من صحيح القصص النبوي 9

من صحيح القصص النبوي 9

الدرس في من صحيح القصص النبوي 9، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

قصة مرثد بن أبي مرثد مع عناق وامتحان العفة ونجاته

يروي الحديث قصة الصحابي مرثد بن أبي مرثد الذي رفض دعوة البغي عناق للزنا فوشت به، فطارده ثمانية رجال واختبأ في غار فبالوا عليه ولم يروه بتستر الله عليه. بعد نجاته واستكمال مهمة تهريب أسير حمله على ظهره، سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن نكاح عناق، فنزلت آية النور تحرم نكاح الزاني إلا على زانية أو مشركة، فأمره النبي بتركها.

دروس وعبر من قصة مرثد ونهي النبي عن نكاح البغي

يستعرض المقطع فوائد الحديث ومنها نصرة الصحابة للدين وفكاك الأسرى، وثبات المؤمنين المستضعفين، وتحريم الإسلام للفواحش، وشجاعة مرثد وتقواه، وأهمية الكفاءة في النكاح بأن يتزوج العفيف العفيفة، وكرامة الله لمرثد بإعماء أبصار المشركين عنه. كما يؤكد تحريم نكاح الزانية على المؤمن حتى تتوب وتستبرأ.

خاتمة الجلسة وطلب التعاون من الحضور

يختتم المتحدث الجلسة مؤكداً الاكتفاء بما ذُكر، ويسأل الله العلم النافع، ويطلب من الحضور التعاون في شد الساتر داعياً لهم بالخير والبركة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: طيب، نأخذ من صحيح القصص النبوي ما أخرجه أبو داود والترمذي وصححه العلامة الألباني عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: كان رجل يقال له مرثد بن أبي مرثد وهو الغنوي، وكان رجلا يحمل الأسرى من مكة حتى يأتي بهم المدينة. وكانت امرأة بغي بمكة يقال لها عناق، وكانت صديقة له. وإنه كان وعد رجلا من أسارى مكة يحمله. قال: فجئت حتى انتهيت إلى ظل حائط من حوائط مكة في ليلة مقمرة. قال: فجاءت عناق فأبصرت سواد ظلي بجنب الحائط، فلما انتهت إلي عرفته، فقالت: عناق مرثد؟ فقلت: مرثد. فقالت: عناق مرحبا وأهلا، هلما فبت عندنا الليلة. قال: فقلت: يا عناق، حرم الله الزنا. قالت: عناق يا أهل الخيام، هذا الرجل يحمل أسراكم. قال: فتبعني ثمانية، وسلكت الخندمة، فانتهيت إلى كهف أو غار فدخلت، فجاءوا حتى قاموا على رأسي، فبالوا، فظل بولهم على رأسي، وأعماهم الله عني. قال: ثم رجعوا، ورجعت إلى صاحبي فحملته، وكان رجلا ثقيلا، حتى انتهيت إلى الإذخر، ففككت عنه كبله، فجعلت أحمله ويعيني حتى قدمت المدينة. فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، أنكح عناقا؟ فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرد علي شيئا حتى نزلت: ﴿الزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 3]. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا مرثد، الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة، والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك، وحرم ذلك على المؤمنين، فلا تنكحها». هذا الحديث معناه أن هذا الصحابي الجليل وهو مرثد بن أبي مرثد، وهو من المهاجرين الأولين رضي الله عنه، وقد شارك عدة غزوات مع النبي صلى الله عليه وسلم منها غزوة بدر الكبرى التي تقدمت معنا، ولما هاجر آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين