المختصر في تاريخ الأنبياء والرسل 21

المختصر في تاريخ الأنبياء والرسل 21

الدرس في المختصر في تاريخ الأنبياء والرسل 21، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

عقوبة رفض دخول بيت المقدس وبداية التيه

رفض بني إسرائيل دخول بيت المقدس أدى إلى حكم الله بالتيه لمدة أربعين سنة، وخلالها كان موسى عليه السلام يربي جيلًا جديدًا. كانت هذه الفترة فرصة لتجديد الأمل وتغيير الأفكار السلبية لبني إسرائيل.

أحداث التيه الأربعين سنة

شملت أحداث التيه طلب تغيير الطعام واستقرار بني إسرائيل في الأرض وزراعتهم، بالإضافة إلى حادثة اغتسال موسى واستشهاد بني إسرائيل به. كانت هذه الأحداث جزءًا من تجربة بني إسرائيل في التيه.

قصص وحوادث خلال التيه وتعليم موسى

من القصص البارزة خلال التيه قصة ذبح البقرة واكتشاف القاتل، ورحلة موسى مع الخضر عليهما السلام، حيث تعلم موسى من الخضر حكمة أفعاله. كانت هذه القصص تعكس تعليمات إلهية وتجارب إنسانية.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فإخواني في الله، لازلنا في حوادث بني إسرائيل مع موسى عليه السلام، في ذكر ما سار وما جرى من فتنة عبادة العجل، بعد أن أتى موسى عليه السلام من الواد المقدس، فبدأ بنقاش قومه، وبعد ذلك بخطاب هارون، وبعد ذلك بتوبيخ السامري، والذي أمر بطرده وإخراجه، فمات منبوذًا، قائلاً: لا مساس، هذه عقوبة الدنيا، ناهيك عن عقوبة الآخرة. ثم بعد ذلك ذهب موسى للمرة الثالثة إلى وادي طوى، لكن قد انتخب سبعين رجلًا، وأكثر العلماء على أن القصد من هذه الرحلة والزيارة الاعتذار لما صدر منهم من الإهمال، ثم صار ما صار، أن الله عز وجل كتب عليهم الموت فأبيدوا، ثم بعثهم مرة أخرى، فرجعوا، فقام موسى عليه السلام بتعليمهم بما أنزل الله عز وجل من شريعة التوراة، فظهر التململ والتضايق، فمن كفوا عن هذا التململ حتى أنزل الله عز وجل عليهم، أو رفع الله عليهم الطور، فحينها التزموا: خذوا ما آتيناكم بقوة، فالتزموا. ثم بعد هذا الإنصياع بدأ موسى عليه السلام يعلم ويربي، ثم توجه بهم شمالًا إلى جهة بيت المقدس لكي يرجع قومه إلى مسقط رأسهم، لكنها قد أخذت وسلبت بعد مرور مئات السنين إلى الكنعانيين، كما يقول المؤرخون، وهم قوم عمالقة أشداء، قد بنوا أرض الشام بأسوار وحصون، حينها علم موسى أن الدخول إلى هذه البلاد يحتاج إلى قتال، فندب قومه إلى التجهز للنزال، إلا أنهم أبوا ورفضوا وجبنوا وخافوا، وقالوا تلكم المقالة المنكرة: اذهب أنت وربك فقاتلا، إنها هنا قاعد. حينها قال موسى: قال ربي إني لا أملك إلا نفسي وأخي، فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين، أي أحكم بيننا وبين هؤلاء الأشقياء، حينها أنزل الله حكمه المبين، قال: فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض، وهذا الحكم سيدخل بني إسرائيل في مرحلة جديدة من حياتهم، وهي المعروفة بمرحلة التيه. هذه الآية: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾، أولًا وقف أربعين سنة يتيهون، أربعين سنة يتيهون في الأرض، هذا وقف، فقد تقف هنا، وقد تقف هنا، لكن على أحد