الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 14، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يفسر الشيخ حديث البخاري عن النبي يوسف عليه السلام مبيناً معاني ألفاظه، ثم يستعرض سيرة الفقيه المالكي عبد الرحمن بن القاسم وطلبه للعلم عند الإمام مالك. كما يروي قصة الجارية التي اختبرته ورؤياه للنبي يوسف في المنام.
يستعرض المقطع سلسلة رواة الحديث من المصريين ثم المدنيين مع بيان حال كل راوٍ ومنزلته، ويذكر قصة لوط ويوسف وإبراهيم كما وردت في الحديث. ويوضح اختلاف الرواية في لفظ «الشكر» و«الشك».
يشرح المقطع كيف برر النبي صلى الله عليه وسلم مواقف الأنبياء لوط ويوسف وإبراهيم عليهما السلام، مؤكداً أن ما صدر منهم لم يكن شكاً بل قوة إيمان ويقين. ويبين أن النبي صلى الله عليه وسلم أحق بالتواضع والاحتجاج لله، وأن إبراهيم طلب الطمأنينة لا الشك.
يختتم المتحدث شرح الحديث موضحاً أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر مواضع الأنبياء لبيان أنهم معذورون في ابتلائهم. ويؤكد أن الله تعالى أعلم بحكمته في ذلك.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وآله وسلم. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله: «باب: فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن، إن ربي بكيدهن عليم». قال: «ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه؟ قلن: حاش لله». والحاش: تنزيه واستثناء. وقول «حصحصا» أي: وضحا. «حصحص الحق» أي: وضح الحق. قال رحمه الله: حدثنا سعيد بن تليد، وهو سعيد بن عيسى بن تليد أبو عثمان المصري. قال: حدثنا عبد الرحمن بن القاسم، وعبد الرحمن بن القاسم هو الفقيه المشهور المالكي، وهو أفضل أو من أفضل أصحاب مالك خاصة، أخذ الفقه عن مالك فيعتبر فقيه المالكية بعد مالك، وهو الذي ألف المدونة من علم مالك. وكان رحمه الله قد طلب العلم في المدينة، هو مصري، وطلب العلم عند مالك سبعة عشر سنة أو أكثر. وقصة ابنه الذي جاء هو عبد الله، جاء يبحث عن أبيه، فجاء وسلم على مالك ثم سأل عن عبد الرحمن بن القاسم، فدل عليه، ثم احتضنه، قال: فرأيت رائحة الابن فإذا هو ابني عبد الله، ذهبت من عند أمه وهي حامل به، أنا ما رأيته، رأيته وهو شاب، وكل ذلك في طلب العلم كان شديداً في طلب العلم رحمه الله مجتهداً، حتى كان يسمى فقيه أهل مصر من الفقهاء المالكية، وهو من نشر أيضاً مذهب مالك في مصر. وهو الذي أيضاً تذكر له كرامة إتيانه لتلك الجارية، أن بعضهم يظن أنه عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر، وإنما هذا الذي عندما كان ذاهباً الحج فجلس في مكان، فجاءته جارية من أحسن جواري جمالاً، فوقفت عنده، فأعطاها شيئاً يظن أنها تريد مالاً، فقالت: ما أريد هذا، أريد ما الرجل يريد من امرأة، أو قالت: ما المرأة تريد من زوجها، فوضع رحمه الله رأسه بين رجليه وبكى، فذهبت هذه المرأة، حتى جاء أصحابه فرأوه يبكي، فسألوها عن ذلك فحدثتهم بذلك. وقد حصلت هذه القصة أيضاً لسليمان بن يسار، أي مثلها. وقد رأى عبد الرحمن بن القاسم نبي الله يوسف عليه السلام في المنام، وكان يقول لنبي الله يوسف عليه السلام: عجب كيف أنك عذبت أو كذا من المرأة وهي تريد ما تريد المرأة من الرجل؟ فقال: لا عجب، فعلك فإني هممت وأنت لم تهم. هكذا ذكر هذه القصة، ذكرها صاحب المدارك، عياض بن موسى اليحصبي، صاحب المدارك في تراجم أصحاب مالك أو في ترتيب تراجم أصحاب مالك. قال: حدثنا عبد الرحمن بن القاسم، وليس له في البخاري إلا هذا الحديث، فهو منشغل بالفقه أكثر من الحديث. قال: عن بكر بن مضر، وهو أبو محمد، وقيل: أبو عبد الملك المصري، وهو ثقة كذلك. قال: عن عمر بن الحارق، وهو أيضاً المصري، وهو من حفاظ أهل مصر. عن يونس بن يزيد، وهو العيل، أيضاً مصري. إلى هنا الإسناد مصريون: سعيد بن تليد، وعبد الرحمن بن القاسم، وبكر بن مضر، وعمر بن الحارق، ويونس بن يزيد، هؤلاء كلهم مصريون. ثم بعد ذلك يأتي من بعدهم مدنيون. قال: عن ابن شهاب، وهو الزهري، وهو مدني. قال: عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن. وابن