أوس بن الصامت الأنصاري. واستشهد مرثد بن أبي مرثد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وهو أمير سرية الرجيع، وكان ذلك في سنة أربع في صفر سنة أربع للهجرة، وقيل سنة ثلاث للهجرة. فهذا الصحابي كان يأتي إلى مكة بخفية ويحمل الأسرى، ومعنى الأسرى يعني من يستضعفهم المشركون من أهل الإيمان ممن لم يهاجر، فكان المشركون يؤذونهم ويأسرونهم ويقيدونهم ويعذبونهم. فهذا الصحابي الجليل يأتي خفية في الليل ويأخذ أحد هؤلاء الأسرى ويذهب به إلى المدينة فيفك أسره ويجعله من المهاجرين. فذات مرة كان في الليل وكان تحت جدار حائط في ظل حائط يريد أن يأخذ أسيرا، أسيرا قد اتفق معه، فهو منتظر له حتى يجد فرصة فيذهب ويأخذه. فجلس تحت ظل حائط من حوائط مكة، وكانت هذه الليلة ليلة مقمرة يعني فيها شيء من ضوء القمر. فبينما هو جالس كانت هناك امرأة صديقة له قبل إسلامه في الجاهلية وهي امرأة بغي بمعنى زانية تأخذ على زناها المال، هذا يقال لها البغي. فعرفته، عرفت مرثد رضي الله عنه لأن القمر كان مضيئا فعرفته، فأرادت أن تتثبت فقالت: مرثد؟ يعني هل هذا الذي أمامي مرثد؟ قال: فقلت: نعم مرثد. فدعته والعياذ بالله إلى ما كانت تدعوه إليه في الجاهلية، فقالت له: مرحبا وأهلا، هل أمثبت عندنا الليلة؟ يعني عاود معنا الزنا والعياذ بالله. فما كان منه رضي الله تعالى عنه إلا أن قال: يا عناق، حرم الله الزنا، أنا مسلم والله عز وجل حرم على المسلمين، ما سأذهب معك. فغضبت هذه المرأة وهي كافرة، فقالت: يا أهل الخيام، هذا الرجل يحمل أسراكم. يعني وشت به عند المشركين. وأهل الخيام يعني أهل البيوت كانت بيوتهم من الخيام أو نحوها. فلما سمعوا ذلك منها قام ثمانية منهم وجروا خلف مرثد، تبعوا مرثد وجروا خلفه. وكان مرثد خبيرا بالطريق فسلك جهة الخندمة، والخندمة هو جبل معروف يقع بالقرب من جبل أحد عند مدخل مكة. فدخل بهم هذا الطريق جهة هذا الجبل حتى دخل إلى كهف أو غار مفتوح في الجبل دون أن يرونه وهم خلفه، فلا يدرون أين غاب عنهم. فجاءوا حتى قاموا على رأسي، يعني على فتحة الكهف أو الغار، ولكنهم لم يروه، وهذا من الكرامة التي أكرم الله عز وجل بها هذا الصحابي. لكنهم ماذا فعلوا؟ بالوا، بالوا في هذا المكان، فكأن فتحة الغار والكهف مائلة، فكان هذا البول كما قال: قال فظل بولهم على رأسي، وأعماهم الله، يعني بدأ البول ينزل إلى مرثد، فصبر رضي الله تعالى عنه وأرضاه. قال: ثم رجعوا، خلاص ذهبوا وتركوا، ما اهتدوا إليه وما عرفوا أين مكانه. فبعدما ذهبوا رجع لكي يأخذ صاحبه، فجاء إلى صاحبه فحمله. لماذا حمله؟ لأن صاحبه كان مقيدا مسيرا، مقيدا ما يستطيع المشي، ولو جلس يفك أسره لربما علم به القوم وسمعوا شيئا من صوته ذلكم الفك، فحمله على ظهره رضي الله عنه. وهذا الرجل كان ثقيلا يعني كان بدينا. قال: حتى انتهيت إلى الإذخر، يعني حتى ذهب به إلى مكان الشجر، الإذخر شجر معروفة كانوا يعني يستقدمونها في البناء وفي الأموات الدفن ونحو ذلك. قال: ففككت عنه كبله، يعني فك عنه القيد، اختفى تحت هذه الأشجار وفك القيد حتى يمشي معه. قال: فجعلته أحمله ويعيني، يعني كأن هذا الرجل كان بطيء المشي، بطيء المشي أو كان عليه أثر القيد فلا يستطيع المشي، فلا يزال مرثد يحمله. قال: حتى قدمت المدينة. انظر كم مسافة من مكة إلى المدينة، مسافة، ومع هذا كان يحمله تارة ولربما مشى تارة أخرى. قال مرثد: فقلت: يا رسول الله، أنكح عناقا؟ يعني أتزوج عليها، طبعا بعد أن تسلم، بعد أن تسلم. فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرد علي، فلم يرد علي شي، كأنه منتظر الجواب الوحي، فنزلت آية النور: ﴿الزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾. يعني المؤمن ما ينكح، المؤمن العفيف الطاهر ما ينكح الزانية. وهذا فيه النهي عن نكاح البغي أو ما كان في معناها. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم بعد ما ردد عليه الآية: «يا مرثد، فلا تنكحها». نهاه عن أن يتزوجها. فهذا الحديث فيه فوائد عدة، من أهمها: ما كان عليه الصحابة من نصرة هذا الدين وفك أسر المأسورين، فلم يرد في هذا الحديث أن مرثد كان يحمل الأسر من مكة بمقابل، ليس من أجل الدنيا، ليس من أجل المال، وإنما تعاونا مع إخوانه المسلمين الذين استضعفوا في مكة. وفي هذا أيضا الحالة التي كان عليها المسلمون في ذاك الزمان، فكانوا يؤسرون ويقيدون، وكما ذكر الله عز وجل في كتابه في وصفهم أنهم مستضعفون، استضعفوا من قبل الكفار، فصبروا ولم يغيروا ولم يبدلوا ولم يتركوا دينهم الذي خالط بشاشة قلوبهم. وهكذا الإيمان إذا خالط بشاشة القلوب فإن صاحبه يكون على ثبات ويكون على بينة من أمره، فلا يصده عن هذا الدين شيء، لا يصده عن هذا الدين شيء. وفي هذا الحديث أيضا شيء من ما عليه أهل الجاهلية من الفواحش والزنا، وكان البغايا منتشرات، فجاء الإسلام ونهى عن كل رذيلة ومن ذلك الزنا. فلذلك مرثد لما دعته هذه المرأة قال: يا عناق، حرم الله الزنا، طهارة وكذلك بعد عن مثل هذه الفواحش. وفي هذا الحديث أيضا من الفوائد شجاعة مرثد رضي الله تعالى عنه وتفانيه من أجل فك أسر إخوانه، رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وفي هذا الحديث أيضا العمل بالكفء في التزويج، فالطاهر لا يتزوج الزانية، وكذلك المستقيم لا يتزوج العاصية التي لا تعظم الأحكام الشرعية، والتي لربما تبرجت أو سمعت الغناء أو نحو ذلك. فالمستقيم يتزوج المستقيمة، والطيب يتزوج الطيبة، والعفيف يتزوج العفيفة. فالكفاءة في النكاح مما حث عليه الإسلام، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من جاءكم ممن ترضون دينه وخلقه فزوجه». الدين والخلق هذا من الكفاءة، فلا ينبغي لولي الأمر أن يسلم ابنته الطيبة العفيفة إلى رجل فاسق أو إلى رجل عاص لا يعرف حق زوجة ولا حق عشرة، فهذا لا يليق، فهذا لا يليق. ومن فوائد هذا الحديث كرامة لمرثد بن أبي مرثد رضي الله تعالى عنه، وهو أن الله عز وجل أعمى أبصار هؤلاء المشركين عنه مع أنهم عند رأسه، عند رأسه، كما أن الله عز وجل أعمى أبصار المشركين عن نبيه وصاحبه في الغار، غار ثور، فكذلك هذا الصحابي الجليل أعمى الله عز وجل أبصار هؤلاء المشركين عنه مع أنه بالقرب منهم وهم عند رأسه. فالأمر لله سبحانه وتعالى. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم. إن شاء الله تتعاونون في شد الساتر، هذا أجزاكم الله خير.