هذين أماكن الوقوف سيظهر لنا معنى، سيظهر لنا معنى. ففي قولي عز وجل: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾، عليهم معنى، أي أن هؤلاء يا موسى، هؤلاء الذين هم الآن عاندوا، هؤلاء ما أحد منهم سيظفر ببيت المقدس، محرمة، محرمة لن تكتح الأعينهم برؤية البيت المقدس، محرمة، هذا على هذا الوقف، ثم عقوبة أخرى: ﴿يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾، هذه العقوبة الثانية، هذا إذا قلنا أن الوقف على محرمة عليهم. ومن رأى من العلماء، لأن هناك وصل، لا عندي وقف: ﴿إِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾، أي أن بيت المقدس سيحرم عليهم لمدة أربعين سنة، ثم تعاد لهم الكرة، فيحتمل أن من عاش هذه الفترة قد يدرك هذا الفضل ويصل إلى هذا الظفر، فهذه قراءة، أي هذا معنى إذا قلنا بالوقف الأول، أو المعنى الآخر إذا قلنا بالوقف الثاني. بدأ مرحلة التيه، معناها أن بيت المقدس أنتم لا تريدون، إذن لن تصلوا إليه، لن تصلوا إليه، حرم الله عليهم أن يدخلوا إلى بيت المقدس، ويعاقبوا بهذه العقوبة: أربعين سنة يتيهون، هم أين كانوا؟ كانوا في أرض سيناء، في هذه البقعة، لأن الأحداث كانت تدور بين وادي المقدس طوى وبين جبل الطور، في هذه البقعة، جلسوا في طور السيناء، أو في قلب منطقة السيناء، فضربت عليهم المضيعة. كيف معنا: يتيهون في الأرض أربعين سنة؟ أي هؤلاء مهما داروا، داروا في هذه البقعة، أرادوا أن يخرجوا من حدودها ما استطاعوا، مثاله: يذهب الواحد، نقول أن سأذهب، يذهب، يمشي، يمشي، يمشي، يمشي، يمشي، فترة طويلة، أيام وليالي، ثم يجد أنه رجع إلى نفس المكان، كف هذا، رجع إلى نفس المكان، يغير، يذهب إلى الجهة اليمنى من هذه اليد، يذهب، تذهب جماعات منهم، يذهبون مسافات، ويبطعون المفاوز والصحاري والقفار، فإذا بهم يجدون أنفسهم لا زالوا في نفس المحل. كيف هذا؟ ضرب الربنا عليهم التيه، يضيعون، يضيعون، ضياع، وهم في بقعة محدودة، لكنهم في أرض الواقع ما يستطيعون الخروج، أربعين سنة، كذا كتب الله عليهم، مكتوبة، مكتوبة، ما سيخرجون من سيناء أبدًا، حتى تنتهي، تنتهي هذه الموعدة، هذه المرحلة، من الذي دخل فيها؟ كل بني إسرائيل، كلهم، باها، حتى خلف منهم، حتى موسى وهارون، حتى موسى وهارون دخلوا معهم في التيه. لكن سيأتي معنا أن موسى عليه السلام كان بإمكانه الخروج، يخرج إذا أراد أن يخرج، يعطيه ربنا الطريقة في إخراج من سيناء، لأنه خرج، سيأتي معنا، لكن غيره ما أحد يخرج، من دخل معهم في التيه، أيضًا دخل معهم الحجر الذي إذا ضرب كان يسقيهم إثنى عشرة عين، دخل معهم، دخل معهم الغمام، دخل معهم المن والسلوى، معهم، هؤلاء جلسوا معهم، منها السقيا، ومنها الطعام والشراب، ومنها الظل والاستتار، كل هؤلاء دخلوا في مرحلة التيه، مرحلة التيه. إخواني في الله، وإن كانت كما يعبر بعضهم منحة أو محنة عظيمة شديدة، لكن من ورائها منحة، منحة من ورائها، ما الحكمة من هذه الفترة المضروبة على بني إسرائيل؟ هذه الفترة المضروبة فيها أن موسى سيتفرغ لهؤلاء، أين سيذهبون؟ ما هناك ما فر من ذهب يمنى، سيذهب، سيرجع، ومن ذهب هناك سيرجع، سيرجعون إلى موسى عليه السلام، وموسى سيربي أربعين سنة، معناها أن من ولد في السنة الأولى ستنتهي هذه المرحلة، وعمره كم؟ أربعين سنة، يعني تخيل اليوم أول عام في من عام التيه، جاء هذا المولود الجديد، سيخرجون من التيه، وعمره كم؟ أربعين سنة، عمره هما. الحكمة، قال العلماء في ذلكم، أن موسى سيربي جيلًا جديدًا، هؤلاء الذين كانوا معه، والذين خرجوا من مصر، وأنقذهم الله، وأعطاهم الله الآيات، وأعطاهم الله الكرامات، ورأوا ما رأوا، ومع ذلك ما استفادوا شيئًا، هذا جيل ما ينفع، سيزاح، يزاح، لن يرى بيت المقدس، ولن يظفر بشيء، بمقابل إزاحته سيأتي جيل جديد، جيل جديد سيتربى، يتربى على يد موسى، الجيل القديم قد جاء، وهم ملوث، ملوث بأفكار، رأينا ما وقع من عبادة العجل، رأينا من عنادهم، من تعنتهم، من مشاكلهم، ما عندهم ذاك الاحترام، ما عندهم ذاك الاعظام، عندهم الجبن، عندهم الخوف، عندهم بلاء، جيل ما ينفع، ما ينفع. لما سيأتي؟ لأن ستأتي معنا مراحل هذه الأمة، ستأتي له قوة، لكن ليس على هؤلاء، هؤلاء سيصفون، سيأظهر جيل آخر جديد، قوي، قوي، وهذه الحكمة أن يربيهم موسى عليه السلام، كما سيأتي معنا. نبدأ الآن بأحداث خلال هذه الأربعين سنة المضربة، وقعت أشياء وحوادث كثيرة، سنذكر أهم ما يمكن أن يذكره العلماء في هذه الفترة، قبل أن ندخل في الحوادث التفصيلية، هناك حادثة يذكرها العلماء في هذا المقام، ولعل المقام هنا يناسب ذلكم. طبعًا موسى عليه السلام لما أوحى الله إليه بهذه المسألة بالتيه، وأنهم سيتيهون أربعين سنة، طبعًا موسى قد وصل إلى مرحلة من التعب، تعب شديد، ومن كان معنا يعلم ذلك، تعبًا، تعبًا شديدًا، مع فرعون أربعين سنة، وهو في مصارع مع فرعون، قال قد، ومن درس معنا تلكم القصص والحكايات والآثار والسيرة، يرى عظيم ما ابتلي به موسى عليه السلام، وما إن ينتهي من فرعون، وما لأه، حتى يجد هؤلاء من بني إسرائيل، ما كان من تعنتهم وعنادهم وإعراضهم، حتى في الأخير، جبنه من الدخول إلى آخر مرحلة، وهو الدخول إلى بيت المقرس: اذهب أنت وربك فقاتله. ثم يأتيه ماذا؟ الحكم الآخر، وهو التيه أربعين سنة، هنا موسى كما يقال وصل إلى مرحلة من التعب، الله بها علي حين طلب طلبًا ما طلبه، طلب أن يلتقي بآدم عليه السلام، تم هذا اللقاء، لكن أين؟ كيف؟ الله أعلم، الله أعلم بالتفاصيل اللقاء، لكن أخبرنا نبينا بما جرى من هذا اللقاء. طلب موسى أن يلتقي بآدم، فالتقيا، فتعارف، فقال له موسى عليه السلام مخاطبًا أباه آدم: أنت آدم الذي خلقك الله بيده؟ قال: نعم، أنت الذي أزجد الله لك ملائكته؟ قال: نعم، قال: أنت الذي أسكنك الله الجنة؟ قال: نعم، قال: فلما أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ ليش؟ يعني كما يقول بعضهم: وصل إلى مرحلة كنا في الجنة في راحة، يعني موسى كما يقال من يعلق على هذا الحلم من العلماء وصل إلى مرحلة من التعب. قال: ما الذي أخرجك ونفسك وجنتك، نفسك وذريتك من الجنة؟ كنا في راحة، فقال آدم عليه السلام: قال: أنت موسى؟ قال: نعم، قال: أنت الذي اصطفاك الله بكلامه وبرسالته؟ قال: نعم، قال: أنت الذي خطى الله لك التوراة بيده؟ قال: نعم، قال: أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن أخلق؟ شيء قدره الله علي قبل أن أخلق، ليس بحولي ولا بقوتي، أمر أشاءه الله. قال عليه الصلاة والسلام: فحج آدم موسى، فحج آدم موسى، نعم، الغلب لآدم عليه السلام، فحج آدم موسى. الشاهد بدأت مراحل التيه، مما يذكر من مراحل، طبعًا ما عندنا ترتيب دقيق، لكن نذكر أهم الأحداث، لعلى من أوائلها، لما وصل القوم في التيه، واستقر الحال، وأنه لا مخرج من التيه إلا بعد أربعين سنة، بدأ أولًا أرادوا أن يغيروا من أسلوب الطعام، طعامهم من وسلوى، من وسلوى، من وسلوى، قال: أدعو لنا ربك أن يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها، يعني يا موسى نريد تغيير الطعام، غير لنا الطعام، أدعو ربك أن يخرج لنا من خيراتها، أي شيء، ثوم، بصل، قثاء، قيل القثاء خيار، قيل هذا قثائها وفومها وعدسها وبصلها، أخرج لنا. فقالهم موسى: أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير؟ عندكم عسل، وعندكم لحم، لكن أرادوا التغيير، فإن شئتم اهبطوا مصرا، فإن لكم ما سألتم، اهبطوا مصرا، ليظنوا الضان أن مصرا هنا بمعنى بلاد مصر، لا ليس هنا بلاد مقصودة، بل اهبطوا مصرا هنا بمعنى أرضًا، لأن مصر هنا جمعها أمصار، أي أراضي. قالهم موسى: انزلوا إلى أي أرض، أي أرض ترونها صالحة، انزلوا فيها، استقروا فيها، فإن لكم ما سألتم، خاصة يعطيكم الله ما أردتم من الثمار، من البصل والعدس والثوم إلى آخره، اهبطوا مصرا، لأن إذا كانت مصر البلاد المعروفة، فإنها لا تنون، لأنه ممنوع من الصرف، لكن لما كانت بمعنى الأرض، نوّنت: اهبطوا مصرا، أي أي أرض، أي أرض تنفع. فنزلوا، فلما نزلوا واستقروا، وبدأوا بالزراعة، كان هذا مؤشر على استقرار الحياة، لأن الزراعة تحتاج إلى حرف، وإلى زراعة، وإلى سقيا، وإلى خدمات، واستقر بهم الأمر في هذا الشأن. كذلك مما يذكر في أمر التيه حادثة من حوادثها، أن موسى عليه السلام كان من شأنه إذا اغتسل كان يستتر، يستتر على خلاف ما عليه قومه، قومه الرجال إذا اغتسلوا اغتسلوا فيما بينهم عراء، ولا زال بعض المجتمعات تتفع هذه الظاهرة، أن يغتسل الرجال عراء، ولا زال الغرب تجد الغرب في الحمامات الجماعية الرجالية في مكان الاغتسال، تجد أن حمام مفتوح، وتجد هذا ما يسمى بالدش هنا، هنا، وهنا، لا أبواب، ولا جدران. فيأتي الإنسان عار ويغتسل تحت هذا وذاك، بجنبه يغتسل، وهذا، هذا في العصر الحديث أتكلم، فكان هناك أمم على هذه الطبيعة من العري، وكان بن إسرائيل على هذا، يغتسلون عراء، إلا موسى عليه السلام، كان يختبئ ويستتر ويغتسل، ما تركوا ما تركوا، قالوا: قالوا موسى ما اختبئ إلا لأنه فيه علة، فيه مرض، آدر، آدر، مرض عضوي، مرض عضوي، أي في جهاز، أو في عضوه، لهذا يختبئ حتى ما نرى، طعنوا فيه. يوم الأيام اغتسل موسى عليه السلام فاغتسل، وكان يضع ثيابه على حجر، فلما انتهى من غسله، وأراد أن يلبس ثيابه، إذ بالحجر يجري، حجر، والحليث بالبخاري يجري، وثياب موسى أين عليه؟ موسى لا محيص إلا من نزع ثيابه، فأخذ يجري موسى خلف الحجر، وينادي: ثوبي، حجر، ثوبي، حجر، يعني ثوبي يا حجر، رد لي ثوبي، إلا أن الحجر يمشي، وموسى يمشي خلفه، حتى جاء الحجر إلى مكان، فوقف، فأخذ موسى بثيابه. لكن أين وقف الحجر؟ وقف الحجر أمام ملأ بني إسرائيل، لأن موسى ماذا كان؟ كان عريانًا، عريانًا، فلما رأوا إلى خلقته، رأوه على أحسن وأجمل هيئة وصورة: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾، بَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا كَانُوا يَغْمِزُونَ وَيَطْعَنُونَ فِيهِ بِأَنَّهُ مَرِيضٌ، أو فيه علّة، هذه من الحوادث. كذلك من الحوادث التي تذكر في قضية التيه، قضية أن موسى عليه السلام حجة، حجة، ولهذا أشرنا في بداية الدرس على أن موسى له خاصية في قدرة على الخروج من سيناء، من التيه، وقد جاء ذلك من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه لما كان بين مكة والمدينة، قال: مر على وادي، قال: ما هذا الوادي؟ ما هذا الوادي؟ قالوا: هذا الوادي الأزرق، فقال عليه الصلاة والسلام: كأني أنظر إلى موسى وهو يلبي، كأني أنظر إلى موسى وهو يلبي، بمعنى أن موسى استطاع أن يخرج من التيه، ويصل إلى مكة، ويحج عليه السلام. وأيضًا مما يذكر من حوادث التيه، إخواني في الله، قصة جاء ذكرها في القرآن، وقال العلماء: وهذا محلها في التيه، أصبح بن إسرائيل بجثة مرمية، بجثة مرمية، وكان هذا الرجل معروف، عنده، وهذه أول حادثة قتل، وقد مر معنى أنه من شريعة اليهود، من شريعة التوراة: ولا تقتلوا أنفسكم، أي ممنوع أن يتجرأ أحد على قتل أحد، هذه من المحرمات. لكنهم فوجئوا بهذه الجثة، نعم، هناك قاتل، القاتل اختبأ، فالدارأتم فيها اختبأ بين العشائر والقبائل، وهم أمم، كما أسلفنا، أمم بمئات الألوف، شعب، وما ظأ ظهر نفسه، احتدم الأمر بين أولياء القتيل وبين من يشكون فيه، كادت الفتنة أن تقع، فترافع إلى موسى عليه السلام في أن يدعو ربه عز وجل في كشف القاتل. حينها أتى حكم الله عز وجل على موسى، فأخبره موسى بأن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة، بقرة، انتهى، اذبحوا بقرة، وكان الغرض من ذلك أن هذه البقرة المذبوحة يأخذ بشيء من أعضائها، فتضرب بها ببعض أجزائها، فترمى بها، أو يضرب بها الجثة، فستقوم، ستقوم الجثة، هذا المطلوب منكم، اذبحوا بقرة، اعترضوا، كما قلنا القوم، ما هؤلاء؟ ما تعلموا عن الانصياع، وإنما على الجدال. قالوا: أتتخذون هزوة؟ نقول لك جثة ميتة، ونريد القاتل، تقول: اذبحوا بقرة، قال: أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين، أعوذ بالله أكون أنا جاهل، حاشا، ما كان هذا من خلق الانبياء والرسل، فعلموا أن الأمر وحي، وهو الوحي من أول وهلة، لكن العناد، وانظر إلى الحكم، الحكم موجود، اذبحوا بقرة، لأنهم خرجوا الآن بضعة خطوات، خطوات، ووجدوا بقرة بجانبه، وأخذوها كافية. لأن الآن: اذبحوا بقرة، أي بقرة، ونكر في سياق الإثبات تفيد الإطلاق، على قاعدة الأصوليين، لكن التعنت، كما قال ابن عباس وغير، فلما شددوا شدد الله عليهم، أرادوا صفات هذه البقرة، إذن تريدوا الصفات، خذوا الصفات، لا فارض، ولا بكر، عوان، لا فارض، ولا بكر، أي ما يتعلق بسنها، بأنها لا كبيرة، ولا صغيرة، عوان، أي متوسطة العمر، هذا سنها كافي. لا، لا زالوا، انظر هم يشددون على أنفسهم، هم يشددون، الأمر واضح، انتهى، هذا صفته، دور ابحثوا، وهتوها، قال: ما لونها؟ أرادوا اللون، قال: لونها صفراء، فاقع لون، وتسر الناظرين، لونها صفراء، أصفر واضح، جلي، من رأاها، أي رأى البقرة، سر بمنظرها، ففعلوا ما تؤمرون، لا، لا زال الأمر ملتبس عليهم، هذه الصفات قد نجدها هنا، وهنا، ضيق علينا، ولا يزال التضيق عليهم. فأحينها أتى بالصفة الأخيرة، بأنها لا ذلول، أي أن هذه البقرة من صفاتها أنها غير مسخرة للخدمة، لن ترونها في المزارع، في الحرث، في سقي الماء، لا، لن تستخدم في هذه الأماكن، بل تتجدونها محفوظة في الحضيرة، لا ذلول، تثير الأرض، ولا تسقي الحرث، مسلمة، مسلمة، قال علماء: أي مسلمة من العيوب، سليمة من العيوب، لا فيها عين، لا في مشيتها، ولا في خلقتها، ولا في أجزاء بدنها، لا شيئة فيها، لا شيئة فيها، أي لا هناك لون يخالف لونها، أي صفراء، من أولها إلى آخرها، من أعلاها إلى أسفلها، ما هناك لون أسود، أو أبيض يخالف ما عليها من لون، لا شيئة فيها. قالوا: الآن جئت بالحق، الآن جئت بالحق، مع أنه متى جاء بالحق؟ جاء بالحق منذ أن قالهم: اذبحوا بقرة، هذا هو الحق الذي جاء به، لكنهم قوم أهل ماذا؟ أهل تعنت، فبعد ذا، طبعًا هناك مطولات في هذه القصة، لست بصدد الإسهاب فيها، فوجدوها بعد التيه، ولتية، حتى أنهم ما كادوا أن يتحصلوا عليها، وتعبوا في تحصيلها، فلما وجدوها، جئ بها، واجتمع الناس من كل حدب وصوب لرؤية هذا المنظر العظيم، والآية الباهرة، كيف أن ذبح البقرة سيدلهم على القاتل. فاجتمع الناس، والقاتل كان حاضر، لكن يتوارى، يتوارى، فلما ذبحت البقرة، أمر الله عز وجل بأن يؤخذ بعضًا منها، والله أعلم بهذا البعض، ما هذا العضو؟ الله أعلم، وكما قال ابن كثير رحمه الله: بأننا نبهم ما أبهمه القرآن، وما هناك مزيد فائدة إذا علمنا أن هذا العضو من البقرة هو القلب، أو اللسان، أو الفخد، ما هناك فائدة، المهم أنه أخذ عضو من البقرة، فضرب بها الجثة، فإذا بالجثة تضطرب، فتكون حية، فجلس الميت، فسئل: من قاتلك؟ فقال: فلان ابن فلان، فتم البحث عليه، فجيء به إلى هذا الميت، قالوا: أهذا؟ قال: نعم، ثم مات، وقد رجع إلى ما كان عليه من الموت، فكانت هذه آية من آيات الله الباهرات. كذلك مما أذكره، ومما أذكره العلماء في قضية أو حوادث التيه، قصة وهي تعتبر من أكبر وأعظم القصص التي جرت لموسى عليه السلام، ألا وهي أن موسى بينما كان يعلم بني إسرائيل، ويحدثهم بالأخبار والأحكام، انبهر بني إسرائيل من علم موسى عليه السلام، انبهروا، فقال قائل منهم: يا موسى، هل هناك أحد أعلم منك؟ هل هناك أحد أعلم منك؟ فقال: لا، موسى لما قال: لا، ما أراد بهذا النفي أن يخرج مخرج الفخر والخيلاء والعجب، لا، حاشا، لكن أجاب الذي يعلمه، أحد أعلم مني؟ ما هناك أحد أعلم، لأنه الوحي ينزل عليه، ما هناك أحد سيوازي بعلم الوحي. فقال: لا، ما هناك أحد، هو ما أراد الافتخار، حاشا، فأوحى الله عز وجل إليه: أن عبدي الخضر عنده من العلم ما ليس عندك، فحينها طمع موسى عليه السلام أن يقلب العلم من الخضر، طبعًا على القول الصحيح أن الخضر نبي من أنبياء الله، وإن كان من بعض أهل العلم من يرى أنه من الصالحين، لكن دلالة وظواهر الأدلة، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا فَعَلْتُ عَنْ أَمْرِي﴾، خضر قال: وما فعلت عن أمري، أي هذا ليس من اجتهاد، إذن دل على أن الوحي يتنزل عليه، فهو نبي. وعلى قول من يقول بأنه رجل صالح، فلا يظن كذلكم أن الخضر أعلم من موسى، ليس أعلم، فموسى هو الأعلم، لكن الخضر عنده شيء من العلم، ما ليس عند موسى، شيء في الأسباب والمسببات، لكن في الإيمانيات والعقائد، فموسى عليه السلام هو الأعلم والأكمل والأفضل، وكيف لا؟ فهو من أولي العزم من الرسل، ما أحد يدانيه. ذهب موسى عليه السلام لملاقات الخضر، وموعد اللقاء ملتقى البحرين، مجمع البحرين، مجمع البحرين، مكان بمعنى مكان الذي تجتمع فيه البحار، بحر وبحر، طبعًا حاول العلماء أن يتقصوا هذا المكان، أين هو بالتحديد؟ طبعًا الأقوال كثيرة، من كان قد عنده الخريطة يرى، يسمع بشيء اسمه خليج السويس، قيل: هذا خليج العقبة، قيل: هذا، منه من ذهب إلى مضيق هرمز، ومنه من قال: بأنه باب مندب، باب المندب، هم يبحثون عن أماكن فيها التقاء البحرين، فذكروا هذه المواطن. فعلى كل ما عندي تحديد صحيح صريحة حتى نجزم به، لكن أقرب الأقوال أن نقول أن موسى ما ابتعد كثيرًا، ما ابتعد كثيرًا، فهو قريب من مصب نهر النيل، مثلا مع البحر المتوسط، فوجد ذهب إلى مجمع البحرين، مكان يجتمع فيه بحار، فذهب موسى عليه السلام، وأخذ معه يوشع بن نون عليه السلام، سيأتي معنا أن يوشع بعد ذلك أصبح نبيًا، نبيًا من أنبياء بني إسرائيل، لكن في أول أمره ما كان نبي، وإنما كان يخدم موسى عليه السلام في أسفاره، وفي حله وترحاله. فتحرك موسى عليه السلام مع يوشع إلى هذا المكان، إلى مجمع البحرين، أو أمضي حقوبة، أو أمضي حقوبة، أي أن موسى يقول لفتاه: سأمشي، وسأمشي، وسأمشي إلى أن أدرك هذا الرجل، ولو أخذت على هذا المشي أحقاب، ولو عمرًا طويلًا، ودهرًا مديدًا، أنظر إلى النهمة في تحصيل العلم، حتى يستفيد عليه السلام، مع ما بلغه الله من المنزل العظيم، وكان عند الله وجيهًا، لكن أراد، أو أمضي حقوبة، أمشي، ولن أنكف عن المشي حتى أدرك بغيتي، أطلب العلم عنده. فمشي حتى نزل مكانًا أراد أن ينام ويستريح فيه، فنام موسى ويوشع، ففي أثناء النوم استيقظ يوشع، فإذا بأمر غريب يحصل، وهو أنه كان معهم مكتل، سلة، وهذه السلة كان فيها سمك، سمك لهم يقتاتون عليه، في أكثر روايات أنه كان مملح، لأنه ملحوه حتى يكون جاهز للأكل، ويأكلونه متما أرادوا. وكان هذا السمك المملح في مكتل، في سلة، استيقظ يوشع على منظر غريب عجيب، قيل: أن هم كانوا في طرف البحر، كأن شيء من الماء أصاب المكتل، فإذا بهذه السمك الميتة تضطرب، تتحرك، ثم تقفز، ثم تشق طريقها إلى البحر، تمشي، ويوشع ينظر إلى هذا الأمر الغريب، آية من آيات الله في إحياء الأموات، لكن سبحان الله، ومع عظيم هذه الآية، نسي يوشع هذه الحادثة تمامًا، وما أنسانيه إلا الشيطان، نسي. فما استيقظ واصل المسير، واصل