الدرس في شرح نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر 3، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع الشروط الأربعة للحديث المتواتر، ويبيّن أقسامه: اللفظي والمعنوي وشبه المعنوي، مع التمييز بين العلم اليقيني (القطعي بعد نظر) والعلم الضروري (الذي لا يسبقه نظر). ويشير إلى أن المتواتر اللفظي نادر، مستشهداً بحديث «من كذب علي متعمداً» الذي رواه أكثر من ستين صحابياً، وينتهي إلى أن المتواتر ليس داخلاً في علم مصطلح الحديث لعدم احتياجه إلى بحث في الإسناد.
يشرح المقطع أن الحديث المتواتر لا يحتاج إلى بحث في ضبط رجاله وعدالتهم، بل يكفي استحال تواطؤهم على الكذب ليفيد العلم الضروري الذي يحصل لكل سامع حتى العامي دون نظر واستدلال. ويناقش رأي ابن تيمية في أن المتواتر يفيد العلم القطعي لا الظني، خاصة ما احتفت به القرائن، مبيناً الفرق بين العلم الضروري الحاصل بغير استدلال والعلم النظري المشروط بأهلية النظر.
يشرح المقطع الفرق بين التواتر اللفظي والمعنوي، مبيناً أن مثال ابن الصلاح على ندرة المتواتر اللفظي صحيح، بينما الأمثلة التي رُدّ بها عليه غالباً من التواتر المعنوي كمسح الخفين ورفع اليدين. ويؤكد أن الكتب المعتمدة إذا اجتمعت على إخراج حديث بتعدد طرقه أفادت العلم اليقيني بصحته، وليس المتواتر وحده مصدر اليقين.
يوضح المتحدث أن المقصود بالتواتر في السياق هو التواتر المعنوي، بينما التواتر الحسي أو اللفظي نادر جداً في الأحاديث كما ذكر الحافظ ابن الصلاح، ويختتم بالدعاء لإنهاء الموضوع.
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه وسلم. بعد، فأخذنا في الدرس الذي مضى الكلام على المتواتر، أو شروط المتواتر، وهي: عدد كثير، يستحيل في العادة تواطؤهم على الكذب، رووا ذلك عن مثلهم من الابتداء إلى الانتهاء، وكان مستند علمهم الحس. فقلنا: رووا ذلك عن مثلهم من الابتداء إلى الانتهاء، ليس أنه عدد واحد، إنما قد يقل العدد قليلاً وقد يزيد كذلك. وبعضهم إذا كان كله متساوياً من الابتداء إلى الانتهاء يسميه مستفيضاً، وكان مستند علمهم الحس. وانضاف إلى ذلك أن يصحب خبرهم إفادة العلم لسامعه، فهذا هو المتواتر. هذه الشروط الأربع التي ذكرها المؤلف، وزيادة على ذلك قال: «فالأول المتواتر، وهو المفيد للعلم اليقيني». فأخرج النظر على ما يأتي تقريره، وشافٍ -إن شاء الله تعالى- أنه هل يفيد العلم اليقيني أو النظري. واليقيني: أي القطعي الذي لا شك فيه، والنظري: بالنسبة لبعض الناس، أي بالنظر إلى حال الأسانيد. وكذا قال: «واليقين هو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع». قال: «وهذا هو المعتمد: أن الخبر المتواتر يفيد العلم الضروري». والتواتر يأتي على أقسام: تواتر لفظي، وتواتر معنوي، وبعضهم يزيد أيضاً آخر وهو الشبه، شبه المعنوي، ويعرفه بعضهم يقول: هو ما كان إثباتاً لشيء لا أصالة له، مثل: حجية خبر الآحاد، حجية خبر الآحاد جاء متواتراً، أحاديث كثيرة تدل عليه. كذلك الأخذ بالقياس، والاستحسان، وغيرها من هذه الأمور، فهي دلت عليها قرائن شبه التواتر. وإلا كما قلنا: التواتر هذا أيضاً له تقسيم، أو الحديث له تقسيم: التواتر والآحاد. قد تكلمنا عليه، وقوله: «يفيد العلم الضروري»، وهو الذي لا يكون بنظر واستدلال، لأن النظر النظري أمر يحتاج إلى نظر واستدلال، بل لا بد أن يقطع به. وفرق بين العلم اليقيني والعلم الضروري: قد يكون العلم يقينياً ليس ضرورياً، يقينياً بواسطة النظر، أيقن أنه خبر يقين بعد النظر