الوفاق في حل مشاكل الأزواج قبل الفراق 3

الوفاق في حل مشاكل الأزواج قبل الفراق 3

الدرس في الوفاق في حل مشاكل الأزواج قبل الفراق 3، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أهمية النية الحسنة والأسس الصحيحة قبل الزواج

يؤكد المتحدث أن نجاح الحياة الزوجية يقوم على أسس تُبنى قبل العقد، وأولها النية الصالحة التي تجعل الزواج عبادة مقدسة يعين الله عليها صاحبها. من يقصد بالزواج السمعة والمظاهر الدنيوية يتعثر في حياته، بخلاف من يبتغي وجه الله فيستقيم أمره.

أسس اختيار شريك الحياة ومشروعية النظر الشرعي

يبين المقطع أن حسن الاختيار يقوم على الدين والخلق لا المال أو الجمال، مستدلاً بأحاديث تفضيل ذات الدين، كما يوضح مشروعية النظر إلى المخطوبة بشروطه الشرعية للرجال والنساء على حد سواء. يؤكد أن هذا الحق المشترك يهدف لتحقيق الوفاق وتجنب المفاجآت المستقبلية، وأن الوصف الدقيق يغني عن الرؤية عند تعذرها.

خاتمة الدرس والإشارة إلى مسألة قادمة

يختتم المتحدث الدرس بالإشارة إلى بقاء مسألة سيتم تفصيلها في درس قادم، داعياً الله أن ينفع بالقول والعمل. يختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مع ذكر اسم المترجمة نانسي قنقر.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فبالأمس -إخواني في الله- كنا في مستهل هذه الدروس التوعوية العلمية الاجتماعية، والتي هي بصدد ذكر الحلول التي بها تحيا الحياة الزوجية. وأشرنا في الدرس الأول إلى ما يتعلق بأهمية هذا الموضوع من خلال خمس نقاط، ثم في الدرس الثاني إلى ما يتعلق بتنبيهات مهمة لا بد أن يتنبه لها كل دارس لهذه السلسلة العلمية. أولاهما: أن نعلم أننا بصدد حل النزاعات التي تصل في نهاية المطاف إلى الفراق والانفصال، وإلى الخلع والطلاق، لا إلى حل جميع المشاكل؛ إذ أن هذا من المحال. والتنبيه الثاني: ذكرنا أن الطلاق -والذي هو في محل الذنب- إذا كان لغير سبب شرعي، أما إذا كان الطلاق أو الخلع لأسباب شرعية فهذا لا عتب على أصحابه. وقد ذكرنا ما يدلل على ذلك من الكتاب والسنة. نشرع -إخواني في الله- في هذا الدرس في بيان أهم السبل التي بها يستطيع المرء أن يحيى حياة زوجية بعيدة عن المشاكل والأزمات والإرهاصات، أو يعين في حلها متى ما وقعت. وأول ما نشير إليه من هذه الأسباب: ما يكون من الأسباب التي يفعلها المرء قبل الزواج. نعم، من قبل الزواج تهيئ الأمور يا عبد الله؛ لأن الزواج إذا أقيم على أسس صحيحة فإن صاحبها سينعم بحياة سعيدة. والأمر كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ [التوبة: 46]. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: «وإن الإنسان إذا أراد شيئًا هيّأ له عدة». أنت إذا تريد شيئًا لا بد أنك قبل الدخول إليه أن تعد العدة. ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾، أي: قبل أن تخرج تعد الأمور المهيئة لهذا الأمر. وحتى في الناحية العلمية، كما قال العلماء: «من حرم الأصول حرم الوصول». وهكذا يقال في الحياة الزوجية: من حرم الأصول الصحيحة حرم الوصول إلى الحياة السعيدة. فلا بد أن تكون الأسس من انطلاقك يا عبد الله إلى عش الزوجية قائمة على أسس صحيحة حتى تنعم فيما بعد. ومن هذه الأسس الصحيحة يا عبد الله: أولاً، ما يكون من النية الحسنة. النية الحسنة التي ينبغي أن تكتنفها في صدرك وأنت تقدم على رابطة الزواج، وأن تعلم أنك أمام رابطة شريفة عظيمة منيفة، رابطة مقدسة، رابطة حفها الله عز وجل بالخير والبركة والرحمة. قال سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21]. من الذي جعل المودة والرحمة؟ الله سبحانه. من عنده يلقي المودة والرحمة بين الأزواج من أول ليلة؟ هذا من الله لعظيم هذه الرابطة عند ربنا سبحانه وتعالى. بل الشرع الحكيم جعل هذه الرابطة عبادة، عبادة تتقرب ويتقرب بها العبد إلى ربه، كما قال عليه الصلاة والسلام: «إذا تزوج العبد فقد استكمل شطر دينه، فليتق الله في الشطر الآخر». شطر الدين هذا يدلك على عظيم هذه الرابطة. فالإنسان إذا دخل على هذه النية معظّمًا لهذه الرابطة، فالله عز وجل يعينك؛ لأن من كان مع الله كان الله معه. لكن بخلاف من يدخل على رابطة الزواج لمقاصد ولأغراض دنيئة، مثل بعض الناس ربما يقدم على الزواج لأجل السمعة، وأنه تزوج من فلانة بنت فلان ذات حسب ونسب، أو أنه تزوج لكي يعقد الزواج في أعظم الأماكن فخامة ودفع المهور الفخمة، وكي يشار إليه بالبنان. هذا همه وهذا قصده وهذه نيته، هذا ليس الله معه عز وجل، لهذا يتعثر في حياته. إذن هذا الأساس من الأسس الصحيحة التي ينبغي أن يتفقدها الإنسان إذا أراد أن يقدم على رابطة الزواج، يعلم أنه قادم على رابطة معظمة مشرفة مقدسة مباركة، فليعد لها العدة، فإن عظمها يسر الله عز وجل أمرك. الأمر الثاني من الأسس الصحيحة ما يكون قبل الزواج: ما يكون من حسن الاختيار، ما يكون من اختيار شريك الحياة. كنت بالأمس يا عبد الله فردًا، لكن بعد الزواج سيكون معك شريك في حياتك، في أقوالك، في أفعالك، في تصرفاتك، في إراداتك، في أخبارك، في كل شيء. معك ستكون أنت وياك كالنفس الواحدة، كالنفس الواحدة. هنا لا بد أن الإنسان يختار، وهنا الاختيار يا عبد الله جاءت الشريعة بالإعانة بإعانتنا في ذكر المواصفات التي ينبغي أن تختار لمن نجعله شريكًا لنا. فالمرأة مثلاً إذا أرادت أن تختار، فلتختار من يعلم عنه الصلاح والخيرية والاستقامة، كما قال عليه الصلاة والسلام: «من أتاكم ترضون دينه وخلقه فزوجوه». الدين والخلق هذا المعيار في اختيار الأزواج يا أمة الله. فليس المعيار في الاختيار أن تختار إنسانًا لماله أو لجاهه أو لتجارته أو لحسبه ونسبه، وأنه من آل بني فلان وآل بني فلان. هذا ما يغني. وكم من امرأة دخلت على هذه القيود وعلى هذه المواصفات من غير اعتبار لصلاح المتقدم، دون النظر إلى تدينه، إلى صلاحه، إلى عبادته، إلى صلاته، إلى صيامه، إلى قيامه بحق الله عز وجل، لا اعتبار عندها بهذا، فلما تزوجت على شروط هي أرادتها، فإذا بالزوج يذيقها الأمرين: ضَرّاب، شَتّام، سَبّاب، لَعّان. ثم إذ بحياتهم تتعثر. وهكذا قسف حق الأزواج. الزوج إذا أراد أن يختار، نعم جاءت الشريعة بأنك يا عبد الله تختار المرأة الصالحة، كما قال عليه الصلاة والسلام: «الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة». فقط الصالحة، قيد الصالحة. وهكذا قال عليه الصلاة والسلام: «ثلاث من سعادة المرء»، وذكر من الثلاثة وقال: «المرأة الصالحة». تجد أن الصلاح يعني يدور مع المرأة؛ المرأة من غير صلاح ليست بالمرأة الكفء لك. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «فاظفر بذات الدين تَرِبَتْ يَدَاكَ». ذات الدين التي تعرف عنها بالعقيدة الصحيحة والعبادة والقيام بحق الله وحق عباده. لأن المرأة الصالحة ما أخذ من الصلاح والصالح، والذي يؤدي حق الله وأدى حق خلقه. فلا تغتر يا عبد الله بالمرأة بجمالها ودلالها، أو بما يتعلق بأشكالها وأنماط حياتها؛ هذا ما ينفع. وكم من أزواج دخلوا على هذه القيود، إذ بحياتهم تعيسة. المرأة ربما ما تصلي، وقد سمعت بهذا عن بعض الأزواج يشتكي زوجته: «ما تصلي، ما تصلي». لا تظنوا ما تصلي في المسجد، لا، ما تصلي حتى في بيتها، ما تركع لله ركعة. ألفت هذا، فارك الصالح -أعوذ بالله-، فلا يزال فيها في مشاجرة حتى يصل الأمر إلى الطلاق. هذا أمر متوقع. ناهيك عن أن تكون امرأة بذيئة اللسان، صليطة الأقوال، متعجرفة، أو متحررة زيادة عن اللزوم، فلا يزال الزوج وهو في مشاغبة يحاول أن يربي -الآن ليس تربية، قد ينفع وقد لا ينفع-، لكن لو جئت بها متربية وهي على خير، ولو كانت عامية لكنها على خير، تؤدي حق الله، تؤدي حق الوالدين، فهذا خير. فشاهد يا عبد الله على الأزواج من الرجال والنساء أنهم في حال الاختيار يراعوا هذه الشروط الشرعية، فالشرع ما وضعها عبثًا، وإنما حتى تكون الحياة الزوجية السعيدة. الأمر الثالث من الأسس الصحيحة والتي بها تكون فيها الحياة الزوجية السعيدة: النظر إلى المرأة قبل الزواج، وهي ما يسمى بالنظر الشرعي. وقد جاءت الأدلة الكثيرة، وهذا مذهب جماهير العلماء على أنه يشرع للخاطب أن ينظر إلى مخطوبته، وينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها. وقد دلت الأدلة الكثيرة في الصحيح وفي غيره على جواز ذلك. والعبرة والحكمة من النظر: أن لا يتفاجأ الأزواج بأشكال لا تعجبهم، فتكون هذه المسألة من غصة لحياتهم، من غصة لحياتهم. ومن هنا قال عليه الصلاة والسلام: «هلّا نظرت إليها، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما». يؤدم: أن يكون فيهما المودة والألفة، المودة والألفة فيما بينكم. فالنظر الشرعي مما جاءت به الشريعة، طبعًا بشروطها وقيودها: بشرط أن لا يكون هناك خلوة، والشرط الثاني: أن لا تكون متجملة متزينة متكحلة، وكذلك أن لا تكون هناك فتنة، بقيود يذكرها العلماء في كتبهم. فهذا مما ينبغي على الإنسان كذلك. تأتي مسألة أخرى: وهي أن بعض الناس يفاجأ أن هذا الأمر غير مستساغ في بعض المجتمعات، غير مستساغ في بعض المجتمعات. يعني يسمع الإنسان: نعم، أن من الأسس الصحيحة في الحياة الزوجية النظر، النظر حتى يعرف من سيعاشر سنوات طوال. أنت لو اشتريت بضاعة لا بد أنك تنظر إليها، ما تشتريها وهي مغطاة، الله أعلم بما في خلف هذا النايلون. لا بد أنك تتحرى، فكيف بشريكة الحياة وشريكة العمر؟ فالشرع أجاز لك يا عبد الله الرؤية، لكن كما سمعت أحيانًا تأتي العادات والتقاليد والأعراف بالمنع: «ما عندنا هذا، طيب». تأتي مسألة فقهية: هل يلحق الأولياء، أولياء الأمور، الإثمية في هذا الباب؟ الجواب: لا، ما هناك إثم. وقد سئل العلامة ابن عثيمين رحمه الله تعالى عن هذه المسألة: أن بعض أولياء الأمور وبعض الآباء يمنع، ولا... «ما عندنا أحد، إيش نظر شرعي؟ لا، فرجة بناتنا لا، ما أحد يتفرج، تريد أن تدخل ادخل». فسئل ابن عثيمين رحمه الله عن المنع، فقال: «ما هناك إثم، ما هناك إثم يلحق الأب؛ لأن المسألة إما أن تكون مباحة على قول بعض العلماء والفقهاء، أو تكون مندوبة أمر مندوب، قال: ولم يقل أحد بوجوب ذلك، لم يقل أحد بوجوب ذلك». واضح. فالشاهد إخواني في الله: قد ينصدم إنسان بعدم التمكن من الرؤية، فحين تنتقل إلى الطبقة الثانية وهي الوصف، أنك تنظر إلى الوصف الذي به ينال إعجابك، وأن لا تتفاجأ. تسأل مثلاً عن الطول، عن السمك والثخانة، عن الشكل، عن اللون، عن الشعر مثلاً، تعرف ما أن تقادم عليه. هذا أقل شيء إذا لم تتمكن من الرؤية. لأن سبحان الله من الأشياء -وهذا قد صار- أن بعض الناس لربما يقدم على الزواج، وأقدم على الزواج، وتم الدخول، لكن قبل هذا لم يظفر لا برؤية، ولم يسأل حتى عن الصفة، ما سأل حتى عن صفة، بل عنده ثقة عمياء، ثقة عمياء بأهله، بأمه أو بأخواته. خطبوا له، قالوا: «نريد لك بنت فلان»، قال: «على بركة الله، أنا وراكم». فلما دخل على المرأة، سبحان الله، تعثرت الحياة جدًا، تفاجأ بالشكل الذي ما كان في باله ولا في خاطره. والناس أذواق، والناس أشكال، وكم وكم وكم من المشاكل والأزمات، ودخول المصلح، من يصلح في هذا الباب؟ لماذا؟ لترك هذه الخصلة. كما قلنا: الأسس الصحيحة لا بد أن تراعى، وإلا فإن أصحابها سيذوقون بعد ذلك أشد ما يكون في وقت السعة من المشاكل والأزمات. فالشاهد إخواني في الله: فالإنسان يحاول أنه إن لم يظفر بالرؤية، فلا أقل من الصفة حتى يفهم ما الذي يقدم عليه. وهذا كذلك كما أفاد شيخ ابن عثيمين فائدة أخرى: على أن النظر كذلك ليس فقط للرجل، بل حتى المرأة تظفر. قال هذا ابن عثيمين: حتى في النظر الشرعي أن الرجل ينظر والمرأة تنظر كذلك؛ هي لا حق أن تعرف من الذي سيدخل عليها، لا تتفاجأ بإنسان هي داخلة على أنه فارس أحلام، فارس أحلام، وإذ به رجل بدين سمين، وشعره شيء آخر، وأنفه ولونه وبشر... قل: «إيش هذا؟ أنا ما دخلت على هذا، أنا دخلت على رجل رشيق، رجل أنيق، رجل...». لكن هذا الذي أوصى له، عندما عطلت هذه المسألة جاءت هذه المشاكل. فشاهد إخواني في الله: هذه المسائل الثلاث تعتبر من أهم الأسس الصحيحة التي تكون قبل الزواج: النية الحسنة، والاختيار بالضوابط الشرعية، وهكذا النظر. وبقي هناك مسألة أرجو الحديث عنها إن شاء الله في درس قادم. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ترجمة نانسي قنقر