المسير، وكأنهما سار طيلة الليل، لكما جاء في البخاري، فأكمل بقية ليلتهما، استمر، وفي صباح اليوم الثاني أصابهم التعب والنصب، وانظروا سبحان الله، يقول العلم: انظروا موسى مع أنه قطع مسافات طويلة إلى المبتغى، وما شعر بالتعب، طبعًا هنا هذا المكان الذي فقدوا فيه الحوت، هنا مكان الملتقى، لكن ما تفطنوا. لأن يوشع ما أخبر موسى بهذه الأمارة، فمشوا، لما مشوا، ومروا على النقطة والهدف الذي أرادوا، سبحان ما جاء التعب على موسى، ما أكمل بقية اليوم حتى أحس بالتعب، أحس بالتعب، فشعر بالجوع، وقال ليوشع لفتاه: آتنا غداءنا، لقد لقين من سفرنا هذا نصبًا، لما طلب موسى الأكل والغداء، أي الطعام، حينها تذكر يوشع أمر الحوت، والحوت إخواني في الله في اللغة العربية يطلق على السمك، بغض النظر عن حجمه، صغيرًا كان أو كبيرًا. وهذا في عرفنا، وإلى في أعراف بعض الناس يرون أن الحوت على الكبير، لا، وفي اللغة العربية على الصغير والكبير، فذكره يوشع بالحادثة التي صارت، فقال موسى: هذا ما نبغي، هذا بغيتنا، هذه الأمارة، هذه الأمارة، اللقاء للعبد الصالح، فرجع، فارتد على آثارهما قصصًا، ارتد، أي رجع، يعني هذا المكان، أمر بقية اليوم، فلما أخبروا، أو لما أخبره يوشع بالمكان الذي فقد فيه سمكة، أو الحوت، فارتد على آثارهما قصصًا، معنى قصصًا، أي تتبع للآثار. قصيه قد مر معنا ذلك في أولي قصة موسى، قصي، أي تتبع الأثر، قصصًا، أي تتبعوا الأثر، لماذا تتبعون الأثر؟ لأنه قلنا: أنا مشيهم بعد مطراق هذا المحل كان ليلًا، ليلًا، الآن لا بد أن يرجعوا إلى نفس المحل، فماذا كان عليهم أن ينظروا إلى الآثار، إلى آثار أنفسهم، أين مشينا؟ هنا يتتبعون آثارهم، حتى يصلوا إلى هذا المحل. فواجدوا الخضر عليه السلام، طبعًا الحديث في البخاري في إطالة، يعني في تفاصيل القصة، ويستطيع سدد تفاصيلها، لكن أحب أن أذكر ما جرى فيها، تعرف، تعرف خضر على موسى، وموسى على الخضر: أنت موسى، نبي بني إسرائيل، أنت الخضر، علمك الله مما علمك، علمني، أريد أن أطلب العلم، أريد أن أسير معك، أسير معك. فنصح الخضر عليه السلام بأنك إن سرت لا تسأل، لأنك ستجد مني، يعني أشياء لا تجد لها تفسيرًا مقبولًا عندك، فالزم الصمت إذا أردت أن تمشي، قال: هذا بيني وبينك، خلاص، هذا اتفاق بيني وبيني، سأمشي معك، ولن أسألك عن شيء، ولن أعصي لك أمرًا، فبدأت الرحلة، رحلة موسى مع الخضر، أول مرحلة وهي أول حادثة صارت، وهو أنهم ركبوا في السفينة، وجدوا كانوا على ساحل البحر، لأن الكلام كله على البحر. فوجدوا سفينة، وكانت من السفينة فيها أناس يعرفهم الخضر، وأحب أن يحسنوا إليه، فكأنهم أركبوه بلا نو، بلا أجرة، لكن في أثناء الطريق استغل الخضر عليه السلام غفلة أهل السفينة، فخارقها، اقتلع لوحًا، لوح كبير، أثر على شكل السفينة، شوهها، فهنا استنكر موسى هذا الفعل: تصنع هذا، تصنع هذا يا خضر، مع أناس أحسنوا إلينا، أحسنوا إلينا، لقد جئت شيئًا إمرًا، هذا أمر غريب، أجيب. فحينها ذكرهم موسى عليه السلام بالوعد: وأنا قد التزمت عليك أنك تصاحبني ولا تكلمني بشيء، استفهام، أو استنكار، فنسي موسى، نسي، واعتذر للخضر.