة التي لا زوج لها، وهي مفرد «أيام» التي ورد في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ﴾ [النور: 32]، والصالحين من عبادكم وإمائكم، إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله. فكان الصحابة إذا أحد معه بنت لا زوج لها لا يزوجونها حتى يأتون إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لعل به رغبة أو لعل له رغبة في زواج هذه المرأة وله حاجة، عليه الصلاة والسلام. فعلم النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلاً من الأنصار معه بنت، فذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا الأنصاري وقال له: «زوجني ابنتك». وهذا في اللغة العربية يجوز؛ تأتي عند شخص تقول له مثلاً: «أنا خاطب ابنتك»، وأنت الأب ليس وإنما تريدها لولدك، فهذا مما جاءت به اللغة. فمعنى «زوجني ابنتك» يعني سواء كانت لي أو لغيري، وهو يريد عليه الصلاة والسلام لغيره. فقال الأنصاري: فهم من ظاهر قول النبي صلى الله عليه وسلم «زوجني ابنتك» أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يريد زواجها عليه الصلاة والسلام، ففرح هذا الأنصاري وقال: «نعم» يعني نعم الخطيب أنت يا رسول الله، و«نعمة عين» يعني قرة عين لنا أن تكون ابنتنا مع رسول الأمة صلى الله عليه وعلى آله وسلم. لكن قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لست لنفسي أريدها»، يعني لا أريد أنا أن أتزوجها. فقال هذا الأنصاري: لمن؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لجليبيب». هذا الصحابي رضي الله تعالى عنه وأرضاه. فقال الأنصاري: حتى أستأمر أمها، يعني حتى أستأذن أمها هل ترضى بهذا، هل توافق على هذا؟ فأتى هذا الأنصاري زوجته فقال لها مثل ما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن رسول الله يخطب ابنتك». قالت الزوجة: نعم ونعمة عين، زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم. لكن قال لها: إنه ليس يريدها لنفسه. فقالت زوجة الأنصاري: لمن؟ قال الأنصاري: لجليبيب. فصاحت هذه المرأة وقالت: «حِقّاً»، وهذه كلمة يقولها العرب عند المصيبة، عند المصيبة، فجعلت هذا الأمر كالمصيبة. «أجليبيب؟» يعني نعطي ابنتنا جليبيب، نزوج ابنتنا جليبيب؟ «إنيه» كلمة تعجب واستنكار تأتي في اللغة، كلمة تعجب واستنكار لهذا الأمر. قالت ذلك مرتين متعجبة ومستنكرة لهذه الخطبة، ولذلك قالت: «لا، لعمر الله، لا أزوج جليبيباً»، يعني تحلف بالله أنها لا تزوج جليبيباً لفقره ولذمامة خلقته. قال: فلما قام أبوها ليأتي النبي صلى الله عليه وسلم، يعني يعتذر للنبي صلى الله عليه وسلم ويقول للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أمها لم توافق على ذلك. فقالت الفتاة لأمها في خدرها، والخدر هو الموضع الذي يكون في ناحية البيت تختبئ فيه البكر، كما جاء في وصف حياء النبي عليه الصلاة والسلام: «كان عليه الصلاة والسلام أشد حياء من العذراء في خدرها». كان من حياء نساء الصحابة: البنت الصغيرة البكر تبقى في موضع من البيت لا تخرج ولا تتسوق ولا كذلك تذهب هنا وهناك، وإنما تستقر في خدرها. فكأن هذه الفتاة سمعت الحوار الذي دار بين أبيها وأمها، فقالت الفتاة لأمها من خدرها: «من خطبني إليكما؟» من الذي كلم أبي في خطبتي؟ قالت أمها: النبي صلى الله عليه وسلم، رسول الله، رسول الله. فانظروا إلى استجابة هذه الفتاة لأمر الرسول وتعظيمها لأمر الرسول عليه الصلاة والسلام. فقالت هذه الفتاة: «فتردون على النبي صلى الله عليه وسلم أمره؟» وفي لفظ ذكره الحافظ ابن كثير في بعض كتبه نقلاً عن ابن عبد البر أنها تلا قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36]. فقالت هذه الفتاة: «ادفعوني إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه لا يضيعني». ثقة بالله عز وجل وتوكل على الله سبحانه وتعالى وإيمان بالنبي عليه الصلاة والسلام. فأتى أبوها النبي صلى الله عليه وسلم، طالما أن هذه رغبة البنت وقول البنت ورأي البنت فالأمر أمرها. فقال الأنصاري للنبي صلى الله عليه وسلم: شأنك بها. خلاص، هذه البنت زوجها الذي ذكرت. قال: فزوجها جليبيباً. فزوجها جليبيباً. جاء أيضاً في بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم دعا لها، هذا ذكر أيضاً الحافظ ابن كثير، دعا لها فقال: «اللهم صب عليها الخير صباً، ولا تجعل عيشها كداً كداً». هذا رواه البيهقي. فقال الراوي: فما كان في الأنصار امرأة - أي من أنفقوا منها - يعني ما كان في الأنصار امرأة بدون زوج أكثر نفقة وأكثر سعة في العيش والمال من هذه المرأة، من هذه المرأة بعد موت زوجها، رضي الله تعالى عنها وعن زوجها. ثم أغزى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في مغزى، والمغزى المراد به في سفر غزو، في سفر غزو يعني جهاد في سبيل الله. فأفاء الله عليه، يعني جاءت المغانم والأموال التي يكسبها المسلمون بعد الغزو. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه بعد انتهاء الغزو: «هل تفقدون من أحد؟» هل أحد ممن كان معنا لا يوجد؟ فقالوا: نعم، فلان وفلان وفلان، ذكروا أسماء ولم يذكروا جليبيباً. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هل تفقدون من أحد؟» لعل بعضهم يذكر جليبيباً. كرر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك. فقالوا: نعم، فلان وفلان وفلان، لكنهم لم يذكروا جليبيباً. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هل تفقدون من أحد؟» المرة الثالثة. قالوا: لا، هؤلاء الذين نعرفهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لكني أفقد جليبيباً، فاطلبوه». إذا لم تذكروا هذا الرجل فأنا أذكره، وأنا كذلك أعرف منزلته وأعرف قدره بين أصحابي. فذهبوا يبحثون عنه، فطلب في القتلى فوجدوه إلى جنب سبعة قد قتلهم من الكفار، قتل سبعة رضي الله عنه، ثم بعدما قتلهم قتلوه. فأخبروا النبي صلى الله عليه وسلم، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فوقف عليه، وقف على جليبيب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «قتل سبعة ثم قتلوه، هذا مني وأنا منه، هذا مني وأنا منه». يكرر ذلك مرتين. وهذا قال شراح الحديث: فيه المبالغة في اتحاد طريقتيهما واتفاقهما في طاعة الله، أي أنه مني حيث عمل بعملي واقتدى بهدي، رضي الله تعالى عنه وأرضاه. قال الراوي: فوضعه على ساعديه، هذا الساعد من الرسغ إلى المنكب، هذا كله يسمى الساعد. فالنبي صلى الله عليه وسلم وضع جليبيباً على ساعديه، قال: «ليس له إلا ساعدا النبي صلى الله عليه وسلم»، يعني حمله حملاً على ساعديه. قال: فحفر له، حفر له قبراً ووضع في قبره، ولم يذكر غسلاً، لأن في بعض المواضع النبي صلى الله عليه وسلم لم يغسل ولم يصل على الشهداء، على الشهداء الذين ماتوا في أرض المعركة، ومن ذلك ما ورد في هذا الحديث. الحديث هذا والقصة هذه فيها فوائد كثيرة، نأخذ ما تيسر منها. فمن فوائد هذا الحديث: فيها حب الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه وعنايته واهتمامه بأحوالهم والسعي في قضاء حوائجهم، فكان لهم عليه الصلاة والسلام نعم الصاحب، يسعد لسعادتهم ويحزن لحزنهم ويسعى لتفريج كرباتهم. فانظر كيف سعى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لتزويج جليبيباً، أو لتزويج جليبيب رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وكما في حديث: «التمس ولو خاتماً من حديد»، لما جاءت امرأة وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم حاجة، فقال رجل: زوجنيها يا رسول الله، قال: «اذهب فالتمس شيئاً»، فذهب، قال: لم أجد شيئاً يا رسول الله، قال: «اذهب فالتمس ولو خاتماً من حديد». فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يسعى لتفريج كربات أصحابه، وهذا معنى من معاني قوله عليه الصلاة والسلام: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً»، وشبك بين أصابعه. تفقد المحتاج والمعسر والمريض ونحو ذلك، هذا من المعاني العظيمة التي دعا إليها الإسلام وحث عليها النبي عليه الصلاة والسلام بأقواله وأفعاله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومن فوائد هذا الحديث أيضاً: المكانة العظيمة التي تبوأها جليبيب رضي الله عنه، وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم الشديد له، مما جعله يتفقده ويسأل عنه، ثم جعل ساعديه له سريراً بعد استشهاده، ويقول مرتين: «هذا مني وأنا منه». ماذا عمل هذا الرجل؟ ما إنفاقه وما حسبه ونسبه وما حسنه وجماله؟ لا يملك شيئاً من ذلك، وإنما وصل إلى هذه المنزلة العالية وإلى هذا المستوى من المحبة، محبة النبي صلى الله عليه وسلم له، بسبب إيمانه وبسبب كذلك جهاده وحبه لدين الله سبحانه وتعالى. فمنزلة الإنسان في ميزان النبي صلى الله عليه وسلم تكون على قدر التقوى وعلى قدر ما يقدم العبد من تضحيات لأجل دينه، لا على الإنسان ولا يضره إذا كان فقيراً أو كان ذميم الخلقة أو كان ضعيف النسب، إذا كان ذا تقوى وإيمان وصدق. من قال: لعمرك ما الإنسان إلا بدينه، فلا تترك التقوى اتكالاً على النسب. فقد رفع الإسلام سلمان الفارسي، وقد وضع الشرك الشريف أبا لهب. انظر: أبو لهب من أعمام النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو ذو نسب، بل وذو حسن وجمال في خلقته، لكنه وضيع في ميزان الإسلام، بل هو من أهل النار: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَىٰ نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد: 1-3]. انظروا كيف وضعه الشرك، وكيف رفع سلمان وهو فارسي، وكيف رفع جليبيب وهو ضعيف النسب وذميم الخلقة وفقير، ومع هذا كان بهذه المنزلة العالية عند رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فالنبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس في حجة الوداع وهو يقول عليه الصلاة والسلام: «يا أيها الناس، إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، فلا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأسود على أحمر، ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى». وكما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]. هذا هو الكريم عند الله سبحانه وتعالى، ذو التقوى. وفي هذا الحديث أيضاً من الفوائد والمسائل: عاقبة طاعة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأن فيها خيراً عظيماً في الدنيا والآخرة. وكما تقدم أن هذه الجارية تلا قول الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾. ففيه شدة استجابة الصحابة لأمر النبي عليه الصلاة والسلام، ولو كان في أمورهم الأسرية وفي أمورهم العائلية وفي زواجهم. انظر ما كانوا يخالفون أمر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بل هم من أشد الناس حرصاً واتباعاً له عليه الصلاة والسلام، حتى في الأمور الجبلية. ابن عمر كان من أشد الصحابة اتباعاً للنبي عليه الصلاة والسلام، حتى كان يتحرى الطريق التي كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يمشي فيها. وهكذا أنس بن مالك كان يتتبع الدباء، ويقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم يتتبعها، فهو يحبها بحب رسول الله صلى الله عليه وسلم لها. انظروا في الأمور الجبلية، في الأمور العادية، فكيف في أمور الشرع والدين؟ فهم من أحرص الناس على ذلك. وكذلك في طاعة الرسول عليه الصلاة والسلام الخير والبركة. فانظروا إلى إيمان هذه المرأة، لما علمت برفض أبويها زواج جليبيب وقد خطبها النبي عليه الصلاة والسلام، فقالت: «ادفعوني إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه لا يضيعني». ولم يضيعها الله سبحانه وتعالى، فقد استشهد زوجها فهي زوجة له في الجنة، نعم. وكذلك فتح الله عليها ويسر الله أمرها بعد موتها بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم صب عليها الخير صباً، ولا تجعل عيشها كداً كداً». وكذلك من فوائد هذا الحديث أيضاً، ومما نستفيده أيضاً: أن المسلم يختار لوليته، لابنته، الرجل الصالح، لا ينظر إلى المال ويترك الدين، أو ينظر إلى الحسب والنسب ويترك الدين. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أتاكم ممن ترضون دينه وخلقه فزوجوه». الدين والخلق، ولا يمنع أن يجمع الإنسان في موافقته على رجل الدين والخلق والمال أو النسب، هذا من باب كمال الأمر. لكن إذا خُيِّر بين صاحب الدين والخلق ولم يكن معه مال أو نسب، وبين صاحب المال والنسب ولم يكن معه خلق ودين، فلا شك أن وصية النبي عليه الصلاة والسلام: اختيار ذي الدين والخلق، اختيار ذي الدين والخلق. طيب، نكتفي بهذا وإلى هنا.