شهاب قد أكثر عنهما. وابن شهاب رحمه الله اجتهد اجتهاداً عظيماً، فأخذ من الفقهاء السبعة ومن كان من أهل الحديث في المدينة، ثم لزمه الدين، فخرج إلى الشام، فيسر الله له ما يسدد به دينه عند هشام بن عبد الملك، ثم جعله يسكن في القصر، قصر هشام، حتى يكون مفتياً معه. لأنه كان زهري، أخذ مسائل العمر من سعيد بن المسيب، وسعيد بن المسيب كما قال عبد الرحمن بن مهدي أو يحيى بن سعيد: كان أعرف الناس بقضايا عمر، ولم يدرك عمر إلا وهو صغير، مات عمر وهو من ثمان سنين على القول الصحيح، لكنه تتبع قضايا عمر، فكان من أعرف الناس، وأخذها الزهري عنه، فلذا كان بعض الملوك من بني أمية يستعينون ويسألون الزهري في قضايا عمر إذا لم يجدوا شيئاً حديثاً عن النبي عليه الصلاة والسلام، فيسألون عن قضايا عمر لأنه كان ملماً، فهو محدث ملهم، فلذا كانوا يأخذون القضايا، إذا رأوا قضية ليس فيها إلا حكم عمر حكموا به، وهكذا كان عمر بن عبد العزيز وغيره من العلماء. قال: عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يرحم الله لوطاً، لقد كان يأوي إلى ركن شديد». قالوا: «ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي». «ونحن أحق بالشك من إبراهيم، إذ قال: رب أرني كيف تحيي الموتى، قال: أولم تؤمن؟ قال: بلى، ولكن ليطمئن قلبي». عندكم: «ونحن أحق بالشكر»، هذه الرواية ليست فيها بالشكر. فهذا الحديث فيه من تواضع رسول الله عليه الصلاة والسلام تواضعاً عظيماً، وذكر بعض الأنبياء الذين حصل منهم شيء مما يظن أنه خطأ، فأراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يلتمس لهم عذراً، وأيضاً أراد أن يبين أن لهم منزلة عظيمة عند الله، وما فعلوه خاصة يوسف وإبراهيم، إنما كان لقوة ما هم عليه من الإيمان. فقال: «يرحم الله لوطاً، لقد كان يأوي إلى ركن شديد»، لأنه قال: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾، فقال الله عز وجل على لسان الملائكة: ﴿إِنَّ رُسُلَ رَبِّنَا لَن يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾، أنهم رسل من الله، وأنه على ركن شديد، ويركن إلى ركن شديد وهو الله سبحانه وتعالى. لكن لوطاً عليه السلام أراد أنه ليس معه أحد يدفع عنه من البشر، فهؤلاء اجتمعوا قومه على ضيوفه ولا يستطيع أن يدفعهم لكثرتهم، فقال هذه المقالة، فقالوا: ﴿إِنَّ رُسُلَ رَبِّنَا لَن يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾. وقوله: «ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي»، أي: لما جاء الرسول إليه حتى يخرج، فلم يخرج، مع أنه قد لبث سبع سنين وكذا، لكنه لم يخرج، وإنما قال: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾، أي: هذا الملك يعرف لماذا قطعنا أيديهن، حتى سألهم يوسف، الملك، وبعد ذلك أخرج، أو خرج من السجن بعد ما انتفت تهمته، وهذا لقوة يقينه وإيمانه، فإنه لم يهرع للخروج حتى تنتفي الشبهة عنه، أن هؤلاء النسوة راودنه أو كذا، فأراد أن ينفي عنه هذه التهمة، فقال: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾. وأما قضية نبي الله إبراهيم عليه السلام، فقال: «ونحن أحق بالشك من إبراهيم»، جاء في رواية: «بالشك من إبراهيم»، قال: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾، فهو طلب هذا ليزداد يقيناً على يقينه، عنده يقين عظيم، فلو كان أحد يشك فليس إبراهيم الذي يشك، لو كان يشك إبراهيم يشك الناس كلهم. فقال: «نحن أحق بالشك من إبراهيم» عليه السلام، وإنما زيادة نعمان، وزيادة يقين، وليس شكاً في قدرة الله جل وعلا. وقول النبي عليه الصلاة والسلام: «ونحن أحق بالشك من إبراهيم»، معناه: أنه لو كان حصل لإبراهيم فنحن أحق به، لكنه لم يحصل لنبي الله إبراهيم، وليس أيضاً هو إمام أهل التوحيد، فكيف يحصل له مثل هذا؟ وإنما أراد اليقين أن يزداد يقيناً مع يقينه. فهذا ما ذكر في هذا الحديث، فذكر النبي عليه الصلاة والسلام هذه المواضع من مواضع الأنبياء، حتى يبين ما حصل بهؤلاء الأنبياء في هذا، وأنهم معذورون، وأنهم معذورون عليهم الصلاة والسلام، أن يُبتلى بهذا، والله تعالى أعلم.