فيه. لكن الضروري: الذي لا يكون قبله نظر ولا استدلال، أي: إن الضروري لا يحتاج إلى بحث أو نظر في أموره. ولهذا المتواتر بعضهم لا يدخله في علم الحديث، وهذا أيضاً الذي رجحه الحافظ: أنه ليس داخلاً في علم مصطلح الحديث، وإنما ذكره الحافظ هنا من باب تبيين بعض الأمور التي هي مكملة لعلم المصطلح، وأنه ليس من هذا الباب؛ لأنه ليس فيه بحث في إسناده. وهذا في المتواتر اللفظي، ليس المتواتر المعنوي. فالمتواتر اللفظي الذي تواتر لفظه، هو الذي تواتر لفظه قليل جداً، بل بعضهم قال: ما يوجد، أو قال بعضهم: لا يوجد. وبعضهم مثل بحديث: «من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار». هذا صحيح: «من كذب علي متعمداً» في الحديث هو مقتحم من النار. هذا الحديث متواتر لفظاً، رواه أكثر من ستين صحابياً، وتجد أيضاً كذلك عن الصحابي الواحد طرقاً كثيرة، هذا يدلك على تواتر هذا الحديث. وبعضهم ذكر حديث: «إنما الأعمال بالنيات»، وخطئوا ابن منده في ذلك. وذكروا أحاديث رفع اليدين، وأحاديث مسح الخفين، وهذا الغالب أنها بالمعنى، غالب أنها بالمعنى. طيب، فالآن: لأن المتواتر لا يبحث فيه ضبط رجاله وعدالتهم، وإنما نبحث عن شيء: نبحث عن عدم كذب الرواة الذين رووا هذا الحديث أو بعضهم. وإن لا، فإذا ثبت تواتره، أو أنه جاء من طرق كثيرة يستحيل تواطؤهم على الكذب، فهذا يكون من العلم الضروري. قال: «وهو الذي يضطر الإنسان إليه بحيث لا يمكنه دفعه». وهذا كما قلنا في المتواتر اللفظي. وذكر المعلق هنا في النكتة على النخبة: الشيخ علي، ذكر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو كلام متين عظيم. قال: «وقيل: لا يفيد العلم، وقيل: لا يفيد العلم إلا نظرياً»، وليس بشيء؛ لأن العلم بالتواتر حاصل لمن ليس له أهلية النظر كالعامي. هذا الكلام صحيح: العامي أيضاً يؤمن بأن هذا الحديث متواتر. إذا النظر: تركيب أمور معلومة أو مظنونة يتوصل بها إلى علوم أو ظنون. إذا كان مثلاً شيء، وأراد يتوصل إلى حل هذه المسألة، فهناك أمور معلومة يتخذها، فهذه الأمور تسمى نظراً. فهذا هو النظر. مثل: الجدار مائل، ويقولون: الجدار مائل، وكل مائل طائش، فالجدار طائش، أسقط. هذه تقريرات فلسفية أو منطقية. قال: «فلو كان نظرياً لما حصل لهم». طيب، وليس في العامي أهلية ذلك، فلو كان نظرياً لما حصل لهم، لما حصل لهم أنهم يقولون بالتواتر. لكن هذا الكلام فيه ما فيه؛ لأن الغالب أن العامي لا يعرف المتواتر، وإنما يعرفون أن هذا حديث صحيح، وكذلك يعرفون -بعضهم يعرف- أن هذا متواتر بعد كلام، لا أن ما يستطيع العامي أن يأتي ويقول: هذا حديث متواتر، وإنما بعد كلام، لا أن... ولهذا بعضهم يقرر أن حتى المتواتر فهو أيضاً كذلك يفيد العلم النظري. لماذا قالوا؟ لأن يبحث فيه كذب الرواة. لكن ليس هو هذا، إنما من باب إجمالاً فقط، هذا البحث يكون إجمالاً، فلذا، فلذا الصحيح أنه من العلم اليقيني. قال: «وفقه بهذا التقرير الفصل بين العلم الضروري والعلم النظري: فـ هذا الضروري يفيد العلم من غير استدلال، والنظر يفيد ولكن مع الاستدلال على الإفادة، سواء كان هذا وهذا. وإن الضروري يحصل لكل سامع، والنظري لا يحصل إلا لمن فيه أهلية النظر». لكن هذا من ناحية العلم: كلاهما يفيد العلم. كلما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: هذا العلم والعمل معاً، هذه عبارة السلف. وأما هذه الأشياء التي ذكروها: فكلها لا شيء، هذا يفيد العلم، وهذا يفيد الظن، وهذا كذا... فكلما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو يفيد العلم والعمل معاً. لكن هناك ذكروا مسألة: إنما مسألة هل يفيد العلم النظري أو الظني أو اليقيني. وهذه مثلاً مسائل الكلام. لكن تجد أن أكثر السلف، وأكثر أهل العلم الكبار الذين هم أمة المسلمين، كما ذكرهم شيخ الإسلام، يقولون: إنه يفيد العلم القطعي، وخاصة ما احتفت به القرائن، فإن كل ما احتفت به القرائن يفيد العلم القطعي لا الظني. أيش معنى القطعي؟ أن يقطع به، ليس أنه غلب الظن فقط، بل قطع أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله. قال: «إنما أبهمت شروط التواتر في الأصل، أي في الأصل، أيش في نخبة الفكر؟»؛ لأنه على هذه الكيفية ليس من مباحث علم الإسناد، إذ علم الإسناد يبحث فيه عن صحة الحديث أو ضعفه، وهذا المتواتر ليس له دخل في هذا. فلذا الذي يبحث تجد أنهم أهل الأصول، وإنما كما ذكر الحافظ هنا لإكمال أو لتنبيه على بعض الأشياء: إذا علم الإسناد يبحث فيه عن صحة الحديث أو ضعفه ليعمل به أو يترك، من حيث صفات الرجال وطرق الأداء، والمتواتر لا يبحث عن رجاله، بل يجب العمل به من غير بحث. قال: «فإذا ذكر ابن الصلاح أن مثال متواتر على التفسير المتقدم يعز وجوده، يعز وجوده، يعز مراده، يعز من القلة، أي لا يكاد يوجد من عَزَّ يَعِزُّ، إذا صار عزيزاً، أي لا يكاد يوجد لقلته. وإذا كان عَزَّ يَعِزُّ فهو المراد من أيش؟ عَزَّ يَعِزُّ: ههنا الغلبة، وإذا كان صار عزيزاً، وإذا كان عَزَّ يُعِزُّ بضم العين: أي صار قوياً من القوة والشدة». قال: «إن لا يدعى ذلك في حديث: من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار». فهذا الحديث كما قلنا قد أوصله بعضهم إلى أكثر من مئة صحابي، وألف، كما ذكر الحافظ العراقي في التقييد: أنه ألوف. والإمام الطبراني جزء في تقريب طرقه، وفيها رواياته. فهنا ذكر أيضاً الشيخ علي أن هذا الجزء أخرج، وقد حققه -حفظه الله- الشيخ علي، حقق هذا الجزء. قال: «قال: وما ادعاه من العزة ممنوع، وكذا ما ادعاه غيره من العدم، لأن ذلك نشأ عن قلة الاطلاع على كثرة الطرق وأحوال الرجال، وصفات من مقتضيات لإبعاد العادة أن يتواطؤوا على كذب أو يحصل منهم اتفاقاً». لكن أراد كلام ابن الصلاح يوحي أنه أراد المتواتر اللفظي، وهذا كلام صحيح: تجد أنه يقل الأحاديث التي هي تتواتر لفظاً، تتواتر لفظاً، أي لفظ نفسه تجده في الأحاديث، هذا قليل جداً في الأحاديث. فلذا الأمثلة التي رد على ابن الصلاح فيها أكثرها من التواتر المعنوي: مثل مسح الخفين، مثل رفع اليدين، أي لفظ الصلاة، مثل كذلك: «إنما الأعمال بالنيات». هذه كلها إنما هي تواتر معنوي، لا تواتر حسي أو تواتر لفظي، تواتر معنوي. فلذا لا إشكال على كلام ابن الصلاح. قالوا: من أحسن ما يقرر بكون المتواتر موجوداً وجود كثرة في الأحاديث: أن الكتب المشهورة المتداولة بأيدي أهل العلم شرقاً وغرباً، المقطوع عندهم بالصحة نسبتها إلى مصنفها، إذا اجتمعت على إخراج حديث وتعددت الطرق، وهو تعدد تحيل العادة تواطؤه مع الكذب إلى آخر الشروط، أفاد العلم اليقين بصحته لقائله. طيب، هنا أفاد العلم اليقين بصحته، وليس معنى ذلك أنه فقط المتواتر هو الذي يفيد العلم اليقين، وإنما كل ما كان صح عن النبي صلى الله عليه وسلم احتفت به قرائن فهو يفيد العلم اليقين. قالوا: مثل ذلك في الكتب المشهورة كثير، أي من هذه الأحاديث. لكن كما قلنا: هذا المقصود به التواتر المعنوي، وإلا التواتر الحسي أو اللفظي، أه، هو عزيز جداً لا يوجد في الأحاديث، كما قال الحافظ ابن الصلاح. إن شاء الله نختم، يا رب.